الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويجب أن يرتب الأذان ; لأنه إذا نكسه لا يعلم السامع أن ذلك أذان ، والمستحب أن لا يتكلم في أذانه فإن تكلم لم يبطل أذانه ; لأنه إذا لم تبطل الخطبة بالكلام فلأن لا يبطل الأذان أولى ، وإن أغمي عليه وهو في الأذان لم يجز لغيره أن يبني عليه ; لأن الأذان من اثنين لا يحصل به المقصود ; لأن السامع يظنه على وجه اللهو واللعب فإن أفاق في الحال وبنى عليه جاز ; لأن المقصود يحصل به ، [ ص: 121 ] وإن ارتد في الأذان ثم رجع إلى الإسلام في الحال ففيه وجهان ( أحدهما ) لا يجوز أن يبنى عليه ; لأن ما فعله قد بطل بالردة ، والمذهب أنه يجوز ; لأن الردة إنما تبطل إذا اتصل بها الموت ، وههنا رجع قبل الموت فلم يبطل ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) اتفقوا على اشتراط الترتيب في الأذان لما ذكره فإن نكسه فما وقع في موضعه صحيح فله أن يبني عليه بأن أتى بالنصف الثاني من الأذان ثم بالنصف الأول ، فالنصف الثاني باطل ، والأول صحيح لوقوعه في موضعه فله أن يبني عليه ، فيأتي بالنصف الثاني ، ولو استأنف الأذان كان أولى ليقع متواليا ولو ترك بعض كلماته أتى بالمتروك وما بعده ، ولو استأنف كان أولى .



                                      وأما الكلام في الأذان فقال أصحابنا : الموالاة بين كلمات الأذان مأمور بها فإن سكت يسيرا لم يبطل أذانه بلا خلاف ، بل يبني وإن تكلم في أثنائه فمكروه بلا خلاف ، قال أصحابنا : فإن عطس حمد الله في نفسه وبنى ، وإن سلم عليه إنسان أو عطس لم يجبه ولم يشمته حتى يفرغ ، فإن أجابه أو شمته أو تكلم بغير ذلك لمصلحة لم يكره وكان تاركا للفضل . ولو رأى أعمى يخاف وقوعه في بئر أو حية تدب إلى غافل ، أو نحو ذلك وجب إنذاره ويبني على أذانه ، واذا تكلم فيه لمصلحة أو لغير مصلحة لم يبطل أذانه إن كان يسيرا ; لأنه ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في الخطبة ، فالأذان أولى أن لا يبطل فإنه يصح مع الحدث وكشف العورة وقاعدا وغير ذلك من وجوه التخفيف وهذا الذي ذكرناه من أنه لا يبطل أذانه باليسير هو المذهب وبه قطع الأصحاب إلا الشيخ أبا محمد فتردد فيه إذا رفع به الصوت والصحيح قول الأصحاب ،



                                      وإن طال الكلام أو سكت سكوتا طويلا أو نام أو أغمي عليه في الأذان ثم أفاق ففي بطلان أذانه طريقان ( أحدهما ) لا يبطل قولا واحدا ، وبه قطع العراقيون وهو نص الشافعي رحمه الله في الأم ( والثاني ) في بطلانه قولان ، وهو طريقة الخراسانيين قالوا : والنوم والإغماء أولى بالإبطال من الكلام ، والكلام أولى بالإبطال من السكوت ، قال الرافعي الأشبه وجوب الاستئناف عند طول الفصل ، وحمل النص على الفصل اليسير . قال أصحابنا : والجنون هنا كالإغماء ، ممن صرح به القاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي والمتولي وغيرهم ثم في الإغماء والنوم إذا لم نوجب [ ص: 122 ] الاستئناف لقلة الفصل ، أو مع طوله على قولنا : لا يبطل الطويل : يستحب الاستئناف ، نص عليه في الأم ، واتفق الأصحاب عليه ، وكذا يستحب في السكوت والكلام الكثيرين إذا لم نوجبه ، فإن كان الكلام يسيرا لم يستحب الاستئناف على أصح الوجهين ، وبه قطع الأكثرون كما لا يستحب الاستئناف عند السكوت اليسير بلا خلاف . والوجه الثاني : يستحب ورجحه صاحب الشامل والتتمة ; لأنه مستغن عن الكلام بخلاف السكوت ، ثم إذا قلنا يبني مع الفصل الطويل فالمراد ما لم يفحش الطول بحيث لا يعد مع الأول أذانا ، وحيث قلنا لا يبطل بالفصل المتخلل فله أن يبني عليه بنفسه ولا يجوز لغيره على المذهب ، وهو المنصوص في الأم ، وبه قطع العراقيون ; لأنه لا يحصل به إعلام . وقال الخراسانيون : إن قلنا لا يجوز الاستخلاف في الصلاة فهنا أولى ، وإلا فقولان ،



                                      وأما إذا تكلم في الإقامة كلاما يسيرا فلا يضر ، هذا مذهبنا ، وبه قال الجمهور ، وحكى صاحب البيان عن الزهري أنه قال : تبطل إقامته دليلنا أنه لم تبطل الخطبة وهي شرط لصحة الصلاة فالإقامة أولى .

                                      قال الشافعي في الأم : ما كرهت له من الكلام في الأذان كنت له في الإقامة أكره قال : فإن تكلم في الأذان والإقامة أو سكت فيهما سكوتا طويلا أحببت أن يستأنف ولم أوجبه .



                                      أما إذا ارتد بعد فراغ أذانه والعياذ بالله - فلا يبطل أذانه لكن المستحب أن لا يعتد به ويؤذن غيره نص عليه في الأم ، واتفق الأصحاب عليه ; لأن ردته تورث شبهة فيه في حال الأذان فإن أسلم وأقام صح ، وإن ارتد في أثناء الأذان لم يصح بناؤه في حال الردة ، فإن أسلم وبنى فالمذهب أنه إن لم يطل الفصل جاز البناء وإلا فقولان الصحيح منعه وقيل في جوازه قولان مطلقا ، وقال البندنيجي وغيره : وجهان أصحهما الجواز ، وإذا جوزنا له البناء ففي جوازه لغيره الخلاف السابق ، والمذهب أنه لا يجوز ، كذا الحكم لو مات في خلال الأذان فالمذهب أنه لا يجوز البناء ، وبه قطع صاحب الحاوي والدارمي والله أعلم .

                                      ( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا الأذان لا يبطل بالكلام ، وبه قال جماهير العلماء ، قال الشيخ أبو حامد : وحكي عن الزهري أنه أبطله بالكلام قال : وهو ضعيف عنه ودليلنا القياس على الخطبة كما ذكره المصنف




                                      الخدمات العلمية