الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قراءة الفاتحة في الصلاة بجميع حروفها وتشديداتها

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ويستحب للإمام أن يجهر بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والأوليين من العشاء ، والدليل عليه : نقل الخلف عن السلف ، ويستحب للمأموم أن يسر ; لأنه إذا جهر نازع الإمام في القراءة ; ولأنه مأمور بالإنصات إلى الإمام ، وإذا جهر لم يمكنه الإنصات [ لغيره فهو كالإمام ] ، [ ويستحب ] للمنفرد أن يجهر فيما يجهر فيه الإمام ; لأنه لا ينازع غيره ولا هو مأمور بالإنصات إلى غيره فهو كالإمام وإن كانت امرأة لم تجهر في موضع فيه رجال أجانب ; لأنه لا يؤمن أن يفتتن بها ، ويستحب الإسرار في الظهر والعصر ، والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء ; لأنه نقل الخلف عن السلف .

وإن فاتته صلاة بالنهار فقضاها بالليل أسر ; لأنه صلاة نهار ، وإن فاته صلاة بالليل فقضاها بالنهار أسر لما روى أبو هريرة : رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا رأيتم [ ص: 355 ] من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه بالبعر ويقول : إن صلاة النهار عجماء } ويحتمل عندي : أن يجهر كما يسر فيما فاته من صلاة النهار فقضاها بالليل )

التالي السابق


( الشرح ) السلف في اللغة : هم المتقدمون والمراد هنا : أوائل هذه الأمة ، والخلف بفتح اللام ويقال بإسكانها لغتان الفتح أفصح وأشهر ، وهم السابقون لمن قبلهم في الخير والعلم والفضل ، وقوله : ( صلاة النهار عجماء ) بالمد أي لا جهر فيها تشبيها بالعجماء من الحيوان الذي لا يتكلم ، وهذا الحديث الذي ذكره باطل غريب لا أصل له .

( أما حكم المسألة ) فالسنة الجهر في ركعتي الصبح والمغرب والعشاء ، وفي صلاة الجمعة ، والإسرار في الظهر والعصر ، وثالثة المغرب والثالثة والرابعة من العشاء ، وهذا كله بإجماع المسلمين مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك ، هذا حكم الإمام . وأما المنفرد فيسن له الجهر عندنا وعند الجمهور ، قال العبدري : هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال : جهر المنفرد وإسراره سواء . دليلنا : أن المنفرد كالإمام في الحاجة إلى الجهر للتدبر ، فسن له الجهر كالإمام وأولى ; لأنه أكثر تدبرا لقراءته لعدم ارتباط غيره وقدرته على إطاقة القراءة .

ويجهر بها للتدبر كيف شاء ، ويخالف المنفرد المأموم فإنه مأمور بالاستماع ، ولئلا يهوش على الإمام . وأجمعت الأمة على أن المأموم يسن له الإسرار ويكره له الجهر ، سواء أسمع قراءة الإمام أم لا .

قال صاحب الحاوي : حد الجهر أن يسمع من يليه ، وحد الإسرار : أن يسمع نفسه ، ودليل كراهة الجهر للمأموم حديث عمران بن الحصين رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه { سبح اسم ربك الأعلى } فلما انصرف قال : أيكم قرأ ؟ أو أيكم القارئ ؟ فقال رجل : أنا فقال : قد ظننت أن بعضهم خالجنيها } رواه مسلم . ومعنى خالجنيها : جاذبنيها ونازعنيها .



وأما المرأة فقال أكثر أصحابنا : إن كانت تصلي خالية أو بحضرة نساء أو رجال محارم جهرت بالقراءة ، سواء أصلت [ ص: 356 ] بنسوة أم منفردة ، وإن صلت بحضرة أجنبي أسرت ، ، وممن صرح بهذا التفصيل المصنف والشيخ أبو حامد والبندنيجي وأبو الطيب في تعليقهما والمحاملي في المجموع والتجريد وآخرون ، وهو المذهب ، وأطلق صاحب الحاوي أنها تسر ، سواء أصلت منفردة أم إمامة ، وبالغ القاضي حسين فقال : هل صوت المرأة عورة ؟ فيه وجهان . الأصح : أنه ليس بعورة ، قال : فإن قلنا : عورة فرفعت صوتها في الصلاة بطلت صلاتها ، والصحيح ما قدمناه عن الأكثرين .

قال البندنيجي : ويكون جهرها أخفض من جهر الرجل . قال القاضي أبو الطيب : وحكم التكبير في الجهر والإسرار حكم القراءة ، وأما الخنثى فيسر بحضرة النساء والرجال الأجانب ، ويجهر إن كان خاليا أو بحضرة محارمه فقط . وأطلق جماعة أنه كالمرأة ، والصواب ما ذكرته .



وأما الفائتة فإن قضى فائتة الليل بالليل جهر بلا خلاف ، وإن قضى فائتة النهار بالنهار أسر بلا خلاف ، وإن قضى فائتة النهار ليلا أو الليل نهارا فوجهان . حكاهما القاضي حسين والبغوي والمتولي وغيرهم ، ( أصحهما ) : أن الاعتبار بوقت القضاء في الإسرار والجهر صححه البغوي والمتولي والرافعي ، ( والثاني ) : الاعتبار بوقت الفوات ، وبه قطع صاحب الحاوي قال : لكن يكون جهره نهارا دون جهره ليلا ، وطريقة المصنف مخالفة لهؤلاء كلهم ، فإنه قطع بالإسرار مطلقا ( قلت : ) كذا أطلق الأصحاب لكن صلاة الصبح - وإن كانت نهارية - فلها في القضاء في الجهر حكم الليلية ، ولوقتها فيه حكم الليل ، وهذا مراد الأصحاب .



[ ص: 357 ] فرع ) لو جهر في موضع الإسرار أو عكس لم تبطل صلاته ولا سجود سهو فيه ، ولكنه ارتكب مكروها ، هذا مذهبنا ، وبه قال الأوزاعي وأحمد في أصح الروايتين . وقال مالك والثوري وأبو حنيفة وإسحاق : يسجد للسهو ، دليلنا قوله في حديث أبي قتادة " ويسمعنا الآية أحيانا " وهو صحيح كما سبق .



( فرع ) في حكم النوافل في الجهر .

أما صلاة العيد والاستسقاء والتراويح وخسوف القمر فيسن فيها الجهر بلا خلاف ، وأما نوافل النهار فيسن فيها الإسرار بلا خلاف ، وأما نوافل الليل غير التراويح فقال صاحب التتمة : يجهر فيها ، وقال القاضي حسين وصاحب التهذيب : يتوسط بين الجهر والإسرار ، وأما السنن الراتبة مع الفرائض : فيسر بها كلها باتفاق أصحابنا . ونقل القاضي عياض في شرح مسلم عن بعض السلف الجهر في سنة الصبح ، وعن الجمهور الإسرار كمذهبنا .

( فرع ) في الأحاديث الواردة في الجهر والإسرار في صلاة الليل . عن حذيفة رضي الله عنه قال : { صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة ، فقلت : يركع عند المائة ، ثم مضى فقلت : يصلي بها في ركعة ، فمضى فقلت : يركع بها . ثم افتتح آل عمران فقرأها ثم افتتح النساء ، فقرأها ، يقرأ مترتلا ، وإذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا مر بسؤال سأل ، وإذا مر بتعوذ تعوذ } رواه مسلم . وعن أبي قتادة : رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة ، فإذا هو بأبي بكر رضي الله عنه يصلي يخفض من صوته ، ومر بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يصلي رافعا صوته ، فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم : مررت بك يا أبا بكر وأنت تصلي تخفض من صوتك قال : قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله ، وقال لعمر : مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك . فقال : يا رسول الله أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئا ، وقال لعمر : اخفض من صوتك شيئا } رواه أبو داود بإسناد صحيح . ورواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة بهذه القصة ، ولم يذكر قوله { فقال لأبي بكر [ ص: 358 ] ارفع من صوتك شيئا ولعمر اخفض شيئا ، وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ هذه السورة ، ومن هذه السورة قال : كلام طيب يجمع الله بعضه إلى بعض ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلكم قد أصاب } .

وعن أبي هريرة قال : { كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل يخفض طورا ويرفع طورا } رواه أبو داود بإسناد حسن .

وعن عصيف بن حارث وهو تابعي جليل ، وقيل صحابي ، قال : { قلت لعائشة رضي الله عنها أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر أول الليل أو آخره ؟ قالت : ربما أوتر في أول الليل ، وربما أوتر في آخره ، قلت : الله أكبر الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة . قلت : أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن ويخفت به ؟ قالت ربما جهر به وربما خفت ، قلت : الله أكبر الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة } .

رواه أبو داود بإسناد صحيح ورواه غيره وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم " { الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة } رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديث حسن ، والنسائي . وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال : { اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال : ألا إن كلكم مناج ربه ، فلا يؤذين بعضكم بعضا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة } رواه أبو داود بإسناد صحيح .



( فصل ) في مسائل مهمة تتعلق بقراءة الفاتحة وغيرها في الصلاة ، وأذكر إن شاء الله أكثرها مختصرة خوفا من الإملال بكثرة الإطالة .

( إحداها ) : قال أصحابنا وغيرهم : تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بكل واحدة من القراءات السبعة ، ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة ; لأنها ليست قرآنا ، فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، وكل واحدة من [ ص: 359 ] السبعة متواترة ، هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه ، ومن قال غيره فغالط أو جاهل ، وأما الشاذة فليست متواترة ، فلو خالف وقرأ بالشاذة أنكر عليه قراءتها في الصلاة أو غيرها ، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ ، وقد ذكرت [ تفصيله ] في التبيان في آداب حملة القرآن .

ونقل الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها ، قال العلماء : فمن قرأ بالشاذ إن كان جاهلا به أو بتحريمه عرف ذلك ، فإن عاد إليه بعد ذلك أو كان عالما به عزر تعزيرا بليغا إلى أن ينتهي عن ذلك ، ويجب على كل مكلف قادر على الإنكار أن ينكر عليه ، فإن قرأ الفاتحة في الصلاة بالشاذة - فإن لم يكن فيها تغير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصه صحت صلاته وإلا فلا ، وإذا قرأ بقراءة من السبعة استحب أن يتم القراءة بها ، فلو قرأ بعض الآيات بها وبعضها بغيرها من السبعة جاز بشرط أن يكون ما قرأه بالثانية مرتبطا بالأولى .



( الثانية ) : تجب قراءة الفاتحة في الصلاة بجميع حروفها وتشديداتها ، وهن أربع عشرة تشديدة ، في البسملة منهن ثلاث ، فلو أسقط حرفا منها أو خفف مشددا أو أبدل حرفا بحرف مع صحة لسانه لم تصح قراءته ، ولو أبدل الضاد بالظاء ففي صحة قراءته وصلاته وجهان للشيخ أبي محمد الجويني .

قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط والرافعي وغيرهم : أصحهما لا تصح ، وبه قطع القاضي أبو الطيب ، قال الشيخ أبو حامد : كما لو أبدل غيره ، ( والثاني ) : تصح لعسر إدراك مخرجهما على العوام وشبههم .



( الثالثة ) : إذا لحن في الفاتحة لحنا يخل المعنى بأن ضم تاء أنعمت أو كسرها ، أو كسر كاف إياك نعبد أو قال : إياء بهمزتين لم تصح قراءته وصلاته إن تعمد ، وتجب إعادة القراءة إن لم يتعمد ، وإن لم يخل المعنى كفتح دال نعبد ونون نستعين وصاد صراط ونحو ذلك لم تبطل صلاته ولا قراءته ، ولكنه مكروه ويحرم تعمده . ولو تعمده لم تبطل قراءته ولا صلاته . هذا هو الصحيح وبه قطع الجمهور ، وفي التتمة وجه : أن اللحن الذي لا يخل المعنى لا تصح [ ص: 360 ] الصلاة معه .

قال : والخلاف مبني على الإعجاز في النظم والإعراب جميعا أو في النظم فقط .



( الرابعة ) : في دقائق مهمة ذكرها الشيخ أبو محمد الجويني في التبصرة تتعلق بحروف الفاتحة ، قال : شرط السين من البسملة وسائر الفاتحة أن تكون صافية غير مشوبة بغيرها لطيفة المخرج من بين الثنايا - يعني وأطراف اللسان ، فإن كان به لثغة تمنعه من إصفاء السين فجعلها مشوبة بالثاء ، فإن كانت لثغة فاحشة لم يجز للفصيح الاقتداء به ، وإن كانت لثغة يسيرة ليس فيها إبدال السين جازت إمامته ، ويجب إظهار التشديد في الحرف المشدد ، فإن بالغ في التشديد لم تبطل صلاته ، لكن الأحسن اقتصاره على الحد المعروف للقراءة ، وهو أن يشدد التشديد الحاصل في الروح ، وليس من شرط الفاتحة فصل كل كلمة عن الأخرى كما يفعله المتقشفون المتجاوزون للحد ، بل البصريون يعدون هذا من العجز والعي ، ولو أراد أن يفصل في قراءته بين البسملة { والحمد لله رب العالمين } قطع همزة الحمد وخففها ، والأولى أن يصل البسملة بالحمد لله ; لأنها آية منها ، والأولى أن لا يقف على أنعمت عليهم ; لأن هذا ليس بوقف ولا منتهى آية أيضا عند الشافعي رحمه الله .

قال : ومن الناس من يبالغ في الترتيل فيجعل الكلمة كلمتين ، وأصل إظهار الحروف كقولهم نستعين ، يقفون بين السين والتاء وقفة لطيفة فينقطع الحرف عن الحرف والكلمة ، وهذا لا يجوز ; لأن الكلمة الواحدة لا تحتمل التقطيع والفصل والوقف في أثنائها ، وإنما القدر الجائز من الترتيل : أن يخرج الحرف من مخرجه ثم ينتقل إلى ما بعده متصلا بلا وقفة ، وترتيل القرآن وصل الحرف والكلمات على ضرب من التأني ، وليس من الترتيل فصل الحروف ولا الوقف في غير موضعه .

ومن تمام التلاوة إشمام الحركة الواقعة على الحرف الموقوف عليه اختلاسا لا إشباعا ، ولو أخرج بعض الحروف من غير مخرجه بأن يقول : نستعين تشبه التاء الدال أو الصاد لا بصاد محضة ولا بسين محضة ، بل بينهما ، فإن كان لا يمكنه التعلم صحت صلاته ، وإن أمكنه وجب التعلم ، ويلزمه [ ص: 361 ] قضاء كل صلاة في زمن التفريط في التعلم .

هذا حكم الفاتحة فأما غيرها فالخلل في تلاوته إن غير المعنى وهو متعمد بأن قرأ ( { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ) برفع الله ونصب العلماء ، أو قرأ بعض الكلمات التي في الشواذ كقراءة ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ) ، و فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات وأقيموا الحج والعمرة لله ، فهذا كله تبطل به الصلاة وإن كان خللا لا يغير المعنى ولا يزيد في الكلام لم تبطل به الصلاة ولكنها تكره ، هذا آخر كلام الشيخ أبي محمد رحمه الله .

قال صاحب التتمة : وإن كان في الشاذة تغيير معنى فتعمد بطلت ، وإلا فلا ويسجد للسهو .

قال الشيخ أبو محمد في التبصرة : لو فرغ من الفاتحة وهو معتقد أنه أتمها ولا يشك في ذلك ثم عرض له شك في كلمة أو حرف منها ، فلا أثر لشكه ، وقراءته محكوم بصحتها ، ولو فرغ من الفاتحة شاكا في تمامها لزمه إعادتها كما لو شك في أثنائها ، ولو كان يقرأ غافلا ففطن لنفسه وهو يقرأ { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ، ولم يتيقن قراءة جميع السورة فعليه استئناف القراءة ، وإن كان الغالب أنه لا يصل آخرها إلا بعد قراءة أولها ، إلا أنه يحتمل أنه ترك منها كلمة أو حرفا ، فإن لم يستأنفها وركع عمدا بطلت صلاته ، وإن ركع ناسيا فكل ما فعله قبل القراءة في الركعة الثانية لغو .



( السادسة ) : شرط القراءة وغيرها أن يسمع نفسه إن كان صحيح السمع ولا شاغل للسمع ، ولا يشترط في هذه الحالة حقيقة الإسماع ، وهكذا الجميع في التشهد والسلام وتكبيرة الإحرام وتسبيح الركوع وغيره وسائر الأذكار التي في الصلاة فرضها ونفلها كله ، على هذا التفصيل بلا خلاف .



( السابعة ) قال أصحابنا : على الأخرس أن يحرك لسانه بقصد القراءة بقدر ما يحركه الناطق ; لأن القراءة تتضمن نطقا وتحريك اللسان ، فسقط [ ص: 362 ] ما عجز عنه ووجب ما قدر عليه بقوله : صلى الله عليه وسلم { وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } رواه البخاري ومسلم ، وقد سبق بيان هذه القاعدة في فصل التكبير ، وقد ذكر المصنف المسألة هناك وبسطناها . .



( الثامنة ) : يستحب عندنا أربع سكتات للإمام في الصلاة الجهرية ( الأولى ) : عقب تكبيرة الإحرام يقول فيها دعاء الاستفتاح ( والثانية ) : بين قوله : ولا الضالين وآمين سكتة لطيفة ( الثالثة ) : بعد آمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة ( الرابعة ) : بعد فراغه من السورة سكتة لطيفة جدا ليفصل بها بين القراءة وتكبيرة الركوع ، وتسمية الأولى سكتة مجاز ، فإنه لا يسكت حقيقة بل يقول : دعاء الاستفتاح ، لكن سميت سكتة في الأحاديث الصحيحة كما سبق ، ووجهه : أنه لا يسمع أحد كلامه ، فهو كالساكت ، وأما الثانية والرابعة : فسكتتان حقيقيتان ، وأما الثالثة : فقد قدمنا عن السرخسي أنه قال : يستحب أن يقول فيها دعاء وذكرا .

وقد تقدمت دلائل السكتات الأول في مواضعها ، وأما الرابعة فاتفق أصحابنا على استحبابها ، ممن صرح بها الشيخ أبو محمد في التبصرة وصاحب البيان ، واحتجوا بحديث الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي : صلى الله عليه وسلم { أنه كان يسكت سكتتين إذا استفتح وإذا فرغ من القراءة كلها } وفي رواية " إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع ، فأنكر ذلك عمران بن الحصين فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبي بن كعب فصدق سمرة ، " رواه أبو داود بهذين اللفظين ، وفي رواية له والترمذي " سكتة إذا استفتح وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ، وهذه الرواية لا تخالف السابقين ، بل يحصل من المجموع إثبات السكتات الثلاثة والله أعلم .

قال الشيخ أبو محمد : في التبصرة : روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصلاة وفسروه على وجهين :

( أحدهما ) : وصل القراءة بتكبيرة الركوع يكره ذلك ، بل يفصل بينهما :

( والثاني ) : ترك الطمأنينة في الركوع والاعتدال والسجود والاعتدال فيحرم أن يصل الانتقال بالانتقال ، ، بل يسكن للطمأنينة .



( التاسعة ) : يستحب ترتيل القراءة وتدبرها ، وهذا مجمع عليه قال الله [ ص: 363 ] تعالى : { ورتل القرآن ترتيلا } وقال تعالى { : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته } وأما الأحاديث في هذا فأكثر من أن تحصر ، وقد ذكرت جملا منها في كتاب آداب القراء ، وذكرت فيه جملا مهمة تتعلق بالقرآن والقراءة ، وقد سبق بيان معظم ذلك في هذا الشرح في آخر باب ما يوجب الغسل ، وفيها نفائس لا يستغنى عن معرفتها وبالله التوفيق .

( والعاشرة ) : أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن ، وأن من جحد شيئا منه كفر ، وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ، ليس بصحيح عنه .

قال ابن حزم في أول كتابه المحلى : هذا كذب على ابن مسعود موضوع ، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عن ابن مسعود ، وفيها الفاتحة والمعوذتان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث