الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا صلاة واحدة وهي ركعتا الطواف

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف : رحمه الله تعالى ( ويحرم عليها الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : { إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة } ويسقط فرضها لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : { كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نقضي الصلاة ولا نؤمر بالقضاء } ; ولأن الحيض يكثر فلو أوجبنا قضاء ما يفوتها لشق وضاق ) .

التالي السابق


( الشرح ) الحديثان المذكوران رواهما البخاري ومسلم من رواية عائشة ، رضي الله عنها فالأول روياه بلفظه وسبق بيانه وشرح الحيضة في باب ما يوجب الغسل ، وأما الثاني فروياه بمعناه ، ورواه أبو داود وغيره بلفظه هنا .

( وأما حكم المسألة ) فأجمعت الأمة : على أنه يحرم عليها الصلاة فرضها ونفلها وأجمعوا على أنه يسقط عنها فرض الصلاة فلا تقضي إذا طهرت . قال أبو جعفر بن جرير في كتابه اختلاف الفقهاء : أجمعوا على أن عليها اجتناب [ ص: 384 ] كل الصلوات فرضها ونفلها ، واجتناب جميع الصيام فرضه ونفله ، واجتناب الطواف فرضه ونفله ، وأنها إن صلت أو صامت أو طافت لم يجزها ذلك عن فرض كان عليها ، ونقل الترمذي وابن المنذر وابن جرير وآخرون الإجماع أنها لا تقضي الصلاة وتقضي الصوم . وفرق أصحابنا وغيرهم بين قضاء الصوم والصلاة بما ذكره المصنف : أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم ، وبهذا الفرق فرقوا في حق المغمى عليه ، فإنه يلزمه قضاء الصوم ولا يلزمه قضاء الصلاة .

وأطبق الأصحاب على هذا الفرق في الحائض وقال إمام الحرمين : المتبع في الفرق الشرع وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت : { كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة } وأراد إمام الحرمين أنه لا يمكن فرق من جهة المعنى ، وقد نقل البخاري في صحيحه في كتاب الصوم عن أبي الزناد نحو قول إمام الحرمين فقال : قال أبو الزناد : ( إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي ; فما يجد المسلمون بدا من اتباعها ، من ذلك الحائض تقضي الصوم دون الصلاة ) وهذا الذي قالاه اعتراف بالعجز عن الفرق ، والذي ذكره أصحابنا فرق حسن فليعتمد .

واستدل الشافعي رضي الله عنه على سقوط فرض الصلاة بدليل آخر ، فقال : وجدت كل مكلف مأمورا بفعل الصلاة على حسب حاله في المرض والمسايفة وغير ذلك ، والحائض مكلفة وهي غير مأمورة بها على حسب حالها ، فعلمت أنها غير واجبة عليها .



( فرع ) قال أصحابنا : وفي معنى الصلاة سجود التلاوة والشكر فيحرمان على الحائض والنفساء كما تحرم صلاة الجنازة ; ولأن الطهارة شرط .



( فرع ) قال أبو العباس بن القاص في التلخيص والجرجاني في المعاياة : كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا صلاة واحدة وهي ركعتا الطواف ، فإنها لا تتكرر .

وأنكر الشيخ أبو علي السنجي هذا وقال : هذا لا يسمى قضاء ; لأن الوجوب لم يكن في زمن الحيض ، ولو جاز أن [ ص: 385 ] يسمى هذا قضاء لجاز أن يسمى قضاء فائتة كانت قبل الحيض ، وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب ; لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتها إلا بالفراغ من الطواف فإن قدر أنها طافت ، ثم حاضت عقيب الفراغ من الطواف صح ما قاله أبو العباس إن سلم لهما ثبوت ركعتي الطواف في هذه الصورة ، والله أعلم



( فرع ) مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من السلف والخلف : أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذكر في أوقات الصلوات ولا في غيرها ، وممن قال بهذا الأوزاعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور حكاه عنهم ابن جرير ، وعن الحسن البصري قال : تطهر وتسبح ، وعن أبي جعفر قال لنا : " مر نساء الحيض أن يتوضأن في وقت الصلاة ، ويجلسن ويذكرن الله عز وجل ويسبحن " وهذا الذي قالاه محمول على الاستحباب عندهما ، فأما استحباب التسبيح فلا بأس به وإن كان لا أصل له على هذا الوجه المخصوص ، وأما الوضوء فلا يصح عندنا وعند الجمهور ، بل تأثم به إن قصدت العادة كما سبق ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث