الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري

الفصل الرابع : في قوله : ( رب اشرح لي صدري ) سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال : نور يقذف في القلب ، فقيل : وما أمارته فقال : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل النزول ، ويدل على أن شرح الصدر عبارة عن النور قوله تعالى : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) [ الزمر : 22 ] واعلم أن الله تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور :

أحدها : وصف ذاته بالنور : ( الله نور السماوات والأرض ) [ النور : 35 ] .

وثانيها : الرسول : ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) [ المائدة : 15 ] .

وثالثها : القرآن : ( واتبعوا النور الذي أنزل معه ) [ الأعراف : 157 ] .

ورابعها : الإيمان : ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ) [ التوبة : 32 ] .

وخامسها : عدل الله : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) [ الزمر : 69 ] .

وسادسها : ضياء القمر : ( وجعل القمر فيهن نورا ) [ نوح : 16 ] .

وسابعها : النهار : ( وجعل الظلمات والنور ) [ الأنعام : 1 ] .

وثامنها : البينات : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) [ المائدة : 44 ] .

وتاسعها : الأنبياء : ( نور على نور ) [ النور : 35 ] .

وعاشرها : المعرفة : ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) [ النور : 35 ] إذا ثبت هذا فنقول : كأن موسى عليه السلام قال : ( رب اشرح لي صدري ) بمعرفة أنوار جلالك وكبريائك .

وثانيها : ( رب اشرح لي صدري ) ، بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك .

وثالثها : ( رب اشرح لي صدري ) ، باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك .

ورابعها : ( رب اشرح لي صدري ) ، بنور الإيمان [ ص: 36 ] والإيقان بإلهيتك .

وخامسها : ( رب اشرح لي صدري ) بالإطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك .

وسادسها : ( رب اشرح لي صدري ) بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السلام حيث انتقل من الكوكب والقمر والشمس إلى حضرة العزة .

وسابعها : ( رب اشرح لي صدري ) من مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك .

وثامنها : ( رب اشرح لي صدري ) بالإطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسماواتك .

وتاسعها : ( رب اشرح لي صدري ) في أن أكون خلف صور الأنبياء المتقدمين ومتشبها بهم في الانقياد لحكم رب العالمين .

وعاشرها : ( رب اشرح لي صدري ) بأن تجعل سراج الإيمان في قلبي كالمشكاة التي فيها المصباح .

واعلم أن- شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج ، وذلك النور كالنار ، ومعلوم أن من أراد أن يستوقد سراجا احتاج إلى سبعة أشياء : زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن . فالعبد إذا طلب النور الذي هو شرح الصدر افتقر إلى هذه السبعة .

فأولها : لا بد من زند المجاهدة : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) [ العنكبوت : 69 ] .

وثانيها : حجر التضرع : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) .

وثالثها : حراق منع الهوى : ( ونهى النفس عن الهوى ) [ النازعات : 40 ] .

ورابعها : كبريت الإنابة : ( وأنيبوا إلى ربكم ) الزمر : 54 ] ملطخا رءوس تلك الخشبات بكبريت توبوا إلى الله .

وخامسها : مسرجة الصبر : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) [ البقرة : 45 ] .

وسادسها : فتيلة الشكر : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) [ إبراهيم : 7 ] .

وسابعها : دهن الرضا : ( فاصبر لحكم ربك ) [ الإنسان : 24 ] أي ارض بقضاء ربك فإذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن لا تطلب المقصود إلا من حضرته : ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ) [ فاطر : 2 ] ثم اطلبها بالخشوع والخضوع : ( وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ) [ طه : 108 ] فعند ذلك ترفع يد التضرع وتقول : ( رب اشرح لي صدري ) فهنالك تسمع ; ( قد أوتيت سؤلك ياموسى ) [ طه : 36 ] ثم نقول هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه :

أحدها : الشمس تحجبها غمامة ، وشمس المعرفة لا يحجبها السماوات السبع : ( إليه يصعد الكلم الطيب ) [ فاطر : 10 ] .

وثانيها : الشمس تغيب ليلا وتعود نهارا ، قال إبراهيم عليه السلام : ( لا أحب الآفلين ) [ الأنعام : 76 ] أما شمس المعرفة فلا تغيب ليلا : ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئا ) [ المزمل : 6 ] ( والمستغفرين بالأسحار ) [ آل عمران : 17 ] بل أكمل الخلع الروحانية تحصل في الليل : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) [ الإسراء : 1 ] .

وثالثها : الشمس تفنى : ( إذا الشمس كورت ) [ التكوير : 1 ] وشمس المعرفة لا تفنى : ( سلام قولا من رب رحيم ) [ يس : 58 ] .

ورابعها : الشمس إذا قابلها القمر انكسفت أما ههنا فشمس المعرفة وهي معرفة أشهد أن لا إله إلا الله ما لم يقابلها قمر أشهد أن محمدا رسول الله لم يصل نوره إلى عالم الجوارح .

وخامسها : الشمس تسود الوجوه والمعرفة تبيضها : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) [ آل عمران : 106 ] .

وسادسها : الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الحرق ، جز يا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبي .

وسابعها : الشمس تصدع والمعرفة تصعد : ( إليه يصعد الكلم الطيب ) [ فاطر : 10 ] .

وثامنها : الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في العقبى : ( والباقيات الصالحات خير ) [ الكهف : 46 ] .

وتاسعها : الشمس في السماء زينة لأهل الأرض والمعرفة في الأرض زينة لأهل السماء .

وعاشرها : الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى [ ص: 37 ] وذلك يدل على الحسد مع التكبر ، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى ، وذلك يدل على التواضع مع الشرف .

وحادي عشرها : الشمس تعرف أحوال الخلق ، وبالمعرفة يصل القلب إلى الخالق .

وثاني عشرها : الشمس تقع على الولي والعدو ، والمعرفة لا تحصل إلا للولي فلما كانت المعرفة موصوفة بهذه الصفات النفيسة لا جرم قال موسى : ( رب اشرح لي صدري ) وأما النكت :

فإحداها : الشمس سراج استوقدها الله تعالى للفناء : ( كل من عليها فان ) [ الرحمن : 26 ] والمعرفة استوقدها للبقاء فالذي خلقها للفناء لو قرب الشيطان منها لاحترق : ( شهابا رصدا ) [ الجن : 9 ] والمعرفة التي خلقها للبقاء كيف يقرب منها الشيطان : ( رب اشرح لي صدري ) .

وثانيتها : استوقد الله الشمس في السماء وإنها تزيل الظلمة عن بيتك مع بعدها عن بيتك ، وأوقد شمس المعرفة في قلبك أفلا تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك مع قربها منك .

وثالثتها : من استوقد سراجا فإنه لا يزال يتعهده ويمده ، والله تعالى هو الموقد لسراج المعرفة : ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان ) [ الحجرات : 7 ] أفلا يمده وهو معنى قوله : ( رب اشرح لي صدري ) .

ورابعتها : اللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب منه والله قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه فلهذا قال : ( رب اشرح لي صدري ) .

وخامستها : المجوس أوقدوا نارا فلا يريدون إطفاءها والملك القدوس أوقد سراج الإيمان في قلبك فكيف يرضى بإطفائه ، واعلم أنه سبحانه وتعالى أعطى قلب المؤمن تسع كرامات .

أحدها : الحياة : ( أومن كان ميتا فأحييناه ) [ الأنعام : 122 ] فلما رغب موسى عليه السلام في الحياة الروحانية قال : ( رب اشرح لي صدري ) ثم النكتة أنه عليه السلام قال : من أحيا أرضا ميتة فهي له ، فالعبد لما أحيا أرضا فهي له فالرب لما خلق القلب وأحياه بنور الإيمان فكيف يجوز أن يكون لغيره فيه نصيب : ( قل الله ثم ذرهم ) [ الأنعام : 91 ] وكما أن الإيمان حياة القلب ، فالكفر موته : ( أموات غير أحياء وما يشعرون ) [ النحل : 21 ] .

وثانيها : الشفاء : ( ويشف صدور قوم مؤمنين ) [ التوبة : 14 ] فلما رغب موسى في الشفاء رفع الأيدي قال : ( رب اشرح لي صدري ) والنكتة أنه تعالى لما جعل الشفاء في العسل بقي شفاء أبدا فههنا لما وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى شفاء أبدا .

وثالثها : الطهارة : ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) [ الحجرات : 3 ] فلما رغب موسى عليه السلام في تحصيل طهارة التقوى قال : ( رب اشرح لي صدري ) والنكتة أن الصائغ إذا امتحن الذهب مرة فبعد ذلك لا يدخله في النار فههنا لما امتحن الله قلب المؤمن فكيف يدخله النار ثانيا ولكن الله يدخل في النار قلب الكافر : ( ليميز الله الخبيث من الطيب ) [ الأنفال : 37 ] .

ورابعها : الهداية ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) فرغب موسى عليه السلام في طلب زوائد الهداية فقال : ( رب اشرح لي صدري ) والنكتة أن الرسول يهدي نفسك ، والقرآن يهدي روحك ، والمولى يهدي قلبك ، فلما كانت الهداية من الكفر من محمد صلى الله عليه وسلم لا جرم تارة تحصل وأخرى لا تحصل : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) [ القصص : 56 ] وهداية الروح لما كانت من القرآن فتارة تحصل وأخرى لا تحصل : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) [ البقرة : 26 ] أما هداية القلب فلما كانت من الله تعالى فإنها لا تزول لأن الهادي لا يزول : ( ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) [ يونس : 25 ] .

وخامسها : الكتابة : ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) [ المجادلة : 22 ] فلما رغب موسى عليه السلام في تلك الكتابة قال : ( رب اشرح لي صدري ) وفيه نكت :

[ ص: 38 ] الأولى : أن الكاغدة ليس لها خطر عظيم وإذا كتب فيها القرآن لم يجز إحراقها فقلب المؤمن كتب فيه جميع أحكام ذات الله تعالى وصفاته ، فكيف يليق بالكريم إحراقه .

الثانية : بشر الحافي أكرم كاغدا فيه اسم الله تعالى فنال سعادة الدارين ، فإكرام قلب فيه معرفة الله تعالى أولى بذلك .

والثالثة : كاغد ليس فيه خط إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب والحائض أن يمسه بل قال الشافعي رحمه الله تعالى : ليس له أن يمس جلد المصحف ، وقال الله تعالى : ( لا يمسه إلا المطهرون ) [ الواقعة : 79 ] فالقلب الذي فيه أكرم المخلوقات : ( ولقد كرمنا بني آدم ) [ الإسراء : 70 ] كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه والله أعلم .

وسادسها : السكينة : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ) [ الفتح : 4 ] فلما رغب موسى عليه السلام في طلب السكينة قال : ( رب اشرح لي صدري ) والنكتة أن أبا بكر رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خائفا فلما نزلت السكينة عليه قال : ( لا تحزن ) فلما نزلت سكينة الإيمان فرجوا أن يسمعوا خطاب : ( ألا تخافوا ولا تحزنوا ) [ فصلت : 30 ] وأيضا لما نزلت السكينة صار من الخلفاء : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) [ النور : 55 ] أي أن يصيروا خلفاء الله في أرضه .

وسابعها : المحبة والزينة : ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) [ الحجرات : 7 ] والنكتة أن من ألقى حبة في أرض فإنه لا يفسدها ولا يحرقها فهو سبحانه وتعالى ألقى حبة المحبة في أرض القلب فكيف يحرقها .

وثامنها : ( فألف بين قلوبكم ) [ آل عمران : 103 ] والنكتة أن محمدا صلى الله عليه وسلم ألف بين قلوب أصحابه ثم إنه ما تركهم [ في ] غيبة ولا حضور : " سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فالرحيم كيف يتركهم .

وتاسعها : الطمأنينة : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [ الرعد : 28 ] وموسى طلب الطمأنينة فقال : ( رب اشرح لي صدري ) والنكتة أن حاجة العبد لا نهاية لها فلهذا لو أعطي كل ما في العالم من الأجسام فإنه لا يكفيه لأن حاجته غير متناهية والأجسام متناهية ، والمتناهي لا يصير مقابلا لغير المتناهي بل الذي يكفي في الحاجة الغير المتناهية الكمال الذي لا نهاية له ، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى ; فلهذا قال : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [ الرعد : 28 ] ولما عرفت حقيقة شرح الصدر للمؤمنين فاعرف صفات قلوب الكافرين لوجوه :

أحدها : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) .

وثانيها : ( ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ) .

وثالثها : ( في قلوبهم مرض ) .

ورابعها : ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) .

وخامسها : ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) .

وسادسها : ( ختم الله على قلوبهم ) .

وسابعها : ( أم على قلوب أقفالها ) .

وثامنها : ( كلا بل ران على قلوبهم ) .

وتاسعها : ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) . إلهنا وسيدنا بفضلك وإحسانك أغلق هذه الأبواب التسعة من خذلانك عنا واجبرنا بإحسانك وافتح لنا تلك الأبواب التسعة من إحسانك بفضلك ورحمتك إنك على ما تشاء قدير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث