الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ثم الشروع في التطوع في الوقت المكروه وغيره سواء في كونه سببا للزوم في قول أصحابنا الثلاثة ، وقال زفر : الشروع في التطوع في الأوقات المكروهة غير ملزم حتى لو قطعها لا شيء عليه عنده ، وعندنا الأفضل أن يقطع وإن أتم فقد أساء ، ولا قضاء عليه ; لأنه أداها كما وجبت ، وإن قطعها فعليه القضاء .

وأما الشروع في الصوم في الوقت المكروه فغير ملزم عند أبي حنيفة ، وزفر وعندهما ملزم فهما سويا بين الصوم والصلاة ، وجعلا الشروع فيهما ملزما كالنذر لكون المؤدى عبادة وزفر سوى بينهما بعلة ارتكاب المنهي وجعل الشروع فيهما غير ملزم ، وأبو حنيفة فرق والفرق له من وجوه : أحدها : أنه لا بد له من تقديم مقدمة ، وهي أن ما تركب من أجزاء متفقة ينطلق اسم الكل فيه على البعض كالماء ، فإن ماء البحر يسمى ماء ، وقطرة منه تسمى ماء ، وكذا الخل والزيت ، وكل مائع ، وما تركب من أجزاء مختلفة لا يكون للبعض منه اسم الكل كالسكنجبين ، لا يسمى الخل وحده ولا السكر وحده سكنجيبا ، وكذا الأنف وحده لا يسمى وجها ، ولا الخد [ ص: 291 ] وحده ولا العظم وحده يسمى آدميا ، ثم الصوم يتركب من أجزاء متفقة فيكون لكل جزء اسم الصوم ، والصلاة تتركب من أجزاء مختلفة ، وهي : القيام ، والقراءة ، والركوع ، والسجود فلا يكون للبعض اسم الكل .

ومن هذا قال أصحابنا : إن من حلف لا يصوم ، ثم شرع في الصوم فكما شرع يحنث ولو حلف لا يصلي فما لم يقيد الركعة بالسجدة لا يحنث ، وإذا تقرر هذا الأصل فنقول : إنه نهي عن الصوم فكما شرع باشر الفعل المنهي ، ونهى عن الصلاة فما لم يقيد الركعة بالسجدة لم يباشر منها فيما انعقد انعقد قربة خالصة غير منهي عنها ، فبعد هذا يقول بعض مشايخنا : إن الشروع سبب الوجوب وهو في الصوم منهي ففسد في نفسه فلم يصر سبب الوجوب ، وفي الصلاة ليس بمنهي فصار سببا للوجوب وإذا تحقق هذا فنقول : وجوب المضي في التطوع لصيانة ما انعقد قربة ، وفي باب الصوم ما انعقد انعقد معصية من وجه والمضي أيضا معصية والمضي لو وجب وجب لصيانة ما انعقد وما انعقد عبادة وهو منهي عنه وتقرير العبادة وصيانتها واجب ، وتقرير المعصية وصيانتها معصية ، فالصيانة واجبة من وجه ، محظورة من وجه فلم تجب الصيانة عند الشك ، وترجحت جهة الحظر على ما هو الأصل ، والصيانة لا تحصل إلا بما هو عبادة وبما هو معصية وإيجاب العبادة ممكن ، وإيجاب المعصية غير ممكن فلم يجب المضي عند التعارض ، بل يرجح جانب الحظر فأما في باب الصلاة فما انعقد انعقد عبادة خالصة لا حظر فيها فوجب تقريرها وصيانتها ، ثم صيانتها وإن كانت بالمضي وبالمضي يقع في المحظور ولكن لو مضى تقررت العبادة ، وتقريرها واجب ، وما يأتي به عبادة ومحظور أيضا فكان محصلا للعبادة من وجهين ومرتكبا للنهي من وجه فترجحت جهة العبادة .

ولو امتنع عن المضي امتنع عن تحصيل ما هو منهي ، ولكن امتنع أيضا عن تحصيل ما هو عبادة وأبطل العبادة المتقررة ، وإبطالها محظور محض فكان المضي للصيانة أولى من الامتناع فيلزمه المضي فإذا أفسده يلزمه القضاء ، ومنهم من فرق بينهما فقال : إن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ثبت بدليل فيه شبهة العدم ، وهو خبر الواحد .

وقد اختلف العلماء في صحته ووروده فكان في ثبوته شك وشبهة ، وما كان هذا سبيله كان قبوله بطريق الاحتياط ، والاحتياط في حق إيجاب القضاء على من أفسد بالشروع أن يجعل كأنه ما ورد بخلاف النهي عن الصوم ; لأنه ثبت بالحديث المشهور وتلقته أئمة الفتوى بالقبول ، فكان النهي ثابتا من جميع الوجوه فلم يصح الشروع فلم يجب القضاء بالإفساد ، والفقيه الجليل أبو أحمد العياضي السمرقندي ذكر هذه الفروق ، وأشار إلى فرق آخر وهو أن الصوم وجوبه بالمباشرة ، وهو فعل من الصوم المنهي عنه ، فأما الصلاة فوجوبها بالتحريمة وهي قول ، وليست من الصلاة فكانت بمنزلة النذر والله أعلم غير أنه لو أفسدها مع هذا وقضى في وقت آخر كان أحسن ; لأن الإفساد ليؤدي أكمل لا يعد إفسادا وههنا كذلك ; لأنه يؤدى خاليا عن اقتران النهي به ، ولكن لو صلى مع هذا جاز ; لأنه ما لزمه إلا هذه الصلاة ، وقد أساء حيث أدى مقرونا بالنهي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث