الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رأت ستة عشر يوما دما أحمر ثم رأت دما أسود وانفصل

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف : رحمه الله تعالى ( وإن رأت ستة عشر يوما دما أحمر ثم رأت دما أسود وانفصل لم يكن لها تمييز ، فيكون حيضها يوما وليلة في أول الدم الأحمر في أحد القولين ، وستا أو سبعا في الآخر . وقال أبو العباس : يكون حيضها يوما وليلة من أول الأحمر وخمسة عشر طهرا ، وتبتدئ من أول الدم الأسود حيضا آخر في أحد القولين يوما وليلة ، وفي القول الثاني يجعل حيضها ستا أو سبعا والباقي استحاضة ، إلا أن يكون الأسود في الثالث والعشرين ) .

التالي السابق


( الشرح ) هكذا توجد هذه المسألة في نسخ المهذب ، وحكى بعض المتأخرين أنه رأى أصل المصنف ، وقد ضرب المصنف بخطه على قوله : إلا أن يكون الأسود في الثالث والعشرين ، فهذه المسألة معدودة من مشكلات المهذب ولا أراها من المشكلات فأما على المذهب ، وهو أنه لا تمييز لها وأن حيضها من أول الأحمر يوم وليلة ، أو ست أو سبع وباقي الشهر طهر فظاهر لا إشكال فيه ، وأما على قول أبي العباس فيحتمل أمرين :

( أظهرهما ) أن معناه أنا إن قلنا المبتدأة ترد إلى يوم وليلة فحيض هذه يوم وليلة من أول الأحمر ، وباقي الأحمر وهو خمسة عشر طهر ، ثم تبتدئ حيضا آخر من أول الأسود يوما وليلة هذا كله إذا قلنا : المبتدأة ترد إلى يوم وليلة ، فإن قلنا ترد إلى ست أو سبع فحيضها من أول الأحمر ست أو سبع وباقي الشهر [ ص: 438 ] طهر ; لأن الباقي من الأحمر تسعة أيام أو عشرة فلا يمكن أن يجعل طهرا فاصلا بين الحيضتين ، فتعين أن يكون ما بعد الست أو السبع إلى آخر الشهر طهرا ، إلا أن تكون رأت اثنين وعشرين يوما دما أحمر واتصل الأسود من الثالث والعشرين فيكون حيضها من أول الأحمر ستا أو سبعا والباقي من الأحمر وهو خمسة عشر أو ستة عشر طهرا وتبتدي حيضا آخر من أول الثالث والعشرين ستا أو سبعا وتقدير كلام المصنف : وقال أبو العباس : يكون حيضها يوما وليلة من أول الأحمر وخمسة عشر طهر . هذا أحد القولين والقول الثاني : حيضها ست أو سبع وباقي الشهر طهر إلا أن يكون الأحمر قد امتد وبدأ السواد في الثالث والعشرين فيكون باقي الأحمر طهرا وتبتدئ من الأسود حيضا آخر ستا أو سبعا . هذا هو الاحتمال الظاهر المختار لكلام أبي العباس ، والاحتمال الثاني وهو الذي ذكره صاحب البيان في مشكلات المهذب ونقله صاحب البحر عن أبي العباس أنه أراد أنا نحيضها من أول الأحمر يوما وليلة قولا واحدا ، ولا يجيء قول الست أو السبع ويكون باقي الأحمر طهرا ثم تبتدئ حيضا آخر من أول السواد ، وفي قدره القولان في المبتدأة .

أحدهما : يوم وليلة والثاني : ست أو سبع إلا أن يكون الأحمر اثنين وعشرين والأسود في الثالث والعشرين ، فإن في القدر الذي ترد إليه من أول الأحمر القولين . أحدهما : يوم وليلة ، والثاني : ست أو سبع ، وباقي الأحمر طهر ، ثم تبتدئ من أول الأسود حيضا آخر . وهذان الاحتمالان ذكرهما صاحب البيان وجهين عن أبي العباس ، والأول منهما هو الصحيح ، والثاني ضعيف ; لأنه مخالف للقواعد من وجهين : أحدهما : الجزم برد المبتدأة إلى يوم وليلة ، والقاعدة أنها على قولين ، والثاني : أنه جعل لها حيض من أول الأحمر وطهر بعده ، ثم جعلت في السواد مبتدأة ، وينبغي أن تجعل معتادة إذا قلنا بالمذهب : إن العادة تثبت بمرة ، فإنه سبق لها دور وهو ستة عشر يوما منها يوم وليلة حيض وخمسة عشر طهر . وذكر القاضي أبو الطيب هذه المسألة في تعليقه فقال : قال أبو العباس : [ ص: 439 ] إن قلنا : ترد المبتدأة إلى يوم وليلة رددنا هذه إلى يوم وليلة من أول الأحمر ويكون بعده خمسة عشر طهرا ثم تبتدئ حيضا آخر من أول الأسود . وإن قلنا : ترد إلى ست أو سبع ردت هنا إلى ذلك من أول الأسود ; لأنا لو جعلنا ذلك من أول الأحمر لم يبق بينه وبين الأسود طهر صحيح إلا أن يكون استمر الأسود إلى آخر الثاني والعشرين فإنها ترد إلى أول الأحمر ; لأنه يجعل بعده طهر صحيح ، هذا كلام القاضي ، ويمكن حمل حكاية المصنف عليه والله أعلم .



( فرع ) رأت خمسة حمرة ثم خمسة سوادا ثم خمسة حمرة وانقطع فالجميع حيض وليست مستحاضة ، هذا هو المذهب وبه قطع الأصحاب وفيه وجه حكاه البغوي أن الحمرة السابقة طهر والباقي حيض ، وقد سبقت المسألة ، ولو رأت خمسة حمرة ثم نصف يوم سوادا ثم أطبقت الحمرة فلا تمييز لها . ولو رأت نصف يوم سوادا ثم نصفه حمرة ، ثم اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس كذلك ثم رأت السادس سوادا كله ثم أطبقت حمرة وجاوز خمسة عشر ، فما بعد السادس طهر والسادس حيض وما قبله من السواد حيض أيضا وفي الحمرة المتخللة طريقان حكاهما المحاملي في المجموع وصاحب البيان ( أحدهما ) : حيض وهو قول ابن سريج .

( والثاني ) : أنها على القولين في النقاء المتخلل بين الدماء ، ولو رأت يوما وليلة سوادا ثم خمسة أو عشرة أو ثلاثة عشر حمرة ثم يوما سوادا ثم أطبقت الحمرة ، فحكمه ما ذكرناه وهو أن السوادين حيض ، وفي الحمرة المتخللة الطريقان ، وما بعد السواد الثاني طهر .



( فرع ) قال إمام الحرمين في آخر باب الحيض : لو رأت دما قويا يوما وليلة فصاعدا ولم يتجاوز خمسة عشر ثم اتصل به الضعيف وتمادى ستة مثلا ، ولم يعد الدم القوي أصلا ، فالذي يقتضيه قياس التمييز أنها طاهر وإن استمر الضعيف سنين . قال : وقد يختلج في النفس استبعاد الحكم بطهارتها ، وهي ترى الدم دائما ، ولكن ليس لأكثر الطهر مرد يتعلق به فلم يبق ضبط إلا بالتمييز فظاهر القياس أنها طاهر وإن بلغ الدم الضعيف ما بلغ ، وهذا الذي قاله الإمام متعين وهو مقتضى كلام الأصحاب . [ ص: 440 ]

( فرع ) قال الرافعي : المفهوم من كلام الأصحاب في انقلاب الدم القوي إلى الضعيف أن يتمحض ضعيفا حتى لو بقيت خطوط من السواد ، وظهرت خطوط من الحمرة لا ينقطع حكم الحيض ، وإنما ينقطع إذا لم يبق شيء من السواد أصلا ، وقد صرح بهذا المفهوم إمام الحرمين رحمه الله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث