الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ومنها أن يكون مرتثا في شهادته وهو أن لا يخلق شهادته مأخوذ من الثوب الرث ، وهو الخلق ، والأصل فيه ما روي أن عمر لما طعن حمل إلى بيته فعاش يومين ثم مات فغسل ، وكان شهيدا وكذا علي حمل حيا بعد ما طعن ثم مات فغسل ، وكان شهيدا ، وعثمان أجهز عليه في مصرعه ، ولم يرتث فلم يغسل { ، وسعد بن معاذ ارتث فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بادروا إلى غسل صاحبكم سعد كي لا تسبقنا الملائكة بغسله ، كما سبقتنا بغسل حنظلة } .

ولأن شهداء أحد ماتوا على مصارعهم ، ولم يرتثوا ، حتى روي أن الكأس كان يدار عليهم فلم يشربوا خوفا من نقصان الشهادة ، فإذا ارتث لم يكن في معنى شهداء أحد ، وهذا ; لأنه لما ارتث ، ونقل من مكانه يزيده النقل ضعفا ، ويوجب حدوث آلام لم تحدث لولا النقل ، والموت يحصل عقيب ترادف الآلام فيصير النقل مشاركا للجراحة في إثارة الموت .

ولو تم الموت بالنقل لسقط الغسل .

ولو تم بإيلام سوى الجرح لا يسقط فلا يسقط بالشك ; ولأن القتل لم يتمحض بالجرح بل حصل به وبغيره ، وهو النقل ، والجرح محظور ، والنقل مباح فلم يمت بسبب تمحض حراما فلم يصر في معنى شهداء أحد ، ثم المرتث من خرج عن صفة القتلى ، وصار إلى حال الدنيا بأن جرى عليه شيء من أحكامها ، أو وصل إليه شيء من منافعها .

وإذا عرف هذا فنقول من حمل من المعركة حيا ثم مات في بيته ، أو على أيدي الرجال فهو مرتث ، وكذلك إذا أكل ، أو شرب ، أو باع أو ابتاع ، أو تكلم بكلام طويل ، أو قام من مكانه ذلك ، أو تحول من مكانه إلى مكان آخر ، وبقي على مكانه ذلك حيا يوما كاملا ، أو ليلة كاملة ، وهو يعقل فهو مرتث .

وروي عن أبي يوسف إذا بقي وقت صلاة كامل حتى صارت الصلاة دينا في ذمته ، وهو يعقل فهو مرتث ، وإن بقي مكانه لا يعقل فليس بمرتث ، وقال محمد : " إن بقي يوما فهو مرتث " .

ولو أوصى [ ص: 322 ] كان ارتثاثا عند أبي يوسف خلافا لمحمد ، وقيل : لا خلاف بينهما في الحقيقة فجواب أبي يوسف خرج فيما إذا أوصى بشيء من أمور الدنيا ، وذلك يوجب الارتثاث بالإجماع ; لأن الوصية بأمور الدنيا من أحكام الدنيا ، ومصالحها فينقض ذلك معنى الشهادة ، وجواب محمد محمول على ما إذا أوصى بشيء من أمور الآخرة ، وذلك لا يوجب الارتثاث بالإجماع كوصية سعد بن الربيع ، وهو ما روي أنه { لما أصيب المسلمون يوم أحد ، ووضعت الحرب أوزارها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع ؟ فنظر عبد الله بن عبد الرحمن من بني النجار رضي الله تعالى عنهم فوجده جريحا في القتلى ، وبه رمق فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر ، في الأحياء أنت أم في الأموات ؟ فقال : أنا في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول : جزاك الله عنا خير ما يجزى نبي عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام ، وقل لهم : إن سعدا يقول : لا عذر لكم عند الله تعالى أن يخلص إلى نبيكم ، وفيكم عين تطرف قال : ثم لم أبرح حتى مات فلم يغسل ، وصلي عليه } ، وذكر في الزيادات أنه إن ، أوصى بمثل وصية سعد بن معاذ فليس بارتثاث ، والصلاة ارتثاث ; لأنها من أحكام الدنيا ، ولو جر برجله من بين الصفين حتى تطؤه الخيول فمات لم يكن مرتثا ; لأنه ما نال شيئا من راحة الدنيا ، بخلاف ما إذا مرض في خيمته ، أو في بيته ; لأنه قد نال الراحة بسبب ما مرض فصار مرتثا ، ثم المرتث وإن لم يكن شهيدا في حكم الدنيا فهو شهيد في حق الثواب حتى إنه ينال ثواب الشهداء كالغريق ، والحريق ، والمبطون ، والغريب إنهم شهداء بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بالشهادة ، وإن لم يظهر حكم شهادتهم في الدنيا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث