الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين

( فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صالي الجحيم وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون )

قوله تعالى : ( فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صالي الجحيم وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون ) فيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذهب الكفار أتبعه بما نبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق حكم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار ، وذكر صاحب "الكشاف" في قوله : ( فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين ) قولين :

الأول : الضمير في ( عليه ) لله عز وجل معناه فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علم الله كونهم من أهل النار ، فإن قيل كيف يفتنونهم على الله ؟ قلنا يفتنونهم عليه بإغوائهم من قولك فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه .

والوجه الثاني : أن تكون الواو في قوله : [ ص: 148 ] ( وما تعبدون ) بمعنى "مع" كما في قولهم : كل رجل وضيعته ، فكما جاز السكوت على " كل رجل وضيعته " ، فكذلك جاز أن يسكت على قوله : ( فإنكم وما تعبدون ) لأن قوله : ( وما تعبدون ) ساد مسد الخبر ، لأن معناه فإنكم مع ما تعبدون ، والمعنى فإنكم مع آلهتكم أي فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تتركون عبادتها ، ثم قال تعالى : ( ما أنتم عليه ) أي على ما تعبدون ( بفاتنين ) بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال ( إلا من هو صالي الجحيم ) مثلكم . وقرأ الحسن "صال الجحيم " بضم اللام ، ووجهه أن يكون جمعا ، وسقوط واوه لالتقاء الساكنين ، فإن قيل : كيف يستقيم الجمع مع قوله : ( من هو ) قلنا ( من ) موحد اللفظ مجموع المعنى ، فحمل هو على لفظه والصالون على معناه .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا تأثير لإغواء الشيطان ووسوسته ، وإنما المؤثر قضاء الله تعالى وتقديره ، لأن قوله تعالى : ( فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين ) تصريح بأنه لا تأثير لقولهم ولا تأثير لأحوال معبوديهم في وقوع الفتنة والضلال ، وقوله تعالى : ( إلا من هو صالي الجحيم ) يعني إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره ، وذلك تصريح بأن المقتضي لوقوع هذه الحوادث حكم الله تعالى ، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب ، قال الجبائي : المراد أن الذين عبدوا الملائكة يزعمون أنهم بنات الله لا يكفرون أحدا إلا من ثبت في معلوم الله أنه سيكفر ، فدل هذا على أن من ضل بدعاء الشيطان لم يكن ليؤمن بالله لو منع الله الشيطان من دعائه ، وإلا كان يمنع الشيطان ، فصح بهذا أن كل من يعصي لم يكن ليصلح عنه شيء من الأفعال . والجواب : حاصل هذا الكلام أنه لا تأثير لإغواء شياطين الإنس والجن . وهذا لا نزاع فيه إلا أن وجه الاستدلال أنه تعالى بين أنه لا تأثير لكلامهم في وقوع الفتنة ، ثم استثنى منه ما في قوله تعالى : ( إلا من هو صالي الجحيم ) فوجب أن يكون المراد من وقوع الفتنة هو كونه محكوما عليه بأنه " صال الجحيم " ، وذلك تصريح بأن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصول الشقاوة والسعادة . واعلم أن أصحابنا قرروا هذه الحجة بالحديث المشهور وهو أنه حج آدم موسى ، قال القاضي : هذا الحديث لم يقبله علماء التوحيد ، لأنه يوجب أن لا يلام أحد على شيء من الذنوب ، لأنه إن كان آدم لا يجوز لموسى أن يلومه على عمل كتبه الله عليه قبل أن يخلقه ، فكذلك كل مذنب . فإن صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام ، فلماذا قال موسى عليه السلام في الوكزة ( هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ) ؟ ولماذا قال ( فلن أكون ظهيرا للمجرمين ) ؟ ولماذا لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم ؟ ومن عجيب أمرهم أنهم يكفرون القدرية ، وهذا الحديث يوجب أن آدم كان قدريا ، فلزمهم أن يكفروه ، وكيف يجوز مع قول آدم وحواء عليهما السلام : ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) [الأعراف : 23] أن يحتج على موسى بأنه لا لوم عليه ، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه ؟ هذا جملة كلام القاضي ، فيقال له : هب أنك لا تقبل ذلك الخبر ، فهل ترد هذه الآية أم لا ، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير للوساوس في هذا الباب ، فإن الكل يحصل بحكمة الله تعالى ، والذي يدل عليه وجوه .

الأول : أن الكافر إن ضل بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وهو محال ، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب وسوسة متقدمة فهو المطلوب .

الثاني : أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الاعتقاد الحق والدين الصدق ، فحصول ضده يدل على أن ذلك ليس منه .

الثالث : أن الأفعال موقوفة على الدواعي ، وحصول الدواعي بخلق الله ، فيكون الكل من الله تعالى .

الرابع : أنه تعالى لما اقتضت [ ص: 149 ] حكمته شيئا ، وعلم وقوعه ، فلو لم يقع ذلك الشيء لزم انقلاب ذلك الحكم كذبا وانقلاب ذلك العلم جهلا وهو محال ، وأما الآيات التي تمسك بها القاضي فهي معارضة بالآيات الدالة على أن الكل من الله ، والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات ، فتبقى الدلائل العقلية التي ذكرناها سليمة ، والله أعلم .

ثم قال تعالى : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) فالجمهور على أنهم الملائكة ، وصفوا أنفسهم بالمبالغة في العبودية ، فإنهم يصطفون للصلاة والتسبيح ، والغرض منه التنبيه على فساد قول من يقول إنهم أولاد الله ، وذلك لأن مبالغتهم في العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية ، واعلم أن هذه الآية تدل على ثلاثة أنواع من صفات الملائكة :

فأولها قوله تعالى : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) وهذا يدل على أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها ودرجة لا يتعدى عنها ، وتلك الدرجات إشارة إلى درجاتهم في التصرف في أجسام هذا العالم وإلى درجاتهم في معرفة الله تعالى ، أما درجاتهم في التصرفات والأفعال فهي قوله : ( وإنا لنحن الصافون ) والمراد كونهم صافين في أداء الطاعات ومنازل الخدمة والعبودية ، وأما درجاتهم في المعارف فهي قوله تعالى : ( وإنا لنحن المسبحون ) والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به .

واعلم أن قوله : ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) يفيد الحصر ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم ، وأنهم هم المسبحون لا غيرهم ، وذلك يدل على أن طاعات البشر ومعارفهم بالنسبة إلى طاعات الملائكة وإلى معارفهم كالعدم ، حتى يصح هذا الحصر . وبالجملة فهذه الألفاظ الثلاثة تدل على أسرار عجيبة من صفات الملائكة ، فكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال البشر تقرب درجته من الملك فضلا عن أن يقال هل هو أفضل منه أم لا .

وأما قوله : ( وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين ) فالمعنى أن مشركي قريش وغيرهم كانوا يقولون : ( لو أن عندنا ذكرا ) أي : كتابا من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل لأخلصنا العبادة لله ، ولما كذبنا كما كذبوا . ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب المهيمن على كل الكتب ، وهو القرآن فكفروا به . ونظير هذه الآية قوله تعالى : ( فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ) [فاطر : 42] ثم قال تعالى : ( فسوف يعلمون ) أي فسوف يعلمون عاقبة هذا الكفر والتكذيب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث