الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المسألة الخامسة : في أحكام هذه الأقسام :

الحكم الأول :

اتفقوا على أن قوله :( إنما الصدقات ) دخل فيه الزكاة الواجبة ؛ لأن الزكاة الواجبة مسماة بالصدقة ، قال تعالى :( خذ من أموالهم صدقة ) [ التوبة : 103 ] . وقال عليه الصلاة والسلام : " ليس فيما دون خمسة ذود ، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " . واختلفوا في أنه هل تدخل فيها الصدقة المندوبة ؟ فمنهم من قال : تدخل فيها ؛ لأن لفظ الصدقة مختص بالمندوبة ، فإذا أدخلنا فيه الزكاة الواجبة فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة ، وتكون الفائدة أن مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء ، والأقرب : أن المراد من لفظ الصدقات ههنا هو الزكوات الواجبة ، ويدل عليه وجوه :

الأول : أنه تعالى أثبت هذه الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية ، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة الواجبة .

الثاني : أن ظاهر هذه الآية يدل على أن مصرف الصدقات ليس إلا لهؤلاء الثمانية ، وهذا الحصر إنما يصح لو حملنا هذه الصدقات على الزكوات الواجبة ، أما لو أدخلنا فيها المندوبات لم يصح هذا الحصر ؛ لأن الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء المساجد ، والرباطات ، والمدارس ، وتكفين الموتى وتجهيزهم وسائر الوجوه .

الثالث : أن قوله تعالى :( إنما الصدقات للفقراء ) إنما يحسن ذكره لو كان قد سبق بيان تلك الصدقات وأقسامها حتى ينصرف هذا الكلام إليه ، والصدقات التي سبق بيانها وتفصيلها هي الصدقات الواجبة ، فوجب انصراف هذا الكلام إليها .

الحكم الثاني

دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام ، ومن يلي من قبله ، والدليل عليه أن الله تعالى جعل للعاملين سهما فيها ، وذلك يدل على أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل ، والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات ، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات ، وتأكد هذا النص بقوله تعالى :( خذ من أموالهم صدقة ) . فالقول بأن المالك يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر ، ويمكن أن يتمسك في إثباته بقوله تعالى :( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) [ الذاريات : 19 ] . فإذا كان ذلك الحق حقا للسائل والمحروم وجب أن يجوز له دفعه إليه ابتداء .

الحكم الثالث :

نص القرآن يدل على أن العامل له في مال الزكاة حق ، واختلفوا في أن الإمام هل له فيه حق ؟ فمنهم من أثبته ، قال : لأن العامل إنما قدر على ذلك العمل بتقويته وإمارته ، فالعامل في الحقيقة هو الإمام ، ومنهم من منعه ، وقال : الآية دلت على حصر مال الزكاة في هؤلاء الثمانية ، والإمام خارج عنهم فلا يصرف هذا المال إليه .

الحكم الرابع :

اختلفوا في هذا العامل إذا كان غنيا هل يأخذ النصيب ؟ قال الحسن : لا يأخذ إلا مع الحاجة ، وقال [ ص: 92 ] الباقون : يأخذ وإن كان غنيا ؛ لأنه يأخذه أجرة على العمل . ثم اختلفوا ، فقال بعضهم : للعامل في مال الزكاة الثمن ؛ لأن الله تعالى قسم الزكاة على ثمانية أصناف ، فوجب أن يحصل له الثمن ، كما أن من أوصى بمال لثمانية أنفس حصل لكل واحد منهم ثمنه ، وقال الأكثرون : بل حقه بقدر مؤنته عند الجباية والجمع .

الحكم الخامس :

اتفقوا على أن مال الزكاة لا يخرج عن هذه الثمانية ، واختلفوا أنه هل يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط ؟ وقد سبق دلائل هاتين المسألتين ، إلا أنا إذا قلنا : يجوز وضعه في بعض الأصناف فقط فهذا إنما يجوز في غير العامل ، وأما وضعه بالكلية في العامل فذلك غير جائز بالاتفاق .

الحكم السادس :

أن العامل والمؤلفة مفقودان في هذا الزمان ، ففيه الأصناف الستة ، والأولى صرف الزكاة إلى هذه الأصناف الستة على ما يقوله الشافعي ؛ لأنه الغاية في الاحتياط ، أما إن لم يفعل ذلك أجزأه على ما بيناه .

الحكم السابع :

عموم قوله :( للفقراء والمساكين ) يتناول الكافر والمسلم ، إلا أن الأخبار دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا كانوا مسلمين .

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأصناف الثمانية وشرح أحوالهم ، قال :( فريضة من الله ) قال الزجاج : " فريضة " منصوب على التوكيد ؛ لأن قوله :( إنما الصدقات ) لهؤلاء جار مجرى قوله : فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة ، وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله تعالى لم يرض بقسمة الزكاة أن يتولاها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه " ، والمقصود من هذه التأكيدات تحريم إخراج الزكاة عن هذه الأصناف .

ثم قال :( والله عليم ) أي : أعلم بمقادير المصالح ، " حكيم " لا يشرع إلا ما هو الأصوب الأصلح ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث