الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رأت الحامل دما يصلح أن يكون حيضا

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف : رحمه الله تعالى ( وفي الدم الذي تراه الحامل قولان : أحدهما : أنه حيض ; لأنه دم لا يمنعه الرضاع فلا يمنعه الحمل كالنفاس ، والثاني : أنه دم فساد ; لأنه لو كان ذلك حيضا لحرم الطلاق وتعلق به انقضاء العدة ) .

[ ص: 412 ]

التالي السابق


[ ص: 412 ] الشرح ) يقال : الرضاع والرضاع بفتح الراء وكسرها فيهما ، وامرأة حامل وحاملة ، والأول أشهر وأفصح ، فإن حملت على رأسها أو ظهرها فحاملة لا غير ، والدم مخفف الميم على اللغة المشهورة ، وفيه لغة شاذة بتشديدها .

( أما حكم المسألة ) فإذا رأت الحامل دما يصلح أن يكون حيضا فقولان مشهوران قال صاحب الحاوي والمتولي والبغوي وغيرهم : الجديد أنه حيض ، والقديم : ليس بحيض ، واتفق الأصحاب على أن الصحيح أنه حيض ، فإن قلنا : ليس بحيض فهو دم فساد كما ذكر المصنف ، وهل يسمى استحاضة ؟ فيه خلاف سبق ، وسواء قلنا استحاضة أو دم فساد هو حدث ينقض الوضوء ، فإن لم يستمر فهو كالبول ، فلها أن تصلي بالوضوء الواحد صلوات ، وإن استمر فلها حكم الاستحاضة المستمرة وسيأتي بيانها في آخر الباب إن شاء الله تعالى . قال الدارمي في الاستذكار : " اختلف أصحابنا في محل القولين فمنهم من قال : هما إذا رأت الدم في أيام عادتها وعلى صفة دم الحيض ، فإن رأته في غير أيام الحيض أو رأت صفرة أو كدرة فليس بحيض قولا واحدا ، ومنهم من قال : لا فرق ، بل الخلاف جار في كل ما يجوز أن يكون حيضا لغير الحامل ، وقال أبو علي بن أبي هريرة : القولان إذا قلنا للحمل حكم ، فإن قلنا : لا حكم له فهو حيض قولا واحدا ، وقال أبو إسحاق : القولان جاريان سواء قلنا له حكم أم لا ، قال : واختلفوا أيضا فمنهم من قال : القولان إذا مضى للحمل أربعون يوما وما رأته قبل ذلك حيض قولا واحدا ، ومنهم من قال : القولان في الجميع ، هذا آخر كلام الدارمي وقال الشاشي : إذا قلنا : الحامل لا تحيض فمن متى ينقطع حيضها ؟ وجهان : الصحيح بنفس العلوق ، والثاني : من وقت حركة الحمل .

( قلت : ) الصحيح المشهور جريان القولين بنفس العلوق ، وفي جميع الأحوال التي ذكرها الدارمي وأما قول المصنف : أحدهما أنه حيض ; لأنه دم لا يمنعه الرضاع ولا يمنعه الحمل كالنفاس فمعناه أن المرضع لا تحيض [ ص: 413 ] غالبا وكذا الحامل ، فلو اتفق رؤية الدم في حال الرضاع كان حيضا بالاتفاق فكذا في حال الحمل فهما سواء في الندور . فينبغي أن يكونا سواء في الحكم بأنهما حيض . وأما قوله : كالنفاس فمراده إذا ولدت ولدين بينهما دون ستة أشهر ورأت الدم بينهما وقلنا : إنه نفاس فهذه حامل ومرضع ودمها نفاس ، ومعناه أن النفاس لا يمنعه الرضاع والحمل ، والحيض لا يمنعه الرضاع ، فينبغي أن لا يمنعه الحمل كما قلنا في النفاس ، قال صاحب البيان في مشكلات المهذب : مراده الاستدلال على أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه يقول : دم الحامل ليس بحيض والدم بين الولدين نفاس ، فقاس على ما وافق عليه ، قال القلعي : وقوله : لا يمنعه الرضاع ليس باحتراز بل للدلالة على الحكم والتقريب من الأصل والله أعلم .

( فرع ) إذا قلنا : دم الحامل حيض فقد ذكر المصنف أنه لا تنقضي به العدة وكذا قاله أصحابنا في هذا الباب ، ونقل الغزالي والمتولي وغيرهما الاتفاق على هذا ، ومرادهم أن الحامل إذا كان عليها عدة واحدة وحملها لصاحب العدة وحاضت أدوارا فلا تنقضي بها العدة ولا يحسب شيء من الأطهار المعجلة قرءا ، أما إذا كان الحمل بحيث لا تنقضي به العدة بأن لا يكون لصاحب العدة مثل إن مات صبي عن زوجته أو فسخ نكاحه بعينه أو غيره بعد دخوله وامرأته حامل من الزنا أو تزوج الرجل حاملا من الزنا وطلقها بعد الدخول وهي ترى الدم على الأدوار - فإن قلنا : الحامل تحيض - ففي انقضاء عدتها بهذه الأطهار المتخللة في مدة الحمل وجهان مشهوران سيأتي إيضاحهما في كتاب العدد إن شاء الله تعالى . ولو كان عليها عدتان بأن طلقها وهي حامل ثم وطئها بشبهة فوجبت العدة الثانية فهل تتداخل العدتان ؟ فيه خلاف معروف .

فإن قلنا : لا تتداخل كانت معتدة عن الطلاق فلو حاضت على الحمل فهل يحسب أطهارها في الحمل عن عدة الشبهة ؟ فيه وجهان ، أصحهما : يحسب ، فعلى هذا يكون حيض الحامل مؤثرا في انقضاء العدة ولا يحسن إطلاق القول بأنه لا تنقضي به العدة إلا أن يقيد بما قيدناه به أولا والله أعلم . [ ص: 414 ] فرع ) إذا قلنا : دم الحامل حيض فانقطع ثم ولدت بعد انقطاعه بخمسة عشر يوما فصاعدا فلا شك في كونه حيضا ، وإن ولدت قبل مضي خمسة عشر ففي كونه حيضا وجهان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف في فصل النفاس ، ( أصحهما ) باتفاق أنه حيض ، ; لأنه دم بصفة الحيض ، وإنما يشترط أن يكون بين الدمين خمسة عشر إذا كانا دمي حيض ، ولهذا قال المصنف والأصحاب : أقل طهر فاصل بين الحيضتين خمسة عشر . قال المتولي : وعلى هذا لو رأت النفاس ستين يوما ثم انقطع ثم عاد الدم ، فإن عاد بعد خمسة عشر فهو حيض ، وإن عاد قبلها فهل يجعل الثاني حيضا ؟ فيه هذان الوجهان ، أحدهما : لا ; لنقصان ما بينهما عن طهر كامل ، وأصحهما : نعم لاختلافهما .

( فرع ) إذا قيل : إذا جعلتم دم الحامل حيضا لم يبق وثوق بانقضاء العدة ، والاستبراء بالحيض لاحتمال الحيض على الحمل ، فالجواب أن الغالب أنها لا تحيض ، فإذا حاضت حصل ظن براءة الرحم ، وذلك كاف في العدة والاستبراء ، فإن بان خلافه على الندور عملنا بما بان والله أعلم .

( فرع ) في مذاهب السلف في حيض الحامل ، وقد ذكرنا أن الأصح عندنا أن الدم الذي تراه حيض . وبه قال قتادة ومالك والليث وقال ابن المسيب والحسن وعطاء ومحمد بن المنكدر وعكرمة وجابر بن زيد والشعبي ومكحول والزهري والحكم وحماد والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر : ليس بحيض ، ودليل المذهبين في الكتاب ، ومما يستدل به للصحيح في كونه حيضا أنه دم بصفات دم الحيض وفي زمن إمكانه ; ولأنه متردد بين كونه فسادا لعلة أو حيضا ، والأصل السلامة من العلة . وأما قول القائل الآخر : لو كان حيضا لانقضت العدة به ففاسد ; لأن العدة لطلب براءة الرحم ، ولا تحصل البراءة بالأقراء مع وجود الحمل ; ولأن العدة تنقضي به في بعض الصور كما سبق بيانه ، وأما قوله : لو كان حيضا لحرم الطلاق ، فجوابه أن تحريم طلاق الحائض إنما كان لتطويل العدة ولا تطويل هنا ; لأن عدتها بالحمل والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث