الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان سكرة الموت والاعتبار بالجنائز وزيارة القبور

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بيان سكرة الموت والاعتبار بالجنائز وزيارة القبور :

اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته ، وحقيقا بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده ، لا سيما وهو في كل نفس بصدده كما قال بعض الحكماء : " كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك " .

واعلم أن الجنائز عبرة للبصير ، وفيها تنبيه وتذكير لا لأهل الغفلة ، فإنها لا تزيدهم مشاهدتها إلا قسوة ؛ لأنهم يظنون أنهم أبدا إلى جنازة غيرهم ينظرون ، ولا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون ، أو يحسبون ذلك ولكنهم على القرب لا يقدرون ولا يتفكرون أن المحمولين على الجنائز هكذا يحسبون ، فبطل حسبانهم ، وانقرض على القرب زمانهم . فلا ينظر عبد إلى جنازة إلا ويقدر نفسه محمولا عليها ، فإنه محمول عليها على القرب وكأن قد ، ولعله في غد أو بعد غد ، قال " ثابت البناني " : " كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متقنعا باكيا ، فهكذا كان خوفهم من الموت ، والآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ويلهون ولا يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته ، ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلفه ، ولا يتفكر واحد منهم إلى ما شاء الله في جنازة نفسه في حاله إذا حمل عليها . ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب بكثرة المعاصي والذنوب حتى نسينا الله تعالى واليوم الآخر والأهوال التي بين أيدينا ، فصرنا نلهو ونغفل ونشتغل بما لا يغنينا .

فنسأل الله تعالى اليقظة من هذه الغفلة .

فمن آداب حضور الجنازة : التفكر والتنبه والاستعداد والمشي أمامها على هيئة التواضع ، ومن آدابه حسن الظن بالميت وإن كان فاسقا ، وإساءة الظن بالنفس وإن كان ظاهرها الصلاح ، فإن الخاتمة مخطرة لا يدرى حقيقتها .

[ ص: 324 ] وأما زيارة القبور : فهي مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم أذن في ذلك بعد . وأما النساء فلا يفي خير زيارتهن بشرها ، لأنهن يكثرن الهجر على رؤوس المقابر ، ولا يخلون في الطريق عن تكشف وتبرج وهذه عظائم ، والزيارة سنة فكيف يحتمل ذلك لأجلها ; نعم لا بأس بخروج المرأة في ثياب بذلة ترد أعين الرجال عنها ، وذلك بشرط الاقتصار على الدعاء وترك الحديث على رأس القبر .

والمستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا لوجه الميت ، وأن يسلم ولا يمسح القبر ولا يمسه ولا يقبله ، فإن ذلك من عادة النصارى . قال " نافع " : " كان " ابن عمر " رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول : السلام على النبي . السلام على أبي بكر . السلام على أبي وينصرف . وكان بعض السلف إذا وقف على باب المقابر يقول : " آنس الله وحشتكم ، ورحم غربتكم ، وتجاوز عن سيئاتكم ، وقبل الله حسناتكم " . فالمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار بها ، وللمزور الانتفاع بدعائه ، فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت ولا عن الاعتبار به ، وإنما يحصل له الاعتبار به بأن يتصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاؤه ، وكيف يبعث من قبره ، وأنه على القرب سيلحق به . ويستحب الثناء على الميت وأن لا يذكر إلا بالجميل قال صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث