الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر نسب الوليد وبعض سيرته

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي ، يكنى أبا العباس ، وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي ، وهي بنت أخي الحجاج بن يوسف ، وأم أبيه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز ، وأم عامر بن كريز أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب ، فلذلك يقول الوليد :

نبي الهدى خالي ومن يك خاله نبي الهدى يقهر به من يفاخره



وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم ، منهمكا في اللهو والشرب وسماع الغناء فظهر ذلك من أمره فقتل . ومن جيد شعره ما قاله لما بلغه أن هشاما يريد خلعه :

كفرت يدا من منعم لو شكرتها     جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن



[ ص: 307 ] وقد تقدمت الأبيات الأربعة ، وأشعاره حسنة في الغزل والعتاب ووصف الخمر وغير ذلك ، وقد أخذ الشعراء معانيه في وصف الخمر فسرقوها وأدخلوها في أشعارهم وخاصة أبو نواس فإنه أكثرهم أخذا لها .

قال الوليد : المحبة للغناء تزيد في الشهوة ، وتهدم المروءة ، وتنوب عن الخمر ، وتفعل ما يفعل السكر ، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء ، فإن الغناء رقية الزنا ، وإني لأقول ذلك علي وإنه أحب إلي من كل لذة ، وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلة ، ولكن الحق أحق أن يتبع . قيل : إن يزيد بن منبه مولى ثقيف مدح الوليد وهنأه بالخلافة ، فأمر أن تعد الأبيات ويعطى بكل بيت ألف درهم ، فعدت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين ألف درهم ، وهو أول خليفة عد الشعر وأعطى بكل بيت ألف درهم .

ومما شهر عنه أنه فتح المصحف فخرج : ( واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ) ، فألقاه ورماه بالسهام وقال :

تهددني بجبار عنيد     فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر     فقل يا رب مزقني الوليد



فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل .

ومن حسن الكلام ما قاله الوليد لما مات مسلمة بن عبد الملك ، فإن هشاما قعد [ ص: 308 ] للعزاء ، فأتاه الوليد وهو نشوان يجر مطرف خز عليه ، فوقف على هشام فقال : يا أمير المؤمنين ، إن عقبى من بقي لحوق من مضى ، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى ، واختل الثغر فهوى ، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف ، ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) . فأعرض هشام ولم يحر جوابا ، وسكت القوم فلم ينطقوا .

وقد نزه قوم الوليد مما قيل فيه ، وأنكروه ونفوه عنه وقالوا : إنه قيل عنه وألصق به وليس بصحيح . قال المدائني : دخل ابن للغمر بن يزيد أخي الوليد على الرشيد ، فقال له : ممن أنت ؟ قال : من قريش . قال : من أيها ؟ فأمسك ، فقال : قل وأنت آمن ولو أنك مروان . فقال : أنا ابن الغمر بن يزيد . فقال : رحم الله عمك الوليد ولعن يزيد الناقص ، فإنه قتل خليفة مجمعا عليه ! ارفع حوائجك . فرفعها فقضاها .

وقال شبيب بن شيبة : كنا جلوسا عند المهدي فذكروا الوليد ، فقال المهدي : كان زنديقا ، فقام أبو علاثة الفقيه فقال : يا أمير المؤمنين إن الله - عز وجل - أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقا ، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته وصلاته ، فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المطايب المصبغة ، ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ، ويؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسها ويصلي فيها ، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها واشتغل بشربه ولهوه ، فهذا فعال من لا يؤمن بالله ؟ ! فقال المهدي : بارك الله عليك يا أبا علاثة !

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث