الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا ، بين بعد ذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الله الصدور ، ونور القلوب ، فقال : ( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) .

واعلم أنا بالغنا في سورة الأنعام في تفسير قوله : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) [ الأنعام : 125 ] في تفسير شرح الصدر ، وفي تفسير الهداية ، ولا بأس بإعادة كلام قليل ههنا ، فنقول : إنه تعالى خلق جواهر النفوس مختلفة بالماهية ، فبعضها خيرة نورانية شريفة مائلة إلى الإلهيات عظيمة الرغبة في الاتصال بالروحانيات ، وبعضها نذلة كدرة خسيسة مائلة إلى الجسمانيات ، وفي هذا التفاوت أمر حاصل في جواهر النفوس البشرية ، والاستقراء يدل على أن الأمر كذلك ، إذا عرفت هذا فنقول : المراد بشرح الصدر هو ذلك الاستعداد الشديد الموجود في فطرة النفس ، وإذا كان ذلك الاستعداد الشديد حاصلا كفى خروج تلك الحالة من القوة إلى الفعل بأدنى سبب ، مثل الكبريت الذي يشتعل بأدنى نار ، أما إذا كانت النفس بعيدة عن قبول هذه الجلايا القدسية والأحوال الروحانية ، بل كانت مستغرقة في طلب الجسمانيات قليلة التأثر عن الأحوال المناسبة للإلهيات ، فكانت قاسية كدرة ظلمانية ، وكلما كان إيراد الدلائل اليقينية والبراهين الباهرة عليها أكثر ، كانت قسوتها وظلمتها أقل .

إذا عرفت هذه القاعدة فنقول : أما شرح الصدر فهو ما ذكرناه ، وأما النور فهو عبارة عن الهداية والمعرفة ، وما لم يحصل شرح الصدر أولا لم يحصل النور ثانيا ، وإذا كان الحاصل هو القوة النفسانية لم يحصل الانتفاع البتة بسماع الدلائل ، وربما صار سماع الدلائل سببا لزيادة القسوة ولشدة النفرة ، فهذه أصول يقينية يجب أن تكون معلومة عند الإنسان حتى يمكنه الوقوف على معاني هذه الآيات ، أما استدلال أصحابنا في مسألة الجبر والقدر ، وكلام الخصوم عليه فقد تقدم هناك ، والله أعلم .

المسألة الثانية : من محذوف الخبر كما في قوله : ( أم من هو قانت ) ، والتقدير : أفمن شرح الله صدره للإسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته ، والجواب متروك ، لأن الكلام المذكور دل عليه ، وهو قوله تعالى : ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) .

[ ص: 232 ] المسألة الثالثة : قوله ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) فيه سؤال ، وهو أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان ، كما قال : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [ الرعد : 28 ] فكيف جعله في هذه الآية سببا لحصول قسوة القلب ، والجواب أن نقول : إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر ، كدرة العنصر ، بعيدة عن مناسبة الروحانيات ، شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية ، والأخلاق الذميمة ، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة ، وتقرير هذا الكلام بالأمثلة ، فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل ؛ كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه ، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح ، وقد نرى إنسانا واحدا يذكر كلاما واحدا في مجلس واحد ، فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره ، وما ذاك إلا ما ذكرناه من اختلاف جواهر النفوس ، ومن اختلاف أحوال تلك النفوس ، ولما نزل قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) [ المؤمنون : 12 ] وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر ، فلما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قوله تعالى : ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) [ المؤمنون : 14 ] قال كل واحد منهم : ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) [ المؤمنون : 14 ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب ، فهكذا أنزلت فازداد عمر إيمانا على إيمان ، وازداد ذلك الإنسان كفرا على كفر ، إذا عرفت هذا لم يبعد أيضا أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية ، ويوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية .

إذا عرفت هذا فنقول : إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ، ورئيسها هو ذكر الله تعالى ، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله تعالى سببا لازدياد مرضها ، كان مرض تلك النفس مرضا لا يرجى زواله ، ولا يتوقع علاجه ، وكانت في نهاية الشر والرداءة ، فلهذا المعنى قال تعالى : ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ) وهذا كلام كامل محقق .

ولما بين تعالى ذلك أردفه بما يدل على أن القرآن سبب لحصول النور والشفاء والهداية وزيادة الاطمئنان ، والمقصود منه بيان أن القرآن لما كان موصوفا بهذه الصفات ، ثم إنه في حق ذلك الإنسان صار سببا لمزيد القسوة ، دل ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ في الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات ، فنقول : إنه تعالى وصف القرآن بأنواع من صفات الكمال .

الصفة الأولى : قوله تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث ) ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه :

الأول : أنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآيات ، وفي آيات أخرى ، منها قوله تعالى : ( فليأتوا بحديث مثله ) [ الطور : 34 ] ، ومنها قوله تعالى : ( أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ) [ الواقعة : 81 ] والحديث لا بد وأن يكون حادثا ، قالوا : بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث ، لأنه يصح أن يقال : هذا حديث ، وليس بعتيق ، وهذا عتيق وليس بحادث ، فثبت أن الحديث هو الذي يكون قريب العهد بالحديث ، وسمي الحديث حديثا ؛ لأنه مؤلف من الحروف والكلمات ، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا فحالا وساعة فساعة ، فهذا تمام تقرير هذا الوجه .

أما الوجه الثاني : في بيان استدلال القوم أن قالوا : إنه تعالى وصفه بأنه نزله ، والمنزل يكون في محل تصرف الغير ، وما يكون كذلك فهو محدث وحادث .

وأما الوجه الثالث : في بيان استدلال القوم أن قالوا : إن قوله : ( أحسن الحديث ) يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله : زيد أفضل الإخوة - يقتضي أن يكون زيد مشاركا لأولئك الأقوام في صفة [ ص: 233 ] الأخوة ، ويكون من جنسهم ، فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث ، ولما كان سائر الأحاديث حادثة وجب أيضا أن يكون القرآن حادثا .

أما الوجه الرابع : في الاستدلال أن قالوا : إنه تعالى وصفه بكونه كتابا ، والكتاب مشتق من الكتبة ، وهي الاجتماع ، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ، ومحل تصرف متصرف ، وذلك يدل على كونه محدثا ، والجواب : أن نقول : نحمل هذا الدليل على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات ، وذلك الكلام عندنا محدث مخلوق ، والله أعلم .

المسألة الثانية : كون القرآن أحسن الحديث ، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه .

القسم الأول : أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه ، وذلك من وجهين :

الأول : أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة .

الثاني : أن يكون بحسب النظم في الأسلوب ، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر ، ولا من جنس الخطب ، ولا من جنس الرسائل ، بل هو نوع يخالف الكل ، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه .

القسم الثاني : أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى ، وفيه وجوه :

الأول : أنه كتاب منزه عن التناقض ، كما قال تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) [ النساء : 82 ] ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات .

الوجه الثاني : اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل .

الوجه الثالث : أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جدا .

وضبط هذه العلوم أن نقول : العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله : ( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) [ البقرة : 285 ] ، ( لا نفرق بين أحد من رسله ) [ البقرة : 285 ] ، ( وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) [ البقرة : 285 ] ، فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة .

أما القسم الأول : وهو الإيمان بالله ، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام : معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء ، أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه ، وأما معرفة الصفات فهي نوعان :

أحدهما : ما يجب تنزيهه عنه ، وهو كونه جوهرا ومركبا من الأعضاء والأجزاء ، وكونه مختصا بحيز وجهة ، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة : ليس ولم وما ولا ، وهذه الأربعة المذكورة مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه .

أما كلمة " ليس " ، فقوله : ( ليس كمثله شيء ) [ الشورى : 11 ] وأما كلمة " لم " ، فقوله : ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) [ الإخلاص : 3 - 4 ] ، وأما كلمة " ما " ، فقوله : ( وما كان ربك نسيا ) [ مريم : 64 ] ، ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) [ مريم : 35 ] ، وأما كلمة " لا " ، فقوله تعالى : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) [ البقرة : 255 ] ، ( وهو يطعم ولا يطعم ) [ الأنعام : 14 ] ، ( وهو يجير ولا يجار عليه ) [ المؤمنون : 88 ] ، وقوله في سبعة وثلاثين موضعا من القرآن : ( لا إله إلا الله ) [ الصافات : 35 ] . [ ص: 234 ] وأما النوع الثاني : وهي الصفات التي يجب كونه موصوفا بها من القرآن ، فأولاها العلم بالله ، والعلم بكونه محدثا خالقا ، قال تعالى : ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) [ الأنعام : 1 ] .

وثانيتها : العلم بكونه قادرا ، قال تعالى في أول سورة القيامة : ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) [ القيامة : 4 ] ، وقال في آخر هذه السورة : ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) [ القيامة : 40 ] .

وثالثتها : العلم بكونه تعالى عالما ، قال تعالى : ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ) [ الحشر : 22 ] .

ورابعتها : العلم بكونه عالما بكل المعلومات ، قال تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) [ الأنعام : 59 ] وقوله تعالى : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى ) [ الرعد : 8 ] .

والخامسة : العلم بكونه حيا ، قال تعالى : ( هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ) [ غافر : 65 ] .

والسادسة : العلم بكونه مريدا ، قال الله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) [ الأنعام : 125 ] .

والسابعة : كونه سميعا بصيرا ، قال تعالى : ( وهو السميع البصير ) [ الشورى : 11 ] وقال تعالى : ( إنني معكما أسمع وأرى ) [ طه : 46 ] .

والثامنة : كونه متكلما ، قال تعالى : ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) [ لقمان : 27 ] .

والتاسعة : كونه آمرا ، قال تعالى : ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) [ الروم : 4 ] .

والعاشرة : كونه رحمانا رحيما مالكا ، قال تعالى : ( الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) [ الفاتحة : 3 – 4 ] فهذا ما يتعلق بمعرفة الصفات التي يجب اتصافه بها .

وأما القسم الثالث : وهو الأفعال ، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما أجسام ، أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل ، كما قال تعالى : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) [ المدثر : 31 ] وأما الأجسام ، فهي إما العالم الأعلى وإما العالم الأسفل ، أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه :

أحدها : البحث عن أحوال السماوات .

وثانيها : البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) [ الأعراف : 54 ] .

وثالثها : البحث عن أحوال الأضواء ، قال الله تعالى : ( الله نور السماوات والأرض ) [ النور : 35 ] ، وقال تعالى : ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ) [ يونس : 5 ] .

ورابعها : البحث عن أحوال الظلال ، قال الله تعالى : ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ) [ الفرقان : 45 ] .

وخامسها : اختلاف الليل والنهار ، قال الله تعالى : ( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) .

وسادسها : منافع الكواكب ، قال تعالى : ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) [ الأنعام : 97 ] .

وسابعها : صفات الجنة ، قال تعالى : ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) [ الحديد : 21 ] .

وثامنها : صفات النار ، قال تعالى : ( لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) [ الحجر : 44 ] .

وتاسعها : صفة العرش ، قال تعالى : ( الذين يحملون العرش ومن حوله ) [ غافر : 7 ] .

وعاشرها : صفة الكرسي ، قال تعالى : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) [ البقرة : 255 ] .

وحادي عشرها : صفة اللوح والقلم ، أما اللوح فقوله تعالى : ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) [ البروج : 22 ] ، وأما القلم فقوله تعالى : ( ن والقلم وما يسطرون ) [ القلم : 2 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث