الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه

أما قوله تعالى : ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) فاعلم أنه تعالى حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وبحكم في الآخرة ، أما حكمهم في الدنيا فهو الضلال التام ؛ كما قال : ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) ، وأما حكمهم في الآخرة فهو العذاب الشديد ، وهو المراد من قوله : ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) ، وتقريره : أن أشرف الأعضاء هو الوجه ، لأنه محل الحسن والصباحة ، وهو أيضا صومعة الحواس ، وإنما يتميز بعض الناس عن بعض بسبب الوجه ، وأثر السعادة والشقاوة لا يظهر إلا في الوجه ، قال تعالى : ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ) [ عبس : 38 – 42 ] ويقال لمقدم القوم : يا وجه العرب ، ويقال للطريق الدال على كنه حال الشيء : وجه كذا هو كذا ، فثبت بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء هو الوجه ، فإذا وقع الإنسان في نوع من أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه وفداء له ، وإذا عرفت هذا فنقول : إذا كان القادر على الاتقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه - لا جرم حسن جعل الاتقاء بالوجه كناية عن العجز عن الاتقاء ، ونظيره قول النابغة :


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب



أي : لا عيب فيهم إلا هذا ، وهو ليس بعيب ، فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه ، فكذا ههنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه ، وهذا ليس باتقاء ، فلا قدرة لهم على الاتقاء ألبتة ، ويقال أيضا : إن الذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ، ولا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه ، إذا عرفت هذا فنقول : جوابه محذوف ، وتقديره : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن هو آمن من العذاب ، فحذف الخبر كما حذف في نظائره ، وسوء العذاب شدته .

ثم قال تعالى : ( وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ) ولما بين الله تعالى كيفية عذاب القاسية قلوبهم في الآخرة بين أيضا كيفية وقوعهم في العذاب في الدنيا ، فقال : ( كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) ، وهذا تنبيه على حال هؤلاء ؛ لأن الفاء في قوله : ( فأتاهم العذاب ) تدل على أنهم إنما أتاهم العذاب بسبب التكذيب ، فإذا كان التكذيب حاصلا ههنا لزم حصول العذاب ؛ استدلالا بالعلة على المعلول ، وقوله : ( من حيث لا يشعرون ) أي : من الجهة التي لا يحسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها ، بينما هم آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التي توقعوا الأمن منها ، ولما بين أنه أتاهم العذاب في الدنيا بين أيضا أنه أتاهم الخزي ، وهو الذل والصغار والهوان ، والفائدة في ذكر هذا القيد أن العذاب التام هو أن يحصل فيه الألم مقرونا بالهوان والذل .

ثم قال : ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) يعني أن أولئك وإن نزل عليهم العذاب والخزي كما تقدم ذكره ، فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع ، والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب ، فلما ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس المتوافرة في هذه المطالب بين [ ص: 240 ] تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام ، فقال : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) والمقصود ظاهر ، وقالت المعتزلة : دلت الآية على أن أفعال الله وأحكامه معللة ، ودلت أيضا على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل ؛ لأن قوله : ( ولقد ضربنا للناس ) مشعر بالتعليل ، وقوله في آخر الآية : ( لعلهم يتذكرون ) مشعر بالتعليل أيضا ، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم ، ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة في القرآن ، لا جرم وصف القرآن بالمدح والثناء ، فقال : ( قرءانا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه :

الأول : أن قوله : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) يدل على أنه تعالى إنما ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر ، والشيء الذي يؤتى به لغرض آخر يكون محدثا ، فإن القديم هو الذي يكون موجودا في الأزل ، وهذا يمتنع أن يقال : إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا .

والثاني : أنه وصفه بكونه عربيا ، وإنما كان عربيا لأن هذه الألفاظ إنما صارت دالة على هذه المعاني بوضع العرب وباصطلاحهم ، وما كان حصوله بسبب أوضاع العرب واصطلاحاتهم كان مخلوقا محدثا .

الثالث : أنه وصفه بكونه قرآنا ، والقرآن عبارة عن القراءة ، والقراءة مصدر ، والمصدر هو المفعول المطلق ، فكان فعلا ومفعولا ، والجواب : أنا نحمل كل هذه الوجوه على الحروف والأصوات ، وهي حادثة ومحدثة .

المسألة الثانية : قال الزجاج : قوله ( عربيا ) منصوب على الحال ، والمعنى ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه ، ويجوز أن ينتصب على المدح .

المسألة الثالثة : أنه تعالى وصفه بثلاثة :

أولها : كونه قرآنا ، والمراد كونه متلوا في المحاريب إلى قيام القيامة ، كما قال : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ الحجر : 9 ] .

وثانيها : كونه عربيا ، والمراد أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) [ الإسراء : 88 ] .

وثالثها : كونه ( غير ذي عوج ) والمراد براءته عن التناقض ، كما قال : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ، وأما قوله : ( لعلهم يتقون ) ، فالمعتزلة يتمسكون به في تعليل أحكام الله تعالى .

وفيه بحث آخر : وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى : ( لعلهم يتذكرون ) ، وقال في هذه الآية : ( لعلهم يتقون ) ، والسبب فيه أن التذكر متقدم على الاتقاء ، لأنه إذا تذكره وعرفه ووقف على فحواه وأحاط بمعناه ، حصل الاتقاء والاحتراز ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث