الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإذا كانت الصلاة تزيد على ركعتين فهل يقرأ السورة فيما زاد على الركعتين ؟ فيه قولان : قال في القديم : ( لا يستحب ) لما روى أبو قتادة : رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة ، وكان يسمعنا الآية أحيانا ، وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية ، وكان يقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب في كل ركعة } .

وقال في الأم : يستحب لما رويناه من حديث أبي سعيد الخدري ; ولأنها ركعة يشرع فيها الفاتحة فيشرع فيها السورة كالأوليين ، ولا يفضل الركعة الأولى على الثانية في القراءة ، وقال أبو الحسن الماسرجسي رحمه الله : يستحب أن تكون قراءته في الأولى من كل صلاة أطول لما رويناه من حديث أبي قتادة ، وظاهر قوله في الأم : أنه لا يفضل ; لما رويناه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وحديث أبي قتادة يحتمل أن يكون أطال ; لأنه أحس بداخل ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي قتادة رواه البخاري ومسلم ، واسم أبي قتادة : الحارث بن ربعي ، وقيل : النعمان بن ربعي ، وقيل : عمرو بن ربعي الأنصاري السلمي بفتح السين واللام ، توفي بالمدينة سنة سبع وخمسين على الأصح .

[ ص: 351 ] وقوله : ( سمعنا الآية أحيانا ) أي : في نادر من الأوقات ، وهذا محمول على أنه لغلبة الاستغراق في التدبر يحصل الجهر بالآية من غير قصد ، أو أنه فعله لبيان جواز الجهر ، وأنه لا تبطل الصلاة ولا يقتضي سجود سهو أو ليعلمهم أنه يقرأ ، أو أنه يقرأ السورة الفلانية ، وأما أبو الحسن الماسرجسي بفتح السين المهملة وكسر الجيم واسمه : محمد بن علي بن سهل تفقه عليه القاضي أبو الطيب الطبري ، وكان متقنا للمذهب ، وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه ، توفي رحمه الله سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ، وقول المصنف : لأنها ركعة يشرع فيها الفاتحة احتراز من ركعة المسبوق .

( أما الأحكام ) فهل يسن قراءة السورة في الركعة الثالثة والرابعة ؟ فيه قولان مشهوران :

( أحدهما ) : وهو قوله في القديم لا يستحب ، قال القاضي أبو الطيب : ونقله البويطي والمزني عن الشافعي ، :

( والثاني ) : يستحب وهو نصه في الأم ، ونقله الشيخ أبو حامد وصاحب الحاوي عن الإملاء أيضا ، واختلف الأصحاب في الأصح منهما ، فقال أكثر العراقيين : الأصح الاستحباب ، ممن صححه الشيخ أبو حامد والمحاملي وصاحب العدة والشيخ نصر المقدسي والشاشي ، وصححت طائفة عدم الاستحباب ، وهو الأصح ، وبه أفتى الأكثرون وجعلوا المسألة من المسائل التي يفتى فيها على القديم قلت : وليس هو قديما فقط ، بل معه نصان في الجديد كما حكيناه عن القاضي أبي الطيب ، واتفق أصحابنا : على أنه إذا قلنا بالسورة في الثالثة والرابعة تكن أخف من الأولى والثانية لحديث أبي سعيد : رضي الله عنه وهل يطول الأولى في القراءة على الثانية من كل الصلوات ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) عند المصنف والأكثرين : لا يطول ( والثاني ) : يستحب التطويل لحديث أبي قتادة ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : الصحيح أن يطول الأولى من كل الصلوات لكنه في الصبح أشد استحبابا قال : وهذا قول الماسرجسي وعامة أصحابنا بخراسان ، وبه قال الثوري ومحمد بن الحسن .

وقال أبو حنيفة : يستحب ذلك في الفجر خاصة قال : والوجه الآخر يسوي بينهما . ذكره أصحابنا العراقيون لنصه في الأم ، قال القاضي : والصحيح أنه يطولها لحديث أبي قتادة وليدركها قاصد الجماعة . [ ص: 352 ] وأما تأويل المصنف : أنه أحس بداخل فضعيف لوجهين :

( أحدهما ) أنه قال : وكان يطيل ، وهذا يشعر بتكرر هذا ، وأنه مقصود على مذهب من يقول : إن كان يقتضي التكرار ( والثاني ) : أن من أحس بداخل وهو في القيام لا يستحب له انتظاره على المذهب ، وإنما اختلفوا في انتظاره في الركوع والتشهد ، والصحيح : استحباب تطويل الأولى كما قاله القاضي أبو الطيب ونقله ، وقد وافقه غيره ، وممن قال به الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي ، وحسبك به معتمدا في هذا ، وإذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية فهل يستحب تطويل الثالثة على الرابعة ؟ فيه طريقان . نقل القاضي أبو الطيب الاتفاق على أنها لا تطول لعدم النص فيها ، ولعدم المعنى المذكور في الأولى ، ونقل الرافعي فيها الوجهين ، وإذا قلنا : تسن السورة في الأخيرتين مسنونة للإمام والمأموم والمنفرد ، وفي المأموم وجه ضعيف بناء على أنه لا يقرأ السورة في السرية حكاه المتولي .



( فرع ) قال صاحب التتمة : المتنفل بركعتين تسن له السورة ، والمتنفل بأكثر إن كان يقتصر على تشهد واحد قرأ السورة في كل ركعة ، وإن تشهد تشهدين ، فهل تسن له السورة في الركعات المفعولة بين التشهدين ؟ فيه وجهان بناء على القولين في الأخيرتين من الفرائض .



( فرع ) المسبوق بركعتين من الرباعية نص عليه الشافعي رحمه الله أنه يأتي بهما بالفاتحة وسورتين ، وللأصحاب طريقان :

( أحدهما ) : قاله أبو علي الطبري في استحباب السورة له القولان ; لأنهما آخر صلاته ، وإنما فرعه الشافعي على قوله : تستحب السورة في كل الركعات ، ( والطريق الثاني ) : قاله أبو إسحاق تستحب له السورة قولا واحدا ، وإن قلنا : لا تستحب في الأخيرتين ولا أدرك قراءة الإمام للسورة فاستحب له ، لئلا تخلو صلاته من سورتين .

وهذا الطريق الثاني هو الصحيح عند الأصحاب ، وممن صححه إمام الحرمين وصاحب الشامل وآخرون ، ونقله صاحب الحاوي عن أبي إسحاق وأكثر الأصحاب ، فإن كان ذلك في [ رابعة ] العشاء وثالثة المغرب ، لم يجهر بالقراءة على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وحكى [ ص: 353 ] أبو علي الطبري في الإفصاح والقاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل والبيان في جهره قولين كالسورة . قال القاضي أبو الطيب : نص في الإملاء أنه يجهر ; لأن الجهر قد فاته فيتداركه كالسر ، ونص في غيره أنه لا يجهر ; لأن سنة آخر الصلاة الإسرار ، فلا يفوته ، وبهذا يحصل الفرق بينه وبين الشيخ أبي محمد في التبصرة لو كان الإمام بطيء القراءة وأمكن المأموم المسبوق أن يقرأ السورة فيما أدرك فقرأها ، لم يعدها في الأخيرتين إذا قلنا : تختص القراءة بالأوليين .



( فرع ) لو قرأ السورة ثم قرأ الفاتحة أجزأته الفاتحة ، ولا تحسب له السورة على المذهب ، وهو المنصوص في الأم ، وبه قطع الأكثرون ، ممن قطع به القاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي في المجموع ، والقاضي حسين والفوراني ; لأنه أتى بها في غير موضعها ، وحكى الشيخ أبو محمد الجويني في التبصرة وولده إمام الحرمين والشيخ نصر المقدسي وغيرهم في الاعتداد بالسورة وجهين ; لأن محلها القيام وقد أتى بها فيه .



( فرع ) لو قرأ الفاتحة مرتين وقلنا بالمذهب إن الصلاة لا تبطل بذلك لم تحسب المرة الثانية عن السورة بلا خلاف . صرح به المتولي وغيره ، قال : لأن الفاتحة مشروعة في الصلاة فرضا والشيء الواحد لا يؤدى به فرض ونفل في محل واحد .



( فرع ) قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه التبصرة : لو ترك الإمام السورة في الأوليين ، فإن تمكن المأموم فقرأها قبل ركوع الإمام حصلت له فضيلة السورة ، وإن لم يتمكن لإسراع الإمام ، وكان يود أن يتمكن فللمأموم ثواب السورة ، وعلى الإمام وبال تقصيره لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { يصلون لكم ، فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطئوا فلكم وعليهم } .

رواه البخاري ومسلم قال : وربما تأخر المأموم بعد ركوع الإمام لقراءة السورة وهذا خطأ ; لأن المأموم يتعين عليه فرض المتابعة إذا هوى الإمام للركوع فلا يجوز أن يشتغل عن الفرض بنفل . .



( فرع ) في مذاهب العلماء في السورة بعد الفاتحة : مذهبنا أنها سنة ، فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته الصلاة ، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة [ ص: 354 ] وأحمد وكافة العلماء ، إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن عثمان بن أبي العاص الصحابي رضي الله عنه وطائفة أنه تجب مع الفاتحة سورة أقلها ثلاث آيات ، وحكاه صاحب البيان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويحتج له : بأنه من المعتاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة مع قوله : صلى الله عليه وسلم { صلوا كما رأيتموني أصلي } دليلنا قوله : صلى الله عليه وسلم { لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن } وظاهره : الاكتفاء بها . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " في كل صلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله أسمعناكم ، وما أخفى عنا أخفينا ، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وإن زدت فهو خير لك " رواه البخاري ومسلم ، واستدل البيهقي وغيره في هذه المسألة بهذا الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه ولا دلالة فيه لمسألتنا ، فإن الصحابة رضي الله عنهم لا يحتج بعضهم بقول بعض ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ولم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب } رواه بإسناد ضعيف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث