الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف : - رحمه الله تعالى ( وإن وقع فيه ما لا يختلط به فغير رائحته كالدهن والطيب والعود ففيه قولان ، قال في البويطي : لا يجوز الوضوء به كالمتغير بزعفران ، وروى المزني : أنه يجوز الوضوء به ; لأن تغيره عن مجاورة ، فهو كما لو تغير بجيفة بقربه وإن وقع فيه قليل كافور فتغيرت به رائحته ففيه وجهان ( أحدهما ) : لا يجوز الوضوء به كما لو تغير بالزعفران ( والثاني ) : يجوز ; لأنه لا يختلط به ، وإنما يتغير من جهة المجاورة ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذان القولان مشهوران الصحيح منهما باتفاق الأصحاب : رواية المزني أنه يجوز الطهارة به ، وقطع به جمهور كبار العراقيين ، منهم الشيخ أبو حامد وصاحباه الماوردي والمحاملي في كتبه المجموع والتجريد والمقنع ، وأبو علي البندنيجي في كتابه الجامع ، والشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي الدمشقي الزاهد في كتابيه التهذيب والانتخاب وغيرهم ، وجماعة من الخراسانيين من أصحاب القفال منهم الشيخ أبو محمد في الفروق والقاضي حسين والفوراني وغيرهم .

والأصح من الوجهين في المسألة الثانية الجواز أيضا ، واعلم : أن المسألة الأولى - مسألة القولين - لا فرق فيها بين أن يكون التغير بطعم أو لون أو رائحة ، هذا هو الصواب .

وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح : عندي أن التغير بالمجاورة لا يكون إلا بالرائحة ; لأن تغير اللون والطعم لا يتصور إلا بانفصال أجزاء واختلاطها ، والرائحة تحصل بدون ذلك ، [ ص: 155 ] ولهذا تتغير رائحته بما على طرف الماء لا طعمه ولونه ، وهذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو ضعيف مردود لا نعرفه لأحد من الأصحاب إلا ما سأذكره عن الماوردي - إن شاء الله تعالى - بل هو مخالف لمفهوم كلام الأصحاب وإطلاقهم المقتضي عدم الفرق بين الأوصاف الثلاثة ، بل هو مخالف لما صرح به جماعة منهم شيخ الأصحاب الشيخ أبو حامد وصاحبه المحاملي .

وقال أبو حامد في تعليقه في باب الماء الذي ينجس : والذي لا ينجس ، وإن وقع فيه ما لا يختلط كالعود الصلب والعنبر أو الدهن الطيب ، فإنه لا يختلط ، ولكن لو غير بعض أوصافه ، فهو مطهر ، وقال المحاملي في التجريد قال الشافعي : وإن وقع فيه قليل لا يختلط به كعود وعنبر ودهن فلا بأس . قال : ولا فرق بين أن يغير أوصاف الماء أو لا يغيره ، فهذا لفظهما ، وقولهما : أحد أوصافه ، صريح فيما ذكرته فالصواب : أنه لا فرق بين الأوصاف ، وقوله : كما لو تغير بجيفة بقربه يعني جيفة ملقاة خارج الماء قريبة منه ، وفي هذه الصورة لا تضر الجيفة قطعا بل الماء طهور بلا خلاف



وأما قوله : وإن وقع فيه قليل كافور فتغيرت به رائحته فوجهان ، فقد اضطرب المتأخرون في تصويرها ، وممن نقحها أبو عمرو بن الصلاح فقال : من فسر الكافور هنا بالصلب فقد أخطأ ; لأنه لا يبقى لقوله قليل فائدة ولا معنى ; ولأنه حينئذ تكون هي المسألة الأولى بعينها ، والصواب : أن صورته أن يكون رخوا لكنه قليل ، بحيث لا يظهر في أقطار الماء لقلته ، بل يستهلك في موضع وقوعه ، فإذا تغيرت رائحة الجميع علم أنه تغير بالمجاورة فيجيء فيه وجهان مخرجان من المسألة السابقة مسألة القولين فإن قيل : فالمغير لم يجاور الجميع ، فكيف يقال تغير الجميع بالمجاورة ؟ قلنا : لا تعتبر في المغير لمجاوره مجاورته لجميع أجزاء الماء ، فإن ذلك هو المخالط ، بل يكفي مجاورة بعضه كما في الدهن والعود ، وهذا هو الفرق بين المخالط والمجاور ، هذا كلام أبي عمرو .

وكذا ذكر صاحب البيان في كتابيه البيان ومشكلات المهذب : أن المراد ما يختلط أجزاؤه باليسير من أجزاء الماء ثم يتغير به رائحة جميع الماء ، وقد صرح بهذا الفوراني فقال في الإبانة : اليسير [ ص: 156 ] من الكافور الذي يختلط بالماء ويذوب فيه ، بحيث لا يصل جميع أجزاء الماء إذا وقع في الماء وتروح به فيه وجهان . هذا ما يتعلق بتحقيق صورة الكتاب ، وقال الماوردي : للكافور ثلاثة أحوال : حال يعلم انحلاله في الماء فيسلب ; لأنه مخالط ، وحال يعلم أنه لم ينحل فلا يسلب ; لأنه مجاور ، وحال يشك فإن تغير بطعم أو لون يسلب ، وإن تغير برائحة فوجهان . هذا كلام الماوردي ، وقوله في الحال الأول ينبغي أن يحمل على كافور كثير ; ليوافق ما سبق والله أعلم .

( فرع ) هذا أول موضع ذكر فيه البويطي والمزني وهما أجل أصحاب الشافعي - رحمهم الله - فأما البويطي بضم الباء فمنسوب إلى بويط قرية من صعيد مصر الأدنى ، وهو أبو يعقوب يوسف بن يحيى أكبر أصحاب الشافعي المصريين وخليفته في حلقته بعد وفاته ، أوصى الشافعي أن يجلس في حلقته البويطي وقال : ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى ، وليس أحد من أصحابي أعلم منه . ودام في حلقة الشافعي إلى أن جرت فتنة القول بخلق القرآن ، فحملوه إلى بغداد مقيدا ليقول بخلقه فأبى وصبر محتسبا لله تعالى ، وحبسوه ودام في الحبس إلى أن توفي فيه ، وجرى له في السجن أشياء عجيبة ، وكان البويطي رضي الله عنه طويل الصلاة ويختم القرآن كل يوم ، قال الربيع : ما رأيت البويطي بعد ما فطنت له إلا رأيت شفتيه يتحركان بذكر أو قراءة ، قال : وكان له من الشافعي منزلة ، وكان الرجل ربما سأل الشافعي مسألة فيقول : سل أبا يعقوب ، فإذا أجابه أخبره فيقول : هو كما قال ، قال الربيع : وما رأيت أحدا أنزع بحجة من كتاب الله تعالى من البويطي وربما جاء إلى الشافعي رسول صاحب الشرطة ، فيوجه الشافعي البويطي ويقول : هذا لساني . وقال أبو الوليد بن أبي الجارود : كان البويطي جاري ، وما انتبهت ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي ، وكان الشافعي قال لجماعة من أصحابه : أنت يا فلان يجري لك كذا وأنت كذا وقال للبويطي : ستموت في [ ص: 157 ] حديدك ، فكان كما تفرس ، جرى لكل واحد ما ذكره ، ودعي البويطي إلى القول بخلق القرآن فأبى ، فقيد وحمل إلى بغداد ، قال الربيع : رأيت البويطي وفي رجليه أربع حلق ، قيود فيها أربعون رطلا وفي عنقه غل مشدود إلى يده ، وتوفي في السجن في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين - رحمه الله . وأما المزني فهو ناصر مذهب الشافعي ، وهو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق بن مسلم بن نهدلة بن عبد الله المصري قال المصنف في الطبقات : كان المزني زاهدا عالما مجتهدا مناظرا محجاجا غواصا على المعاني الدقيقة ، صنف كتبا كثيرة منها الجامع الكبير والجامع الصغير والمختصر والمنثور ، والمسائل المعتبرة ، والترغيب في العلم ، وكتاب الوثائق . وقال الشافعي : المزني ناصر مذهبي ، قال البيهقي : ولما جرى للبويطي ما جرى كان القائم بالتدريس والتفقيه على مذهب الشافعي المزني ، وأنشد المنصور الفقيه :

لم تر عيناي وتسمع أذني أحسن نظما من كتاب المزني

، وأنشد أيضا في فضائل المختصر وذكر من فضائله شيئا كثيرا . قال البيهقي : ولا نعلم كتابا صنف في الإسلام أعظم نفعا وأعم بركة وأكثر ثمرة من مختصره ، قال : وكيف لا يكون كذلك واعتقاده في دين الله تعالى ، ثم اجتهاده في الله تعالى ، ثم في جمع هذا الكتاب ، ثم اعتقاد الشافعي في تصنيف الكتب على الجملة التي ذكرناها - رحمنا الله وإياهما وجمعنا في جنته بفضله ورحمته . وحكى القاضي حسين عن الشيخ الصالح الإمام أبي زيد المروزي - رحمه الله - قال : من تتبع المختصر حق تتبعه لا يخفى عليه شيء من مسائل الفقه ، فإنه ما من مسألة من الأصول والفروع إلا وقد ذكرها تصريحا أو إشارة ، وروى البيهقي عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة قال : سمعت المزني يقول : مكثت في تأليف هذا الكتاب عشرين سنة ، وألفته ثماني مرات وغيرته ، وكنت كلما أردت تأليفه أصوم قبله ثلاثة أيام وأصلي كذا وكذا ركعة . وقال الشافعي : لو ناظر المزني الشيطان لقطعه . وهذا [ ص: 158 ] قاله الشافعي والمزني في سن الحداثة ، ثم عاش بعد موت الشافعي ستين سنة يقصد من الآفاق وتشد إليه الرحال ، حتى صار كما قال أحمد بن صالح : لو حلف رجل أنه لم ير كالمزني لكان صادقا ، وذكروا من مناقبه في أنواع طرق الخير جملا نفيسة لا يحتمل هذا الموضع عشر معشارها . وهي مقتضى حاله وحال من صحب الشافعي ، توفي المزني بمصر ودفن يوم الخميس آخر شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائتين ، قال البيهقي : يقال كان عمره سبعا وثمانين سنة

، فهذه نبذة من أحوال البويطي والمزني ، ذكرتها تنبيها للمتفقه ليعلم محلهما ، وقد استقصيت أحوالهما بأبسط من هذا في تهذيب الأسماء وفي الطبقات وبالله التوفيق ، وقوله : قال في البويطي معناه : قال الشافعي في الكتاب الذي رواه البويطي عن الشافعي فسمي الكتاب باسم مصنفه مجازا ، كما يقول : قرأت البخاري ومسلما والترمذي والنسائي وسيبويه ونظائرها ، والله أعلم



( فرع في مسائل تتعلق بالباب إحداها ) قال الشافعي - رحمه الله - في الأم : إذا وقع في الماء قطران فتغير به ريحه جاز الوضوء به ، ثم قال بعده بأسطر إذا تغير بالقطران لم يجز الوضوء به ، كذا رأيته في الأم ، وكذا نقله القاضي أبو الطيب والمحاملي في المجموع ، وعكسه الشيخ أبو حامد والمحاملي في التجريد وغيرهما ، فقدموا النص المؤخر ، ولعل النسخ مختلفة في التقديم والتأخير ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : ليست على قولين بل على حالين ، فقوله : يجوز أراد إن لم يختلط بل تغير بمجاوره ، وقوله : لا يجوز يعني إذا اختلط ، وقيل القطران ضربان مختلط وغيره ، قال الماوردي : وقال بعض أصحابنا : هما قولان وهذا غلط .



( الثانية ) قال الماوردي : الماء الذي ينعقد منه ملح إن بدأ في الجمود وخرج عن حد الجاري لم تجز الطهارة به ، وإن كان جاريا فهو ضربان ضرب يصير ملحا لجوهر التربية كالسباخ التي إذا حصل فيها مطر أو غيره صار ملحا جازت الطهارة به ، وضرب يصير ملحا لجوهر الماء كأعين الملح التي ينبع ماؤها مائعا ثم يصير ملحا جامدا ، فظاهر مذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابه : جواز الطهارة ; لأن اسم الماء يتناوله في الحال وإن تغير في وقت آخر [ ص: 159 ] كما يجمد الماء فيصير جمدا ، وقال أبو سهل الصعلوكي : لا يجوز ; لأنه جنس آخر كالنفط ، وكذا نقل القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وجهين في الماء الذي ينعقد منه ملح وعبارة البغوي : ماء الملاحة ، والصواب الجواز مطلقا ما دام جاريا ، والله أعلم



( الثالثة ) قال الماوردي : لو وقع في الماء تمر أو قمح أو شعير أو غيرها من الحبوب وتغير به نظر ، إن كان بحاله صحيحا لم ينحل في الماء ، جازت الطهارة بذلك الماء ; لأنه تغير مجاورة ، وإن انحل لم يجز للمخالطة ، وإن طبخ ذلك الحب بالنار ، فإن انحل فيه لم يجز ، وإن لم ينحل ولم يتغير به جازت ، وإن لم ينحل وتغير به فوجهان .

قال : ولو تغير بالشمع جازت الطهارة كالدهن يعني على الصحيح من القولين ، ولو تغير بشحم أذيب فيه فوجهان ، قال : ولو تغير بالمني فوجهان ; لأنه لا يكاد يماع ولم يرجح واحدا من الوجهين والأصح : أنه لا يجوز .



( الرابعة ) : الماء المتغير بورق الشجر ، قطع الشيخ أبو حامد والماوردي بأنه طهور ، وكذا نقله الروياني عن نص الشافعي ، وذكر الخراسانيون فيه ثلاثة أوجه ( أحدها ) : طهور ( والثاني ) : لا ( والثالث ) : يعفى عن الخريفي فلا يسلب بخلاف الربيعي ; لأن في الربيعي رطوبة تخالط الماء ; ولأن تساقطه نادر والخريفي يخالفه في هذين ، والأصح : العفو مطلقا ، صححه الفوراني والروياني والشاشي في كتابه المعتمد وصاحب البيان وغيرهم ، ثم الجمهور : أطلقوا المسألة وحررها الغزالي ثم الرافعي ، فقال : إن لم تتفتت الأوراق فهو تغير مجاورة ففيه القولان في العود الصحيح أنه لا يؤثر ، وإن تعفنت واختلطت ففيها الأوجه ، الأصح : العفو قال الرافعي وغيره : وهذا إذا تناثرت بنفسها ، فإن طرحت قصدا فقيل على الأوجه ، وقيل : يسلب المتفتت قطعا ، وهذا أصح قال الروياني : ولو تغير بالثمار سلب قطعا والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث