الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

واعلم أنه تعالى لما بين أن الزائغين يتبعون المتشابه ، بين أن لهم فيه غرضين ، فالأول : هو قوله تعالى : ( ابتغاء الفتنة ) والثاني : هو قوله ( وابتغاء تأويله ) .

فأما الأول : فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه ، يقال : فلان مفتون بطلب الدنيا ، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر ، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوها :

أولها : قال الأصم : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين ، صار بعضهم مخالفا للبعض في الدين ، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة .

وثانيها : أن التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتونا بذلك الباطل عاكفا عليه لا ينقلع عنه بحيلة البتة .

وثالثها : أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه .

وأما الغرض الثاني لهم : وهو قوله تعالى : ( وابتغاء تأويله ) فاعلم أن التأويل هو التفسير وأصله في اللغة المرجع والمصير ، من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ، وأولته تأويلا إذا صيرته إليه ، هذا معنى التأويل في اللغة ، ثم يسمى التفسير تأويلا ، قال تعالى : ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) [ الكهف : 78 ] وقال تعالى : ( وأحسن تأويلا ) [ النساء : 59 ] وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى ، واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم ؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون ؟

قال القاضي : هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين :

أحدهما : أن يحملوه على غير الحق : وهو المراد من قوله ( ابتغاء الفتنة ) .

والثاني : أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه ، وهو المراد من قوله ( وابتغاء تأويله ) ثم بين تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) واختلف الناس في هذا الموضع ، فمنهم من قال : تم الكلام هاهنا ، ثم الواو في قوله ( والراسخون في العلم ) واو الابتداء ، وعلى هذا القول : لا يعلم المتشابه [ ص: 153 ] إلا الله ، وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك بن أنس والكسائي والفراء ، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي وهو المختار عندنا .

والقول الثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله ( والراسخون في العلم ) وعلى هذا القول يكون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم وهذا القول أيضا مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين والذي يدل على صحة القول الأول وجوه :

الحجة الأولى : أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد ، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة ، وفي المجازات كثرة ، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف ، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية ، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز ، مثاله قال الله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) [ البقرة : 286 ] ثم قام الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، فلا بد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات ، وفي المجازات كثرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، وأنها لا تفيد إلا الظن الضعيف ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية ، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنية باطلا ، وأيضا قال الله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) [ طه : 5 ] دل الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإله في المكان ، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها ، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية الظنية ، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين ، وهذه حجة قاطعة في المسألة ، والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه ، والفطرة الأصلية تشهد بصحته وبالله التوفيق .

الحجة الثانية : وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم ، حيث قال : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذم الله تعالى ذلك .

فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة ، كما في قوله ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ) [ الأعراف : 187 ] وأيضا طلب مقادير الثواب والعقاب ، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا ( لو ما تأتينا بالملائكة ) [ الحجر : 7 ] .

قلنا : إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه ، ودل العقل على صحة هذه القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم ، وحمله على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه ، ثم إنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركا للظاهر ، وأنه لا يجوز .

الحجة الثالثة : أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ، وقال في أول سورة البقرة ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) [ البقرة : 26 ] فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك [ ص: 154 ] المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح ، لأن كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به ، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها ، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى ، وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث ، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى ، بل مراده منه غير ذلك الظاهر ، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه ، وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب ، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن .

الحجة الرابعة : لو كان قوله ( والراسخون في العلم ) معطوفا على قوله ( إلا الله ) لصار قوله ( يقولون آمنا به ) ابتداء ، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به ، أو يقال : ويقولون آمنا به .

فإن قيل : في تصحيحه وجهان :

الأول : أن قوله ( يقولون ) كلام مبتدأ ، والتقدير : هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به .

والثاني : أن يكون ( يقولون ) حالا من الراسخين .

قلنا : أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الإضمار . والثاني : أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره ، وهاهنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله ( يقولون آمنا به ) حالا من الراسخين لا من الله تعالى ، فيكون ذلك تركا للظاهر ، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى .

الحجة الخامسة : قوله تعالى : ( كل من عند ربنا ) يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة .

الحجة السادسة : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحدا جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى .

وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه هاهنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث