الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا عبد العزيز بن أبي رجاء ، ثنا الربيع بن سليمان ، قال : كتب إلي البويطي ، وهو في السجن : حسن خلقك مع الغرباء ، ووطن نفسك لهم ; فإني كثيرا ما سمعت الشافعي ، وهو يقول :

أهين لهم نفسي وأكرمها بهم ولا تكرم النفس التي لا تهينها

.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، حدثني أحمد بن محمد بن الحارث بن القتات المصري ، قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : كتب إلي البويطي : أن انصب نفسك للغرباء ، وأحسن خلقك لأهل خاصتك ; فإني كثيرا ما كنت أسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت :

أهين لهم نفسي لكي يكرمونها     ولن تكرم النفس التي لا تهينها

وأنا أظن أن هذا آخر كتاب أكتب إليك ، وذلك أنك قد كتبت المؤامرة أن ادخل على أمير المؤمنين ، فإن دخلت عليه صدقته والناس كلهم مني في حل إلا رجلين : خويلدا ورجلا آخر .

حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حمدان ، ثنا أبو محمد بن أبي حاتم ، ثنا الربيع ، قال : كتب إلي أبو يعقوب البويطي , وهو في المطبق يسألني أن أصبر نفسي للغرباء ممن يسمع كتب الشافعي ، ويسألني أن أحسن خلقي لأصحابنا الذين في الحلقة والاحتمال منهم ، ويقول : لم أزل أسمع الشافعي كثيرا يردد هذا البيت :

أهين لهم نفسي لكي يكرمونها     ولن تكرم النفس التي لا تهينها

.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، أخبرني محمد بن يحيى بن آدم ، ثنا محمد بن عبد الله ، قال : سمعت الشافعي يقول : تزوج رجل امرأة له قديمة ، قال : وكانت جارية الجديدة تمر بباب القديمة ، فتقول :

وما تستوي الرجلان رجل صحيحة     ورجل رمى فيها الزمان فشلت

ثم تمر بها ، فتقول أيضا :

وما يستوي الثوبان ثوب به البلا     وثوب بأيدي البائعين جديد

.

حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم ، ثنا الربيع بن سليمان ، قال : قال الشافعي في [ ص: 149 ] حديث النبي صلى الله عليه وسلم : أنه " نهى أن يستنجي بالروث والرمة " فقال : الرمة هي العظم . وروى هذا البيت :

أما عظامها فرم     وأما لحمها فصليب

.

حدثنا عبد الرحمن ، ثنا أبو محمد ، قال : قال الربيع : سئل الشافعي عن اللماس ، فقال : هو اللمس باليد ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة . والملامسة أن يلمس الثوب بيده ويشتريه ، ولا يقلب ، قال الشافعي : قال الشاعر :

لمست بكفي كفه طلب الغنى     ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه مما أفاد ذوو الغنى     أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي

.

حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا الحسين بن محمد بن غوث الدمشقي ، قال : سمعت المزني يقول : كلم الشافعي في بعض ما يراد منه فأنشأ يقول :

ولقد بلوتك وابتليت خليقتي     ولقد كفاك معلما تعليمي

.

حدثنا محمد بن إبراهيم ، قال حدث شعيب بن محمد الدبيلي ، قال : أنشدنا الربيع عن الشافعي :

ليت الكلاب لنا كانت مجاورة     وليتنا لا نرى مما نرى أحدا
إن الكلاب لتهدأ في مواطنها     والناس ليس بهاد شرهم أبدا
فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها     تبقى سعيدا إذا ما كنت منفردا

.

حدثنا أبو بكر أحمد بن القاسم البروجردي قال : أملى علينا الزبير بن عبد الواحد قال : حدثني أبو بكر محمد بن مطير بمصر ، قال : سمعت الربيع يقول : سمعت الشافعي يقول :

ليت الكلاب لنا كانت مجاورة     وليتنا لا نرى مما نرى أحدا
إن الكلاب لتهدأ في مواطنها     والناس ليس بهاد شرهم أبدا
فاهرب بنفسك واستأنس بوحدتها     تبقى سعيدا إذا ما كنت منفردا

.

حدثنا أحمد بن القاسم ، قال : أملى علينا الزبير بن عبد الواحد يقول : سمعت الحسن بن سفيان يقول : سمعت حرملة يقول : سمعت الشافعي يقول : [ ص: 150 ]

تمنى رجال أن أموت وإن أمت     فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى     تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد

.

حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا محمد بن عبد الله السبئي ، ثنا هارون بن سعيد الأيلي ، قال : قيل لسفيان - وذكر حديثا - إن مالكا يخالفك في إسناد هذا الحديث فقال سفيان : رحم الله مالكا ما أنا من مالك إلا كما قال الشاعر :

وابن اللبون إذا ما لز في قرن     لم يستطع صولة البزل القناعيس

.

حدثنا الحسن بن سعيد بن جعفر ، ثنا أبو زرارة الحراني ، قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : كنت عند الشافعي إذ جاءه رجل برقعة فقرأها ، ووقع فيها ، ومضى الرجل فتبعته إلى باب المسجد فقلت : والله لا تفوتني فتيا الشافعي فأخذت الرقعة من يده ، فوجدت فيها :

سل العالم المكي هل من تزاور     وضمة مشتاق الفؤاد جناح

فإذا قد وقع الشافعي :

فقلت معاذ الله أن يذهب التقى     تلاصق أكباد بهن جراح

قال الربيع : فأنكرت على الشافعي أن يفتي لحدث بمثل هذا فقلت : يا أبا عبد الله ، تفتي بمثل هذا شابا ؟ فقال لي : يا أبا محمد هذا رجل هاشمي قد عرس في هذا الشهر - يعني شهر رمضان - وهو حدث السن ، فسأل هل عليه جناح أن يقبل أو يضم من غير وطء فأفتيته بهذه الفتيا . قال الربيع : فتبعت الشاب ، فسألته عن حاله ، فذكر لي أنه مثل ما قال الشافعي ، فما رأيت فراسة أحسن منها .

حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، ثنا محمد بن سهل بن مهران ، قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول : حضرت مجلس الشافعي ، فجاءه غلام كأنه غصن بان فناوله رقعة فضحك الشافعي لما أجابه عنها ، وضحك الغلام كذلك لما تناول الرقعة فتعجبت منه فتبعته - يعني الغلام - فأقسمت عليه أن يرينيها ، فأرانيها فإذا سطران مكتوبان في السطر الأول :

سل الفتى المكي هل من تزاور     وقبلة مشتاق الفؤاد جناح

[ ص: 151 ] فأجاب الشافعي في السطر الثاني :

أقول معاذ الله أن يذهب التقى     تلاصق أكباد بهن جراح


سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن عبيد الله البيضاوي المقرئ قال : سمعت أبا عبد الله المأموني يقول : سمعت أبا حيان النيسابوري يقول : بلغني أن عباسا الأزرق دخل على الشافعي يوما فقال : يا أبا عبد الله قد قلت أبياتا إن أنت أجزتني بمثلها لأتوبن أن لا أقول شعرا أبدا . فقال له الشافعي . . . . .

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، حدثني محمد بن أحمد أبو بكر المالكي ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ما كنت أذكر للشافعي قصيدة إلا ربما أنشدنيها من أولها إلى آخرها .

حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثني خلف بن الفضل ، حدثني محمد بن صالح الترمذي ، قال : سمعت يحيى بن أكثم يقول : كان الشافعي عالما بشعر هذيل فذاكرت به بعض أهل الأدب بفارس فقال لي : قال الشافعي : حفظت شعر الهذليين ورجلي على القتب .

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، ثنا محمد بن رمضان بن شاكر ، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا الشافعي ، قال : كان عمر بن الخطاب على راحلة فرفعت رجلا ووضعت يدا ورفعت أخرى ، فأعجبه مشيها فأنشأ يقول :

كأن راكبها غصن بمروحة     إذا بدلت به أو شارب ثمل

ثم قال : الله أكبر الله أكبر .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا يوسف بن عبد الأحد ، قال : قلت للمزني معنى قول الشافعي : يتروح الرجل ببيتين من الشعر ما هما ؟ فأنشدني :

يريد المرء أن يعطى مناه     ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي     وتقوى الله أفضل ما استفادا

.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، حدثني ابن يحيى بن آدم ، ثنا محمد بن عبد الله ، أنبأنا الشافعي ، قال : وقف ابن الزبير في حرمه التي كانت ، وإذا ساقية معلقة فقال : يا صاحب الساقية ، [ ص: 152 ]

إن كنت ساقية يوما على كرم     فاسق الفوارس من ذهل بن شيبانا

قال محمد : الساقية يبرد عليها الماء في السواقل .

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، ثنا محمد بن رمضان ، أخبرنا محمد بن عبد الله ، قال : سمعت الشافعي يقول : لما أنشدت ضباعة بنت فلان القيسي :

ألم يحزنك أن جبال قيس     وثعلب قد تباينت انقطاعا

قال : أطال الله إذا حزنها .

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، ثنا عبد الله بن إسحاق بن معمر الجوهري ، أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : سمعت الشافعي ، قال : لما طعن يزيد بن المهلب رجلا من الخوارج ، فصرعه ، قال : فوثب الخارجي بالسيف أو بالرمح - الشك من محمد - وهو يقول :

وإنا لقوم ما تعود حينا     إذا ما التقينا أن نحيد وننفرا
وننكر يوم الروع ألوان حينا     من الطعن حتى يحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردها     صحاحا ولا مستنكرا أن نغفرا

قال يزيد : فكرهت أن أقتل مثله فانصرفت عنه .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الحسن البغدادي ، قال : سمعت أبا علي بن الصغير ، بمصر يقول : سمعت المزني يقول : قدم الشافعي بعض قدماته من مكة فخرج إخوان له يتلقونه ، وإذا هو قد نزل منزلا ، وإلى جانبه رجل جالس ، وفي حجره عدد فلما فرغوا من السلام عليه قالوا له : يا أبا عبد الله ، أنت في مثل هذا المكان ؟ فأنشأ يقول :

وأنزلني طول النوى دار عونة     مجاورتي من ليس مثلي يشاكله
تحملته حتى يقال سجية     ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

.

حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثني أبو بكر السبائي ، قال : سمعت بعض مشايخنا يحكي أن الشافعي عابه بعض الناس ; لفرط ميله إلى أهل البيت ، وشدة محبته لهم ، إلى أن نسبه إلى الرفض ، فأنشأ الشافعي في ذلك يقول :

قف بالمحصب من منى فاهتف بها     واهتف بقاعد خيفها والناهض
[ ص: 153 ] إن كان رفضا حب آل محمد     فليشهد الثقلان أني رافض

.

أخبرنا عثمان بن محمد العثماني ، وحدثني عنه أبو محمد بن حيان ، ثنا أبو علي النيسابوري ، ببغداد ، حدثني بعض أصحابنا أن محمد بن إدريس الشافعي ، لما دخل مصر أتاه جلة أصحاب مالك ، وأقبلوا عليه فابتدأ يخالف أصحاب مالك في مسائل ، فتنكروا له ، وحصروه ، فأنشأ يقول :

أأنثر درا وسط سارحة النعم     أأنظم منثورا لراعية الغنم
لعمري لئن ضيعت في شر بلدة     فلست مضيعا بينهم غرر الحكم
فإن فرج الله اللطيف بلطفه     وصادفت أهلا للعلوم وللحكم
بثثت مفيدا واستفدت وداده     وإلا فمكنون لدي ومنكتم
فمن منح الجهال علما أضاعه     ومن منع المستوجبين فقد ظلم

.

حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا أبو بكر بن معدان ، قال : سمعت الربيع يقول : سمعت الشافعي يقول :

أليس شديدا أن تحبـ     ـب فلا يحبك من تحبه

فقالت لي الجارية :

ويصد عنك بوجهه     وتلح أنت فلا تعبه

.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، حدثني جعفر بن أحمد بن يحيى الخولاني ، ثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : سمعت الشافعي ، وقد كتبت بهذا الشعر إلى رجل من قيس في سبب ابن هرم حين اختلفوا :


جزى الله عنا جعفرا حين أبلغت     بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا     تلاقي الذي لاقوه منا لملت

.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، أخبرني محمد بن يحيى بن آدم ، قال : قرئ على محمد بن عبد الله ، وأنا أسمع ، قال محمد بن إدريس الشافعي : أخبرني بعض أهل العلم ، أن أبا بكر الصديق قال : ما وجدت لهذا الحي من الأنصار مثلا إلا ما قال الطفيل الغنوي :

جزى الله عنا جعفرا حين أسرفت     بنا نعلنا في الواطئين فزلت
[ ص: 154 ] أبوا أن يملونا ولو أن أمنا     تلاقي الذي لاقوه منا لملت
هم خلطونا بالنفوس وبالجوى     إلى حجرات آزفات أظلت

.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال : سمعت محمد بن بشر العكبري يقول : سمعت الربيع بن سليمان يقول : قال الشافعي :

على كل حال أنت بالفضل آخذ     وما الفضل إلا للذي يتفضل

.

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب ، ثنا أبو حاتم ، ثنا حرملة ، قال : سمعت الشافعي يقول :

ودع الذين إذا أتوك تنسكوا     وإذا خلوا فهم ذئاب خراف

.

حدثنا أبي رحمه الله ، ثنا أحمد بن محمد بن يوسف ، ثنا أبو نصر المصري ، ثنا وفاء بن سهيل بن أبي سحرة الكندي ، ثنا محمد بن إدريس الشافعي ، قال : ذكروا أن معاوية بن أبي سفيان ، اعتمر ، فلما قضى عمرته وانصرف بالأبواء ، فاطلع في بئرها العادية ، فضربته اللقوة ، فاعتم بعمامة سوداء أسبلها على شقه ، ثم استوى جالسا فأذن للناس فدخلوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن ابن آدم يعرض للبلاء ليؤجر ، ويعاقب بذنب ، أو يعتب ليعتب ، ولست مخلوا من واحدة من ثلاث ، فإن ابتليت فقد ابتلي الصالحون قبلي ، وأرجو أن أكون منهم ، وإن عوفيت فقد عوفي الصالحون قبلي ، وما آمن أن أكون منهم ، وإن مرض عضو مني فما أحصي صحتي ، وما عوفيت منه أطول . أنا اليوم ابن ستين سنة فرحم الله عبدا دعا لي بالعافية ، فوالله لئن عتب علي بعض خاصتكم فإني لحدث على عامتكم . ثم بكى ، فارتفع الناس عنه ، فقال له مروان بن الحكم : ما يبكيك يا أمير المؤمنين قال : وقفت والله عما كنت عليه عروفا ، وكثر الدمع في عيني ، وابتليت في أحبتي ، وما يبدو مني ، ولولا هواي في يزيد ابني لانصرف قصدي . فلما اشتد وجعه كتب إلى ابنه يزيد : أدركني ، وسرج له البريد . قال : فخرج يزيد وهو يقول :

جاء البريد بقرطاس يحث به     فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم     قالوا الخليفة أمسى مثقلا وجعا
[ ص: 155 ] فمادت الأرض أو كادت تميد بنا     كأنما مضر أركانها انقلعا
ثم انبعثنا إلى خوص مزممة     نرمي العجاج بها لا نأتلي سرعا
فما نبالي إذا بلغن أرجلنا     ما يأت منهن بالمرماة أو طلعا
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه     كانا جميعا خليطا حطتان معا
أغر أملح يستسقى الغمام به     لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا
لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا     يوما لديه ولا يوهون ما رقعا

قال : فانتهى يزيد إلى الباب ، وبه عثمان بن عنبسة قال : فقال له : ما لك بجنب عن أمير المؤمنين ؟ قال : فأخذ بيده فأدخله على معاوية ، فإذا هو مغمى عليه قال : فانكب عليه يزيد ، ثم التفت إلى عثمان بن عنبسة فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون يا عثمان :

لو فات شيء يرى لفات أبو     حيان لا عاجز ولا وكل
الحول القلب الأريب فما     تنفع وقت المنية الحول

قال : صه ، فرفع معاوية رأسه ، فقال : هو ذاك يا بني والله ما أصبحت أتخوف على شيء فعلته إلا ما فعلته في أمرك ، فإذا أنا مت فانظر كيف يكون ، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وتبعته بإداوة من ماء أصبه عليه ، فقال : " ألا أكسوك ؟ " قلت : بلى يا رسول الله ، فكساني إحدى قميصيه الذي يلي جلده ، وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شعره وأظفاره ، فأخذت ، وهو في موضع كذا ، فإذا أنا مت فأشعرني ذلك القميص دون كفني ، واجعل ذلك الشعر والأظفار في فمي وفي منخري فإن يقع شيء فذاك ، وإلا فإن الله غفور رحيم . قال : ثم توفي معاوية ، فأقام ثلاثة لا يخرج إلى الناس حتى قال الناس : قد اشتغل يزيد بشرب الخمر ، ثم خرج إليهم في اليوم الرابع فصعد المنبر فحمد الله ، وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كان حبلا من حبال الله مده ماده ، ثم قطعه دون من قبله ، وفوق من بعده ، ولست أعتذر ، ولا أتشاغل بطلب العلم ، على رسلكم إذا كره الله شيئا غيره ، ثم نزل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث