الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن كانت النجاسة خمرا فغسلها وبقيت الرائحة ففيه قولان : أحدهما : لا يطهر كما لو بقي اللون ( والثاني ) : يطهر ; لأن الخمر لها رائحة شديدة فيجوز أن تكون لقوة رائحتها تبقى الرائحة من غير جزء من النجاسة ، وإن كانت النجاسة دما فغسله ولم يذهب الأثر أجزأه ; لما روي أن خولة بنت يسار قالت : { يا رسول الله ، أرأيت لو بقي أثر ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الماء يكفيك ولا يضرك أثره } ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) : حديث خولة هذا رواه البيهقي في السنن الكبيرة من رواية أبي هريرة بإسناد ضعيف وضعفه ، ثم روى عن إبراهيم المزني الإمام قال : لم نسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث .

                                      قال أصحابنا : يجب محاولة إزالة طعم النجاسة ولونها وريحها فإن حاوله فبقي طعم النجاسة لم يطهر بلا خلاف ; لأنه يدل على بقاء جزء منها ، وإن بقي اللون وحده وهو سهل الإزالة لم يطهر ، وإن كان غيرها كدم الحيض يصيب ثوبا ولا يزول بالمبالغة في الحت والقرض طهر على المذهب .

                                      وحكى الرافعي - وجها - أنه لا يطهر وهو شاذ ، قال الرافعي : والصحيح الذي قطع به الجمهور أن الحت والقرض مستحبان وليسا بشرط ، وفي وجه شاذ هما شرط ، وإن بقيت الرائحة وحدها وهي عسرة الإزالة كرائحة الخمر وبول المبرسم وبعض أنواع العذرة فقولان ، وقيل : وجهان أصحهما يطهر ، وممن حكاه وجهين القاضي أبو الطيب ، قال [ ص: 614 ] الشيخ أبو حامد : هما قولان منصوصان ، وقد ذكر المصنف دليلهما .

                                      وإن بقي اللون والرائحة لم يطهر على الصحيح ، وحكى الرافعي فيه وجها .

                                      قال صاحب التتمة : وإذا لم تزل النجاسة بالماء وحده ، وأمكن إزالتها بأشنان ونحوه وجب .

                                      ثم ما حكمنا بطهارته في هذه الصور مع بقاء لون أو رائحة فهو طاهر حقيقة .

                                      وهذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور ، وفي التتمة وجه أنه يكون نجسا معفوا عنه وليس بشيء ، هذا تلخيص حكم المسألة وما ذكره الأصحاب .

                                      وأما قول المصنف : أحدهما : لا يطهر كما لو بقي اللون .

                                      فمراده : لون يسهل إزالته كما ذكرناه ، وهكذا من أطلق من العراقيين أنه لا يطهر مع بقاء اللون مرادهم ما ذكرنا ، وقد نقل الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب الاتفاق على أنه إذا بقي اللون لا يطهر ومرادهما ما ذكرنا ، وقد أنكر بعض الناس على المصنف قوله : كاللون ، وزعم أن صوابه كالطعم قال : لأن اللون لا يضر بقاؤه قطعا ، وهذا الإنكار خطأ من قائله فإنه بجهالته فهم خلاف الصواب ثم اعترض ، والصواب صحة ما قاله المصنف وحمله على ما ذكرناه فقد صرح غيره بما تأولناه .

                                      وأما قول صاحب البيان : القولان في بقاء رائحة الخمر ، فإن بقي رائحة غيرها فقال عامة أصحابنا : لا يطهر ، وقال صاحب التلخيص والفروع : فيه القولان كالخمر .

                                      فليس كما قال بل الصواب الذي عليه الأكثرون طرد القولين في الجميع على ما سبق .

                                      وكأن صاحب البيان قلد في هذه الدعوى صاحب العدة على عادته في النقل عنه ، وممن صرح بطردهما في غير الخمر الشيخ أبو حامد والله أعلم .




                                      الخدمات العلمية