الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( إذا فرغ من الصلاة ثم رأى على ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنها نظرت فإن جوز أن تكون حدثت بعد الفراغ من الصلاة - لم تلزمه الإعادة ; لأن الأصل أنها لم تكن في حال الصلاة فلا تجب الإعادة بالشك ، كما لو توضأ من بئر وصلى ، ثم وجد في البئر فأرة ، وإن علم أنها كانت في الصلاة فإن كان علم بها قبل الدخول في الصلاة لزمه الإعادة ; لأنه فرط في تركها ، وإن لم يعلم بها حتى فرغ من الصلاة ففيه قولان . قال في القديم : لا يعيد لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فقال : ما لكم خلعتم نعالكم ؟ قالوا : رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا ، فقال : أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذرا ، أو قال : دم حلمة } فلو لم تصح الصلاة لاستأنف الإحرام ، وقال في الجديد : تلزمه الإعادة ; لأنها طهارة واجبة فلا تسقط بالجهل كالوضوء )

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي سعيد صحيح سبق بيانه في أول هذا الباب ، وذكر لفظه هناك ، والحلمة بفتح الحاء واللام القراد العظيم والجماعة حلم كقصبة وقصب وفي هذا الحديث من الفوائد مع ما ذكره المصنف أن الصلاة في النعل الطاهرة جائزة وأنه يجوز المشي في المسجد بالنعل ، وأن العمل القليل في الصلاة جائز ، وأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم يقتدى بها كأقواله ، وأن الكلام في الصلاة لا يجوز سواء كان لمصلحتها أو لغيرها ، ولولا ذلك لسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عند نزعهم ولم يؤخر سؤالهم وقوله ( كما لو توضأ من بئر ) وصورته أن يكون دون قلتين فيتوضأ منه ثم [ ص: 163 ] يجد فيه فأرة ميتة يحتمل أنها كانت فيه حال الوضوء ، ويحتمل حدوثها بعده ، ومن قال بالجديد أجاب عن الحديث بأن المراد بالقذر الشيء المستقذر كالمخاط ونحوه ، وبدم الحلمة - إن ثبت - الشيء اليسير المعفو عنه ، وإنما خلعه النبي صلى الله عليه وسلم تنزها .

( أما حكم المسألة ) فإذا سلم من صلاته ثم رأى عليه نجاسة يجوز أنها كانت في الصلاة ، ويجوز أنها حدثت بعدها فصلاته صحيحة بلا خلاف ، قال الشافعي والأصحاب : ويستحب إعادتها احتياطا ، وإن علم أنها كانت في الصلاة - فإن كان لم يعلمها قبل ذلك - فقولان ( الجديد ) الأصح بطلان صلاته ، ( والقديم ) صحتها ودليلهما في الكتاب ، وإن كان علمها ثم نسيها فطريقان مشهوران للخراسانيين ( أصحهما ) - وبه قطع العراقيون - تجب الإعادة قولا واحدا لتفريطه ، ( والثاني ) فيه قولان كالجاهل ، وإذا أوجبنا الإعادة وجب إعادة كل صلاة تيقن وجود النجاسة فيها ، ولا يجب ما شك فيه ولكن يستحب ، ولو رأى النجاسة في أثناء الصلاة فإن قلنا : لا تجب الإعادة إذا رآها بعد الفراغ أزالها وبنى على صلاته وإلا بطلت ووجب الاستئناف .

قال أصحابنا : وإذا رأى في ثوبه نجاسة لم يعلم متى أصابته لزمه أن يصلي كل صلاة تيقن أنها كانت فيها ، ولا يلزمه ما يشك فيه كما لو شك بعد فراغها ، ولكن يستحب أن يعيد كل صلاة يحتمل أنها كانت فيها ، وهذا كما سبق فيمن رأى المني في ثوبه .

( فرع ) في مذاهب العلماء فيمن صلى بنجاسة نسيها أو جهلها . ذكرنا أن الأصح في مذهبنا وجوب الإعادة وبه قال أبو قلابة وأحمد وقال جمهور العلماء : لا إعادة عليه ، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن المسيب وطاوس وعطاء وسالم بن عبد الله ومجاهد والشعبي والنخعي والزهري ويحيى الأنصاري والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور قال ابن المنذر وبه أقول ، وهو مذهب ربيعة ومالك وهو قوي في الدليل وهو المختار .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث