الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

مطلب غسل الرجلين

( والرابع ) غسل الرجلين مرة واحدة ، لقوله تعالى : { ، وأرجلكم إلى الكعبين } بنصب اللام من الأرجل معطوفا على قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } كأنه قال : فاغسلوا وجوهكم ، وأيديكم إلى المرافق ، وأرجلكم إلى الكعبين ، وامسحوا برءوسكم .

والأمر المطلق لا يقتضي التكرار ، وقالت الرافضة الفرض هو المسح لا غير وقال الحسن البصري بالتخيير بين المسح ، والغسل وقال بعض المتأخرين بالجمع بينهما وأصل هذا الاختلاف أن الآية قرئت بقراءتين ، بالنصب ، والخفض فمن قال بالمسح أخذ بقراءة الخفض ، فإنها تقتضي كون الأرجل ممسوحة لا مغسولة ; لأنها تكون معطوفة على الرأس ، والمعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم ، ثم وظيفة الرأس المسح ، فكذا وظيفة [ ص: 6 ] الرجل ، ومصداق هذه القراءة أنه اجتمع في الكلام عاملان ، أحدهما : قوله : { فاغسلوا }

والثاني : حرف الجر ، وهو الباء في قوله : { برءوسكم } ، والباء أقرب فكان الخفض أولى ، ومن قال بالتخيير يقول : إن القراءتين قد ثبت كون كل واحدة منهما قرآنا ، وتعذر الجمع بين موجبيهما ، وهو وجوب المسح ، والغسل ، إذ لا قائل به في السلف ، فيخير المكلف ، إن شاء عمل بقراءة النصب فغسل ، وإن شاء بقراءة الخفض فمسح ، وأيهما فعل يكون إتيانا بالمفروض ، كما في الأمر بأحد الأشياء الثلاثة ، ومن قال بالجمع يقول : القراءتان في آية واحدة بمنزلة آيتين فيجب العمل بهما جميعا ما أمكن ، وأمكن ههنا لعدم التنافي ، إذ لا تنافي بين الغسل ، والمسح في محل واحد فيجب الجمع بينهما .

( ولنا ) قراءة النصب ، وأنها تقتضي كون ، وظيفة الأرجل الغسل ، لأنها تكون معطوفة على المغسولات ، وهي الوجه ، واليدان ، والمعطوف على المغسول يكون مغسولا تحقيقا لمقتضى العطف ، وحجة هذه القراءة وجوه : .

أحدها : ما قاله بعض مشايخنا أن قراءة النصب محكمة في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على المغسولات ، وقراءة الخفض محتملة ; لأنه يحتمل أنها معطوفة على الرءوس حقيقة ، ومحلها من الإعراب الخفض ، ويحتمل أنها معطوفة على الوجه ، واليدين حقيقة ، ومحلها من الإعراب النصب ، إلا أن خفضها للمجاورة ، وإعطاء الإعراب بالمجاورة طريقة شائعة في اللغة بغير حائل ، وبحائل ، أما بغير الحائل فكقولهم : جحر ضب خرب وماء شن بارد ، والخرب نعت الجحر لا نعت الضب ، والبرودة نعت الماء لا نعت الشن ، ثم خفض لمكان المجاورة .

وأما مع الحائل ، فكما قال تعالى { : يطوف عليهم ولدان مخلدون } إلى قوله : { وحور عين } لأنهن لا يطاف بهن ، وكما قال الفرزدق :

فهل أنت إن ماتت أتانك راكب إلى آل بسطام بن قيس فخاطب

فثبت أن قراءة الخفض محتملة ، وقراءة النصب محكمة ، فكان العمل بقراءة النصب أولى إلا أن في هذا إشكالا ، وهو أن هذا الكلام في حد التعارض لأن قراءة النصب محتملة أيضا في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على اليدين ، والرجلين ، لأنه يحتمل أنها معطوفة على الرأس .

والمراد بها المسح حقيقة ، لكنها نصبت على المعنى لا على اللفظ ، لأن الممسوح به مفعول به ، فصار كأنه قال تعالى { ، وامسحوا برءوسكم } .

والإعراب قد يتبع اللفظ ، وقد يتبع المعنى ، كما قال الشاعر :

معاوية إننا بشر فأسجح     فلسنا بالجبال ولا الحديدا

نصب الحديد عطفا على الجبال بالمعنى لا باللفظ ، معناه فلسنا الجبال ، ولا الحديد ، فكانت كل واحدة من القراءتين محتملة في الدلالة من الوجه الذي ذكرنا ، فوقع التعارض فيطلب الترجيح من جانب آخر ، وذلك من وجوه : أحدها : أن الله تعالى مد الحكم في الأرجل إلى الكعبين ، ووجوب المسح لا يمتد إليهما .

والثاني : أن الغسل يتضمن المسح ، إذ الغسل إسالة ، والمسح إصابة ، وفي الإسالة إصابة ، وزيادة ، فكان ما قلناه عملا بالقراءتين معا ، فكان أولى .

والثالث : أنه قد روى جابر ، ، وأبو هريرة ، ، وعائشة ، وعبد الله بن عمر ، وغيرهم ، أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء فقال : ويل للأعقاب من النار ، أسبغوا الوضوء } .

وروي { أنه توضأ مرة ، وغسل رجليه وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به } ومعلوم أن قوله : { ويل للأعقاب من النار } وعيد لا يستحق إلا بترك المفروض ، وكذا نفي قبول صلاة من لا يغسل رجليه في وضوئه ، فدل أن غسل الرجلين من فرائض الوضوء .

وقد ثبت بالتواتر { أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل رجليه في الوضوء } ، لا يجحده مسلم ، فكان قوله ، وفعله بيان المراد بالآية ، فثبت بالدلائل المتصلة ، والمنفصلة أن الأرجل في الآية معطوفة على المغسول لا على الممسوح ، فكان وظيفتها الغسل لا المسح ، على أنه إن وقع التعارض بين القراءتين فالحكم في تعارض القراءتين كالحكم في تعارض الآيتين ، وهو أنه إن أمكن العمل بهما مطلقا يعمل ، وإن لم يمكن للتنافي يعمل بهما بالقدر الممكن ، وههنا لا يمكن الجمع بين الغسل ، والمسح في عضو واحد في حالة واحدة ; لأنه لم يقل به أحد من السلف ، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح ، لما ذكرنا أن الغسل يتضمن المسح ، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار ، فيعمل بهما في الحالتين ، فتحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتين ، وتحمل قراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين توفيقا بين القراءتين ، وعملا بهما [ ص: 7 ] بالقدر الممكن ، وبه تبين أن القول بالتخيير باطل عند إمكان العمل بهما في الجملة .

وعند عدم الإمكان أصلا ، ورأسا لا يخير أيضا ، بل يتوقف على ما عرف في أصول الفقه ، ثم الكعبان يدخلان في الغسل عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يدخلان ، والكلام في الكعبين على نحو الكلام في المرفقين ، وقد ذكرناه .

، والكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق بلا خلاف بين الأصحاب ، كذا ذكره القدوري لأن الكعب في اللغة اسم لما علا وارتفع ، ومنه سميت الكعبة كعبة ، وأصله من كعب القناة ، وهو أنبوبها سمي به لارتفاعه .

وتسمى الجارية الناهدة الثديين كاعبا لارتفاع ثدييها ، وكذا في العرف يفهم منه الناتئ ، يقال ضرب كعب فلان ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في تسوية الصفوف في الصلاة { : ألصقوا الكعاب بالكعاب } ولم يتحقق معنى الإلصاق إلا في الناتئ ، وما روى هشام عن محمد أنه المفصل الذي عند معقد الشراك على ظهر القدم فغير صحيح ، إنما قال محمد في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين ، أنه يقطع الخف أسفل الكعب ، فقال : إن الكعب ههنا الذي في مفصل القدم فنقل هشام ذلك إلى الطهارة ، والله أعلم .

وهذا الذي ذكرنا من وجوب غسل الرجلين إذا كانتا باديتين لا عذر بهما ، فأما إذا كانتا مستورتين بالخف ، أو كان بهما عذر من كسر ، أو جرح ، أو قرح ، فوظيفتهما المسح ، فيقع الكلام في الأصل في موضعين : أحدهما : في المسح على الخفين .

والثاني : في المسح على الجبائر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث