الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين

المسألة الثالثة : احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى : ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) قالوا : نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا يحصل لهم هذا الشفيع ، أجاب أصحابنا عنه من وجوه ؛ الأول : أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع ، وهذا لا يدل على نفي الشفيع ، ألا ترى أنك إذا قلت : ما عندي كتاب يباع ، فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب ، وقالت العرب :


ولا ترى الضب بها ينجحر



ولفظ الطاعة يقتضي حصول المرتبة ، فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله ; لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالا من الله تعالى حتى يقال : إن الله يطيعه . الوجه الثاني في الجواب أن المراد من الظالمين هاهنا الكفار ، والدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار ( الذين يجادلون في آيات الله ) [غافر : 35] فوجب أن يكون مختصا بهم ، وعندنا أنه لا شفاعة في حق الكفار . والثالث : أن لفظ الظالمين ، إما أن يفيد الاستغراق ، وإما أن لا يفيد ، فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم ، ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار ، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع ; لأن بعض هذا المجموع هم الكفار وليس لهم شفيع ، فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع ، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفا بهذه الصفة ، وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار ، أجاب المستدلون عن السؤال الأول ، فقالوا : يجب حمل كلام الله تعالى على محمل مفيد ، وكل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله ; لأن المطيع أدون حالا من المطاع ، وليس في الوجود شيء أعلى مرتبة من الله تعالى حتى يقال : إن الله يطيعه ، وإذا كان هذا المعنى معلوما بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجا لها عن الفائدة ، فوجب حمل الطاعة على الإجابة ، والذي يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر :


رب من أنضجت غيظا صدره     قد تمنى لي موتا لم يطع



أما السؤال الثاني : فقد أجابوا عنه بأن لفظ الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم ، أقصى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار ; لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

أما السؤال الثالث : فجوابه أن قوله : ( ما للظالمين من حميم ) يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع يطاع ، فهذا تمام كلام القوم في تقرير ذلك الاستدلال .

أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا : إن القوم كانوا يقولون في الأصنام : إنها شفعاؤنا عند الله ، وكانوا يقولون : إنها تشفع لنا عند الله من غير حاجة فيه إلى إذن الله ، ولهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) [البقرة : 255] فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله إجابة الأصنام في تلك الشفاعة ، وهذا نوع طاعة ، فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله : ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) [ ص: 46 ] وأجابوا عن الكلام الثاني بأن قالوا : الأصل في حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق ، فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع ، وكان هناك معهود سابق انصرف إليه ، وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار الذين يجادلون في آيات الله ، فوجب أن ينصرف إليه ، وأجابوا عن الكلام الثالث بأن قالوا : قوله : ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) يحتمل عموم السلب ، ويحتمل سلب العموم ، أما الأول فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع ، وأما الثاني فعلى تقدير أن يكون المعنى أن مجموع الظالمين ليس لهم حميم ولا شفيع ، ولا يلزم من نفي الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع ، والذي يؤكد ما ذكرناه قوله تعالى : ( الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) [البقرة : 6] فقوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون ، إن حملناه على أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام الله ; لأن كثيرا ممن كفر فقد آمن بعد ذلك ، أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن ، صدق وتخلص عن الخلف ، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم ، ولم نحملها على عموم السلب ، فكذا قوله : ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع ) يجب حمله على سلب العموم لا على عموم السلب ، وحينئذ بطل استدلال المعتزلة بهذه الآية ، فهذا غاية الكلام في هذا الباب .

المسألة الرابعة : في بيان نظم الآية ، فنقول : إنه تعالى ذكر في هذه الآية جميع الأسباب الموجبة للخوف . فأولها : أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة ، أي يوم القرب من عذابه لمن ابتلي بالذنب العظيم ; لأنه إذا قرب زمان عقوبته كان في أقصى غايات الخوف ، حتى قيل : إن تلك الغموم والهموم أعظم في الإيحاش من عين تلك العقوبة .

والثاني قوله : ( إذ القلوب لدى الحناجر ) والمعنى أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن انقلع القلب من الصدر وارتفع إلى الحنجرة والتصق بها وصار مانعا من دخول النفس . والثالث قوله : ( كاظمين ) والمعنى أنه لا يمكنهم أن ينطقوا وأن يشرحوا ما عندهم من الحزن والخوف ، وذلك يوجب مزيد القلق والاضطراب . والرابع قوله : ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) فبين أنه ليس لهم قريب ينفعهم ، ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته . والخامس قوله : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) والمعنى أنه سبحانه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، والحاكم إذا بلغ في العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب منه شديدا جدا ، قال صاحب "الكشاف" : الخائنة صفة النظرة أو مصدر بمعنى الخائنة ، كالعافية المعافاة ، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب ، والمراد بقوله : ( وما تخفي الصدور ) مضمرات القلوب ، والحاصل أن الأفعال قسمان : أفعال الجوارح وأفعال القلوب ، أما أفعال الجوارح ، فأخفاها خائنة الأعين ، والله أعلم بها ، فكيف الحال في سائر الأعمال .

وأما أفعال القلوب ، فهي معلومة لله تعالى لقوله : ( وما تخفي الصدور ) فدل هذا على كونه تعالى عالما بجميع أفعالهم . السادس : قوله تعالى : ( والله يقضي بالحق ) وهذا أيضا يوجب عظم الخوف ; لأن الحاكم إذا كان عالما بجميع الأحوال ، وثبت منه أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل ، كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى . السابع : أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام ، وقد بين الله تعالى أنه لا فائدة فيها البتة ، فقال : ( والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ) الثامن : قوله ( إن الله هو السميع البصير ) أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام ، ولا يسمع منهم ثناءهم على الله ، ويبصر خضوعهم وسجودهم لهم ، ولا يبصر خضوعهم [ ص: 47 ] وتواضعهم لله ، فهذه الأحوال الثمانية إذا اجتمعت في حق المذنب الذي عظم ذنبه كان بالغا في التخويف إلى الحد الذي لا تعقل الزيادة عليه ، ثم إنه تعالى لما بالغ في تخويف الكفار بعذاب الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال : ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ) والمعنى أن العاقل من اعتبر بغيره ، فإن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من الكفار ، وأقوى آثارا في الأرض منهم ، والمراد حصونهم وقصورهم وعساكرهم ، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم الله بضروب الهلاك معجلا حتى إن هؤلاء الحاضرين من الكفار يشاهدون تلك الآثار ، فحذرهم الله تعالى من مثل ذلك بهذا القول ، وبين بقوله : ( وما كان لهم من الله من واق ) أنه لما نزل العذاب بهم عند أخذه تعالى لهم لم يجدوا من يعينهم ويخلصهم ، ثم بين أن ذلك نزل بهم لأجل أنهم كفروا وكذبوا الرسل ، فحذر قوم الرسول من مثله ، وختم الكلام بأنه ( قوي شديد العقاب ) مبالغة في التحذير والتخويف ، والله أعلم .

وقرأ ابن عامر وحده "كانوا هم أشد منكم" بالكاف ، والباقون بالهاء . أما وجه قراءة ابن عامر فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب ، كقوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [الفاتحة : 5] بعد قوله : ( الحمد لله ) [الفاتحة : 1] والوجه في حسن هذا الخطاب أنه في شأن أهل مكة ، فجعل الخطاب على لفظ المخاطب الحاضر لحضورهم ، وهذه الآية في المعنى كقوله : ( مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ) [الأنعام : 6] وأما قراءة الباقين على لفظ الغيبة فلأجل موافقة ما قبله من ألفاظ الغيبة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث