الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لم يجد المكلف ماءا ولا ترابا وهو يريد الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف : رحمه الله تعالى ( وإن لم يجد ماء ولا ترابا صلى على حسب حاله وأعاد الصلاة ; لأن الطهارة شرط من شروط الصلاة فالعجز عنها لا يبيح ترك الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة واستقبال القبلة والقيام والقراءة ) .

التالي السابق


( فرع ) قوله : ( على حسب حاله ) هو بفتح السين أي قدر حاله ، ولو حذف لفظة حسب صح الكلام أيضا ، وقوله ( شرط من شروط الصلاة ) احتراز من العقل فإنه شرط ، ولكن من شروط التكليف ، وقوله ( والقيام والقراءة ) مما ينكر عليه ; لأنه جعلهما من الشروط ، ومعلوم عنده وعند غيره أنهما ليسا من الشرط ، بل من الفرائض والأركان ، وكان ينبغي أن يحذفهما فقد حصل الغرض بما قبلهما ، أو يقول : لأن الطهارة لازم من لوازم الصلاة ; ليتناول كل المذكورات وكأنه أراد بالشرط ما لا تصح الصلاة إلا بوجوده لا حقيقته .

( وأما حكم المسألة ) فإذا لم يجد المكلف ماء ولا ترابا بأن حبس في موضع [ ص: 322 ] نجس أو كان في أرض ذات وحل ولم يجد ماء يجففه به أو ما أشبه ذلك ، ففيه أربعة أقوال حكاها أصحابنا الخراسانيون : ( أحدها ) : يجب عليه أن يصلي في الحال على حسب حاله ، ويجب عليه الإعادة إذا وجد ماء أو ترابا في موضع يسقط الفرض فيه بالتيمم . وهذا القول هو الصحيح الذي قطع به كثيرون من الأصحاب أو أكثرهم وصححه الباقون ، وهو المنصوص في الكتب الجديدة .

( والثاني ) : لا تجب الصلاة بل تستحب ويجب القضاء ، سواء صلى أم لم يصل حكوه عن القديم ، وحكاه الشيخ أبو حامد وغيره من العراقيين . ( والثالث ) : يحرم عليه الصلاة ويجب القضاء ، حكاه إمام الحرمين وجماعة من الخراسانيين عن القديم ( والرابع ) : تجب الصلاة في الحال على حسب حاله ولا تجب الإعادة ، حكوه عن القديم أيضا ، وستأتي أدلة هذه الأقوال في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . قال إمام الحرمين : وإذا قلنا تجب الصلاة في الوقت ويجب القضاء فالمذهب الظاهر : أن ما يأتي به في الوقت صلاة ولكن يجب تدارك النقص ، ولا يمكن إلا بفعل صلاة كاملة . قال : ومن أصحابنا من قال : الذي يأتي به تشبه كالإمساك في رمضان لمن أفطر عمدا . قال الإمام : وهذا بعيد جدا . قال أصحابنا : فإذا قلنا بالمذهب وهو وجوب الصلاة في الحال ووجوب القضاء صلى الفرض وحده ولا يجوز النفل ولا مس المصحف وحمله ، فإن كان جنبا لم يجز له المكث في المسجد ولا قراءة القرآن في غير الصلاة ، وإن كانت امرأة انقطع حيضها لم يجز وطؤها ; لأن هذه الأشياء إنما تباح بالطهارة ولم تأت بها ، وإنما صلى الفريضة للضرورة محافظة على حرمتها .

وحكى الجرجاني في المعاياة وصاحب البيان وجها : أنه يباح وطؤها وليس بشيء وإذا صلى الفرض وكان جنبا ، أو منقطعة الحيض ، لم يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة بلا خلاف ، وفي الفاتحة وجهان سبق بيانهما وشرحهما في آخر باب ما يوجب الغسل ، أصحهما : تجب . والثاني : تحرم ، بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها من لا يحسن الفاتحة ، قال أصحابنا : وإذا شرع في [ ص: 323 ] الصلاة على حسب حاله فرأى الماء أو التراب في أثنائها بطلت صلاته . هذا هو الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور . وحكى القاضي حسين وجها أنها لا تبطل كالوجه المحكي في طريقة خراسان : أن المتيمم في الحضر إذا رأى الماء في أثناء الصلاة لا تبطل ، وهذا الوجه ليس بشيء . قال أصحابنا : ولو أحدث في هذه الصلاة أو تكلم بطلت بلا خلاف .

( فرع ) قال أبو العباس الجرجاني في المعاياة : ليس أحد يصح إحرامه بصلاة الفرض ولا يصح بالنفل إلا من عدم الماء والتراب أو السترة الطاهرة ، أو كان على بدنه نجاسة لا يقدر على إزالتها والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا : إذا عدم الماء والتراب فصلى على حسب حاله وأوجبنا الإعادة أعاد ، إذا وجد الماء أو وجد التراب في موضع يسقط الفرض فيه بالتيمم . أما إذا قدر على التيمم في حالة لا يسقط الفرض فيها بالتيمم كالحضر فإنه لا يعيدها بالتيمم ; لأنه لا فائدة في الإعادة حينئذ ، وكيف يصلي محدثا صلاة لا تنفعه من غير ضرورة ولا حرمة وقت ؟ وإنما جازت صلاة الوقت في هذا الحال ; لحرمة الوقت ، وقد زال . قال الروياني : قال والدي : إذا كان عليه صلاة فائتة بغير عذر وقلنا : يجب قضاؤها على الفور فعدم الماء والتراب ، فعندي أنه لا يلزمه القضاء في هذه الحالة ; لأنا لو ألزمناه ذلك احتاج إلى الإعادة ثانيا وثالثا ، وما لا يتناهى بخلاف المؤداة ، فإنه يجب فعلها لحرمة الوقت ، ولا يؤدي إلى التسلسل . قال : وهل له أن يقضي في هذه الحالة ؟ فيه وجهان ، يعني يقضي في الحال ثم يقضي إذا وجد الطهور .

( قلت : ) والصواب منهما أنه لا يجوز لما ذكرناه ، والله أعلم .

( فرع ) إذا ربط على خشبة أو شد وثاقه أو منع الأسير أو غيره من الصلاة ، وجب عليهم أن يصلوا على حسب حالهم بالإيماء ، ويكون إيماؤه [ ص: 324 ] بالسجود أخفض من الركوع ويجب الإعادة . أما وجوب الصلاة فلحرمة الوقت ، وأما الإعادة ; فلأنه عذر نادر غير متصل .

هذا هو المذهب الصحيح المشهور . وحكى القاضي أبو الطيب وصاحب الحاوي وجماعة من العراقيين والخراسانيين فيهم قولا قديما : أنه لا إعادة عليهم كالمريض ، والفرق على المذهب أن المرض يعم . وقال الصيدلاني في هذا وفي الغريق يتعلق بعود ويصلي بالإيماء : إن استقبل القبلة فلا إعادة ، كالمريض يصلي بالإيماء وإلا وجبت الإعادة . وقال البغوي في الغريق يصلي بالإيماء : لا يعيد ما يصلي إلى القبلة ويعيد غيره في أصح القولين .

وأما المريض إذا لم يجد من يحوله إلى القبلة فيجب أن يصلي على حسب حاله وتجب الإعادة على الصحيح المشهور لندوره . قال الروياني : ومن أصحابنا من قال : في الإعادة قولان ، وهذا شاذ والله أعلم .

( فرع ) إذا أوجبنا الإعادة في هذه المسائل السابقة ومسألة من لم يجد ماء ولا ترابا ، ومسألة من صلى بنجاسة لا يقدر على إزالتها فأعاد ففي الفرض من صلاته أربعة أقوال حكاها الشيخ أبو حامد والأصحاب في الطريقتين . وذكر صاحب الحاوي أن المزني وأبا علي بن أبي هريرة نقلاها ، وقد ذكرها المصنف في مسألة النجاسة في باب طهارة البدن . قال إمام الحرمين وغيره : كل صلاة صلاها في الوقت عالما باختلالها مع بذل الإمكان ثم أمرناه بالقضاء فقضاها ، ففي الواجب من الصلاتين أربعة أقوال . أصحها عند الأصحاب : أنها الثانية ، وهو نصه في الأم . والثاني : الأولى . والثالث : إحداهما لا بعينها . والرابع : كلاهما واجب ، وهو نصه في الإملاء ، واختاره القفال والفوراني وابن الصباغ ، وهو قوي ; لأنه مكلف بهما ، ويظهر فائدة الخلاف في مسائل : منها إذا أراد أن يصلي الثانية بتيمم الأولى ، وسيأتي تفصيله قريبا إن شاء الله تعالى ، وسيأتي في بيان هذه الأقوال وما يشبهها من الصلوات المفعولات على نوع خلل زيادات في آخر الباب في فرع مستقل بذلك إن شاء الله تعالى . [ ص: 325 ]

( فرع ) في مذاهب العلماء فيمن لم يجد ماء ولا ترابا ، قد قدمنا أن في مذهبنا أربعة أقوال ، وقال بكل واحد منها طائفة من العلماء ، فحكى ابن المنذر عن الأوزاعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي أنه لا يصلي في الحال ، بل يصبر حتى يجد الماء أو التراب ، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أبي ثور ، والرواية الأخرى عنه : أنه لا يصلي ولا يعيد ، وحكاها أصحابنا عن داود ، وعن مالك رواية أنه يصلي ويعيد ، ورواية أنه يصلي ولا يعيد ، ورواية لا يصلي ، وفي الإعادة عندهم خلاف .

وقال أحمد : يصلي ، وفي الإعادة روايتان . وقال المزني : يصلي ولا يعيد ، وكذا عنده كل صلاة صلاها على حسب حاله لا تجب إعادتها ، صرح بذلك في مختصره ونقله عنه الأصحاب ، واحتج من منع الصلاة في الحال بقول الله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا } وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } رواه مسلم . وبحديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { مفتاح الصلاة الطهور } رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن ، وبالقياس على الحائض قبل انقطاع حيضها .

واحتج من لم يوجبها في الحال ولم يوجب القضاء بأنه عاجز عن الطهارة كالحائض ، واحتج لمن قال : يصلي ولا يعيد بحديث عائشة رضي الله عنها { أنها استعارت قلادة من أسماء فهلكت ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم } رواه البخاري ومسلم . ووجه الدلالة : أنهم صلوا بغير طهارة ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة ، قالوا : ولأن إيجاب الإعادة يؤدي إلى إيجاب ظهرين عن يوم ، وقياسا على المستحاضة والعريان والمصلي بالإيماء لشدة الخوف أو للمرض . [ ص: 326 ] واحتج أصحابنا لوجوب الصلاة في الحال بحديث عائشة المذكور ، فإن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم صلوا على حسب حالهم حين عدموا المطهر معتقدين وجوب ذلك ، وأخبروا به النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم ولا قال : ليست الصلاة واجبة في هذا الحال ، ولو كانت غير واجبة لبين ذلك لهم ، كما قال لعمار رضي الله عنه : { إنما كان يكفيك كذا وكذا } وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم } رواه البخاري ومسلم . وهو مأمور بالصلاة بشروطها ، فإذا عجز عن بعضها أتى بالباقي ، كما لو عجز عن ستر العورة أو القبلة أو ركن كالقيام . واحتجوا لوجوب الإعادة بقوله صلى الله عليه وسلم : { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } ولأنه عذر نادر غير متصل فلم تسقط الإعادة ، كمن صلى محدثا ناسيا أو جاهلا حدثه ، وكمن صلى إلى القبلة فحول إنسان وجهه عنها مكرها أو منعه من إتمام الركوع ، فإنه يلزمه الإعادة بالاتفاق .

كذا نقل الاتفاق فيه الشيخ أبو محمد الجويني ، قال : وهذا مما وافق عليه المزني . وأما الجواب عن احتجاج الأولين بالآية فمن وجهين .

( أحدهما ) : أن المراد لا تقربوا موضع الصلاة وهو المسجد .

( والثاني ) : أنها محمولة على واجد المطهر ، وهذا الثاني هو الجواب عن الحديث أيضا ; كما في قوله صلى الله عليه وسلم : { لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب } معناه إذا قدر عليها ، وهذا هو الجواب أيضا عن الحديث الآخر .

( والجواب ) عن قياسهم على الحائض : أن الحائض مكلفة بترك الصلاة لا طريق لها إلى فعلها ولو وجدت الطهور ، وهذا بخلافها .

( والجواب ) عن حديث عائشة : أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز والقضاء على التراخي .

( والجواب ) عن قولهم يؤدي إلى إيجاب ظهرين أنه لا امتناع في ذلك إذا اقتضاه الدليل ، كما إذا اشتبه عليه وقت الصلاة أو الصوم فصلى وصام بالاجتهاد ، ثم تحقق أنه فعله قبل الوقت وأدرك الوقت ، [ ص: 327 ] فإنه يلزمه الإعادة ، فقد أوجبنا عليه ظهرين .

( والجواب ) عن المستحاضة : أن عذرها إذا وقع دام ، وعمن بعدها أن أعذارهم عامة ، فلو أوجبنا الإعادة شق وحصل الحرج بخلاف مسألتنا والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث