الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة

ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله - عز وجل - وعمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم قال : لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، ، فإن فيها ملكا لا يظلم أحد عنده ، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه .

فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم ، فكانت أول هجرة في الإسلام ، فخرج عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - معه ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل ، والزبير بن العوام ، وغيرهم تمام عشرة رجال ، وقيل : أحد عشر رجلا وأربع نسوة ، وكان مسيرهم في رجب سنة خمس من النبوة ، وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة ، فأقاموا شعبان وشهر رمضان .

وقدموا في شوال سنة خمس من النبوة ، وكان سبب قدومهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما رأى مباعدة قومه له شق عليه ، وتمنى أن يأتيه الله بشيء يقاربهم به ، وحدث نفسه بذلك ، فأنزل الله : ( والنجم إذا هوى ) ، فلما وصل إلى قوله : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) ، ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى . فلما سمعت ذلك قريش سرهم ، والمسلمون مصدقون بذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتهمونه ولا يظنون به سهوا ولا خطأ . فلما انتهى إلى سجدة سجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن المغيرة ، فإنه لم يطق السجود لكبره ، فأخذ كفا من البطحاء فسجد عليها . ثم تفرق الناس . وبلغ الخبر من بالحبشة من المسلمين أن قريشا أسلمت ، فعاد منهم قوم وتخلف قوم ، وأتى جبرائيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما قرأ ، فحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاف ، فأنزل الله تعالى : [ ص: 674 ] ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ، فذهب عنه الحزن والخوف .

واشتدت قريش على المسلمين ، فلما قرب المسلمون الذين كانوا بالحبشة من مكة بلغهم أن إسلام أهل مكة باطل ، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا ، فدخل عثمان في جوار أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية ، فأمن بذلك ، ودخل أبو حذيفة بن عتبة بجوار أبيه ، ودخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة ، ثم قال : أكون في ذمة مشرك ! جوار الله أعز ، فرد عليه جواره ، وكان لبيد بن ربيعة ينشد قريشا قوله : ألا كل شيء ما خلا الله باطل .

[ ص: 675 ] فقال عثمان بن مظعون : صدقت ، فلما قال : وكل نعيم لا محالة زائل .

قال : كذبت ! نعيم الجنة لا يزول ، فقال لبيد : يا معشر قريش ما كانت مجالسكم هكذا ، ولا كان السفه من شأنكم . فأخبروه خبره وخبر ذمته ، فقام بعض بني المغيرة فلطم عين عثمان ، فضحك الوليد شماتة به حيث رد جواره ، وقال لعثمان : ما كان أغناك عن هذا ! فقال إن عيني الأخرى لمحتاجة إلى مثل ما نالت هذه . فقال له : هل لك أن تعود إلى جواري ؟ قال : لا أعود إلى جوار غير الله . فقام سعد بن أبي وقاص إلى الذي لطم عين عثمان فكسر أنفه ، فكان أول دم أريق في الإسلام في قول .

وأقام المسلمون بمكة يؤذون ، فلما رأوا ذلك رجعوا مهاجرين إلى الحبشة ثانيا ، فخرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إلى الحبشة ، فكمل بها تمام اثنين وثمانين رجلا ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مقيم بمكة يدعو إلى الله سرا وجهرا ، فلما رأت قريش أنه لا سبيل لها إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر ، وجعلوا يصدون عنه من خافوا أن يسمع قوله .

وكان أشد ما بلغوا منه ما ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : حضرت قريش يوما بالحجر فذكروا النبي - صلى الله عليه وسلم - وما نال منهم وصبرهم عليه ، فبينما هم كذلك إذ طلع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشى حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفا ، فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ، ثم الثالثة ، فقال : أتسمعون يا معشر قريش ؟ والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح . قال : فكأنما على رءوسهم الطير واقع حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد . وانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه ، فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوثبوا إليه وثبة رجل واحد يقولون له : أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ فيقول : أنا الذي أقول ذلك ، فأخذ عقبة بن [ ص: 676 ] أبي معيط بردائه ، وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكي : ويلكم ! ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) ثم انصرفوا عنه . هذا أشد ما بلغت عنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث