الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر بعض سيرته

قيل : لما ولي الخلافة كتب إلى يزيد بن المهلب : أما بعد ، فإن سليمان كان عبدا من عباد الله ، أنعم الله عليه ، ثم قبضه واستخلفني ، ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان ، وإن الذي ولاني الله من ذلك وقدر لي ليس علي بهين ، ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج ، أو اعتقاد أموال ، لكان في الذي أعطاني من ذلك ما قد بلغ بي ، أفضل ما بلغ بأحد من خلقه ، وأنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا ، ومسألة غليظة ، إلا ما عفا الله ورحم ، وقد بايع من قبلنا ، فبايع من قبلك . فلما قرأ الكتاب قيل له : لست من عماله ، لأن كلامه ليس ككلام من مضى من أهله . فدعا يزيد الناس إلى البيعة ، فبايعوا .

قال مقاتل بن حيان : كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم : أما بعد ، فاعمل عمل من يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين .

قال طفيل بن مرداس : كتب عمر إلى سليمان بن أبي السري : أن اعمل خانات ، فمن مر بك من المسلمين فاقروه يوما وليلة ، وتعهدوا دوابهم ، ومن كانت به علة فاقروه [ ص: 115 ] يومين وليلتين ، وإن كان منقطعا به ، فأبلغه بلده . فلما أتاه كتاب عمر قال له أهل سمرقند : قتيبة ظلمنا وغدر بنا فأخذ بلادنا ، وقد أظهر الله العدل والإنصاف ، فأذن لنا فليقدم منا وفد على أمير المؤمنين . فأذن لهم ، فوجهوا وفدا إلى عمر ، فكتب لهم إلى سليمان : إن أهل سمرقند شكوا ظلما وتحاملا من قتيبة عليهم ، حتى أخرجهم من أرضهم ، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي ، فلينظر في أمرهم ، فإن قضى لهم ، فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة . قال : فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي ، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم ، وينابذوهم على سواء ، فيكون صلحا جديدا ، أو ظفرا عنوة . فقال أهل الصغد : بلى نرضى بما كان ولا نحدث حربا ، وتراضوا بذلك .

قال داود بن سليمان الجعفي : كتب عمر إلى عبد الحميد : أما بعد ، فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله ، وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء ، وإن قوام الدين العدل والإحسان ، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك ، فإنه لا قليل من الإثم ، ولا تحمل خرابا على عامر ، وخذ منه ما أطاق ، وأصلحه حتى يعمر ، ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض ، ولا تأخذن أجور الضرابين ، ولا هدية النوروز والمهرجان ، ولا ثمن الصحف ، ولا أجور الفيوج ، ولا أجور البيوت ، ولا درهم النكاح ، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض ، فاتبع في ذلك أمري ، فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله ، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه ، وانظر من أراد من الذرية أن يحج ، فعجل له مائة ليحج بها ، والسلام .

قال عثمان بن عبد الحميد : حدثني أبي قال : قالت فاطمة بنت عبد الملك ، [ ص: 116 ] رحمها الله ، امرأة عمر : لما مرض عمر اشتد قلقه ليلة ، فسهرنا معه ، فلما أصبحنا أمرت وصيفا له يقال له مرثد ليكون عنده ، فإن كانت له حاجة كنت قريبا منه ، ثم نمنا ، فلما انتفخ النهار استيقظت ، فتوجهت إليه ، فرأيت مرثدا خارجا من البيت نائما ، فقلت له : ما أخرجك ؟ قال : هو أخرجني ، وقال لي : إني أرى شيئا ما هو بإنس ولا جن ، فخرجت فسمعته يتلو : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين . قالت : فدخلت فوجدته بعدما دخلت قد وجه نفسه للقبلة وهو ميت .

قال مسلمة بن عبد الملك : دخلت على عمر أعوده فإذا عليه قميص وسخ ، فقلت لامرأته فاطمة ، وكانت أخت مسلمة : اغسلوا ثياب أمير المسلمين ، فقالت : نفعل . ثم عدت فإذا القميص على حاله . فقلت : ألم آمركم أن تغسلوا قميصه ؟ فقالت : والله ما له غيره . قيل : وكانت نفقته كل يوم درهمين .

قيل : وكان عبد العزيز قد بعث ابنه إلى المدينة ليتأدب بها ، فكتب إلى صالح بن كيسان أن يتعاهده ، فأبطأ عمر يوما عن الصلاة ، فقال : ما حبسك ؟ فقال : كانت مرجلتي تصلح شعري ، فكتب إلى أبيه بذلك ، فأرسل أبوه رسولا ، فلم يزل حتى حلق شعره .

وقال محمد بن علي الباقر : إن لكل قوم نجيبة ، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز ، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده .

وقال مجاهد : أتينا عمر نعلمه ، فلم نبرح حتى تعلمنا منه .

وقال ميمون : كانت العلماء عند عمر تلامذة . وقيل لعمر : ما كان بدء إنابتك ؟ [ ص: 117 ] قال : أردت ضرب غلام لي فقال : اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة . وقال عمر : ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله .

وقال رياح بن عبيدة : خرج عمر بن عبد العزيز وشيخ متوكئ على يده ، فلما فرغ ودخل قلت : أصلح الله الأمير ، من الشيخ الذي كان متوكئا على يدك ؟ قال : أرأيته ؟ قلت : نعم . قال : ذاك أخي الخضر ، أعلمني أني سألي أمر الأمة ، وأني سأعدل فيها .

قال : وأتاه أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها ، فأمر بها فبيعت ، وجعل أثمانها في بيت المال وقال : تكفيني بغلتي هذه . قال : ولما رجع من جنازة سليمان بن عبد الملك رآه مولى له مغتما فسأله ، فقال : ليس أحد من أمة محمد في شرق الأرض ولا غربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه من غير طلب منه . قال : ولما ولي الخلافة قال لامرأته وجواريه : إنه قد شغل بما في عنقه عن النساء ، وخيرهن بين أن يقمن عنده أو يفارقنه ، فبكين واخترن المقام معه .

قال : ولما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وكانت أول خطبة خطبها ، ثم قال : أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس ، وإلا فلا يقربنا : يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ، ويعيننا على الخير بجهده ، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه ، ولا يغتابن أحدا ، ولا يعترض في ما لا يعنيه . فانقشع الشعراء والخطباء ، وثبت عنده الفقهاء والزهاد وقالوا : ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله . قال : فلما ولي الخلافة أحضر قريشا ووجوه الناس فقال لهم : إن فدك كانت بيد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فكان يضعها حيث أراه الله ، ثم وليها أبو بكر كذلك وعمر كذلك ، ثم [ ص: 118 ] أقطعها مروان ، ثم إنها صارت إلي ، ولم تكن من مالي أعود منها علي ، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : فانقطعت ظهور الناس ويئسوا من الظلم .

قال : وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم : إن أهلي أقطعوني ما لم يكن إلي أن آخذه ، ولا لهم أن يعطونيه ، وإني قد هممت برده على أربابه . قال : فكيف نصنع بولدك ؟ فجرت دموعه وقال : أكلهم إلى الله . قال : وجد لولده ما يجد الناس ، فخرج مزاحم حتى دخل على عبد الملك بن عمر فقال له : إن أمير المؤمنين قد عزم على كذا وكذا ، وهذا أمر يضركم وقد نهيته عنه . فقال عبد الملك : بئس وزير الخليفة أنت ! ثم قام فدخل على أبيه ، وقال له : إن مزاحما أخبرني بكذا وكذا فما رأيك ؟ قال : إني أريد أن أقوم به العشية . قال : عجله فما يؤمنك أن يحدث لك حدث أو يحدث بقلبك حدث ؟ فرفع عمر يديه وقال : الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يعينني على ديني ! ثم قام به من ساعته في الناس وردها .

قال : لما ولي عمر الخلافة أخذ من أهله ما بأيديهم وسمى ذلك مظالم ، ففزع بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان ، فأتته فقالت له : تكلم أنت يا أمير المؤمنين . فقال : إن الله بعث محمدا ، صلى الله عليه وسلم ، رحمة ولم يبعثه عذابا إلى الناس كافة ، ثم اختار له ما عنده ، وترك للناس نهرا شربهم سواء ، ثم ولي أبو بكر فترك النهر على حاله ، ثم ولي عمر فعمل عملهما ، ثم لم يزل النهر يستقي منه يزيد ، ومروان ، وعبد الملك ابنه ، والوليد وسليمان ابنا عبد الملك ، حتى أفضى الأمر إلي ، وقد يبس النهر الأعظم ، فلم يرو أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه . فقالت : حسبك ، قد أردت كلامك ، ( فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئا أبدا . فرجعت إليهم فأخبرتهم كلامه ) . وقد قيل : إنها قالت له : إن بني أمية يقولون كذا وكذا ، فلما قال لها هذا الكلام قالت له : إنهم يحذرونك يوما من أيامهم ، ( فغضب وقال : كل يوم أخافه غير يوم القيامة فلا أمنت شره . فرجعت إليهم ) فأخبرتهم وقالت : أنتم فعلتم هذا بأنفسكم ، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب فجاء يشبه جده . فسكتوا .

[ ص: 119 ] قال : وقال سفيان الثوري : الخلفاء خمسة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز ، وما كان سواهم فهم منتزون .

قال : وقال الشافعي مثله ، قال : وكان يكتب إلى عماله بثلاث ، فهي تدور بينهم : بإحياء سنة ، أو إطفاء بدعة ، أو قسم في مسكنة ، أو رد مظلمة .

قال : وكانت فاطمة بنت الحسين بن علي تثني عليه وتقول : لو كان بقي لنا عمر بن عبد العزيز ما احتجنا بعهده إلى أحد . قالت فاطمة امرأته : دخلت عليه وهو في مصلاه ودموعه تجري على لحيته ، فقلت : أحدث شيء ؟ فقال : إني تقلدت أمر أمة محمد ، فتفكرت في الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، والغازي ، والمظلوم المقهور ، والغريب الأسير ، والشيخ الكبير ، وذي العيال الكثير ، والمال القليل ، وأشباههم في أقطار الأرض ، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم محمد ، صلى الله عليه وسلم ، إلى الله ، فخشيت أن لا تثبت حجتي عند الخصومة ، فرحمت نفسي فبكيت .

قيل : ولما مرض ابنه عبد الملك مرض موته ، وكان من أشد أعوانه على العدل ، دخل عليه عمر فقال له : يا بني كيف تجدك ؟ قال : أجدني في الحق . قال : يا بني أن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك . فقال ابنه : يا أبتاه لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب ، فمات في مرضه وله سبع عشرة سنة .

قيل : وقال عبد الملك لأبيه عمر : يا أمير المؤمنين ، ما تقول لربك إذا أتيته ، وقد تركت حقا لم تحيه وباطلا لم تمته ؟ فقال : يا بني إن أباك وأجدادك قد دعوا الناس عن الحق ، فانتهت الأمور إلي ، وقيل أقبل شرها وأدبر خيرها ، ولكن أليس حسنا وجميلا ألا تطلع الشمس علي في يوم إلا أحييت فيه حقا ، وأمت فيه باطلا ، حتى يأتيني الموت ، فأنا على ذلك ؟ وقال له أيضا : يا أمير المؤمنين انقد لأمر الله ، وإن جاشت بي وبك القدور . فقال : يا بني إن بادهت الناس بما تقول أحوجوني إلى السيف ، ولا خير في خير لا يحيا إلا بالسيف ، فكرر ذلك .

قيل : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله نسخة واحدة : أما بعد فإن الله ، [ ص: 120 ] عز وجل ، أكرم بالإسلام أهله ، وشرفهم وأعزهم ، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم ، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس ، فلا تولين أمور المسلمين أحدا من أهل ذمتهم وخراجهم ، فتتبسط عليه أيديهم وألسنتهم ، فتذلهم بعد أن أعزهم الله ، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله تعالى ، وتعرضهم لكيدهم والاستطالة عليهم ، ومع هذا فلا يؤمن غشهم إياهم ، فإن الله ، عز وجل ، يقول : لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ، و لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، والسلام .

فهذا القدر كاف في التنبيه على فضله وعدله .

( وفي هذه السنة مات : محمد بن مروان في قول ، وأبو صالح ذكوان ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث