الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 383 ] قال المصنف رحمه الله تعالى : ( والمستحب أن يقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا ، وذلك أدنى الكمال ، لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا ركع أحدكم فقال : سبحان ربي العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه ، وذلك أدناه } والأفضل أن يضيف : " اللهم لك ركعت ، ولك خشعت ، وبك آمنت ولك أسلمت ، خشع لك سمعي وبصري وعظمي ومخي وعصبي " لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان إذا ركع قال ذلك ، " فإن ترك التسبيح لم تبطل صلاته ، لما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته " ثم اركع حتى تطمئن راكعا " ولم يذكر التسبيح ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود ، قال أبو داود والترمذي وغيرهما : هو منقطع ; لأن عونا لم يلق ابن مسعود ، ولهذا قال الشافعي في الأم : وإن كان هذا الحديث ثابتا ، فإنما يعني بقوله : تم ركوعه وذلك أدناه ، أي أدنى ما ينسب إلى كمال الفرض والاختيار معا ، لا كمال الفرض وحده . قال البيهقي : إنما قال : إن كان ثابتا ; لأنه منقطع . وأما حديث علي رضي الله عنه فرواه مسلم وفيه مغايرة في بعض الألفاظ سأذكرها إن شاء الله تعالى ، وحديث " المسيء صلاته " رواه البخاري ومسلم وسبق بيانه مرات .

( وأما حكم المسألة ) فقال الشافعي رحمه الله في المختصر : يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا . وذلك أدنى الكمال ، وقال في الأم : أحب أن يبدأ الراكع فيقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا ، ويقول ما حكيته عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني حديث علي رضي الله عنه قال أصحابنا : ( يستحب التسبيح في الركوع ، ويحصل أصل السبحة بقوله : سبحان الله أو سبحان ربي وذلك أدنى الكمال أن يقول : سبحان ربي العظيم ثلاث مرات ، فهذا أدنى مراتب الكمال ) .

قال القاضي حسين قول الشافعي يقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا ، وذلك أدنى الكمال ، لم يرد أنه لا يجزيه أقل من الثلاث ; لأنه لو سبح مرة واحدة كان آتيا بسنة التسبيح ، وإنما أراد أن أول الكمال الثلاث ، قال : ولو سبح خمسا أو سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة كان أفضل وأكمل ، لكنه [ ص: 384 ] إذا كان إماما يستحب أن لا يزيد على ثلاث ، وكذا قال صاحب الحاوي : أدنى الكمال ثلاث ، وأعلى الكمال إحدى عشرة أو تسع ، وأوسطه خمس ، ولو سبح مرة حصل التسبيح .

قال أصحابنا : ويستحب أن يقول : سبحان ربي العظيم وبحمده ، وممن نص على استحباب قوله " وبحمده " القاضي أبو الطيب والقاضي حسين وصاحب الشامل والغزالي ، وآخرون ، وينكر على الرافعي ; لأنه قال : وبعضهم يضيف إليه وبحمده ، فأوهم أنه وجه شاذ مع أنه مشهور لهؤلاء الأئمة . قال أصحابنا : ويستحب أن يقول : اللهم لك ركعت إلى آخر ما في حديث علي رضي الله عنه وهذا أتم الكمال .

واتفق الأصحاب على أنه يأتي بالتسبيح أولا ، وهو ظاهر نص الشافعي في الأم الذي قدمته . قال أصحابنا : فإذا أراد الاقتصار على أحد الذكرين فالتسبيح أفضل ; لأنه أكثر في الأحاديث . وممن صرح بهذا القاضي حسين وإمام الحرمين وصاحب العدة وآخرون قال القاضي أبو الطيب : ( والإتيان بقوله : اللهم لك ركعت إلى آخره مع ثلاث تسبيحات أفضل من حذفه وزيادة التسبيح ثلاثا ، وهذا الذي قاله واضح لا يجيء فيه خلاف ) .

قال أصحابنا : والزيادة على ثلاث تسبيحات تستحب للمنفرد ، وأما الإمام فلا يزيد على ثلاث تسبيحات ، وقيل خمس إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل ويكونوا محصورين لا يزيدون ، هكذا قاله الأصحاب ، وقد قال الشافعي في الأم : أحب أن يبدأ الراكع فيقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا ، ويقول ما حكيت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله ، يعني حديث علي رضي الله عنه قال : وكل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عنه إماما كان أو منفردا ، وهو تخفيف لا تثقيل ، هذا لفظ نصه ، وظاهره : استحباب الجميع للإمام ، لكن الأقوى ما ذكره الأصحاب فيتأول نصه على ما إذا رضي المأمومون أو على غيره والله أعلم .

( فرع ) في بيان الأحاديث الواردة في أذكار الركوع والسجود . عن عائشة رضي الله عنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 385 ] يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي } رواه البخاري ومسلم وعنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده : سبوح قدوس رب الملائكة والروح } رواه البخاري ومسلم ، وسبوح قدوس بضم أولها وفتحه لغتان ، وعنها { قالت افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فتحسست ثم رجعت ، فإذا هو راكع وساجد يقول : سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت } رواه مسلم وعن حذيفة رضي الله عنه قال : { صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة ، فقلت : يركع عند المائة ثم مضى فقلت : يصلي بها في ركعة فمضى فقلت : يركع بها ، ثم افتتح آل عمران فقرأها ، ثم افتتح النساء فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا مر بسؤال سأل ، وإذا مر بتعوذ تعوذ ، ثم ركع فجعل يقول : سبحان ربي العظيم ، فكان ركوعه نحوا من قيامه ، ثم قال : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ، ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال : سبحان ربي الأعلى ، وكان سجوده قريبا من قيامه } رواه مسلم وعن علي رضي الله عنه { عن رسول الله : صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال : وجهت وجهي إلى آخره . وإذا ركع قال : اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي . وإذا رفع قال : اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد . وإذا سجد قال : اللهم لك سجدت ، وبك آمنت ولك أسلمت ، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن الخالقين } رواه مسلم .

[ ص: 386 ] وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : { لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوها في ركوعكم ، فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال : اجعلوها في سجودكم } رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن ، زاد أبو داود في رواية أخرى ، قال : { فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع قال : سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا ، وإذا سجد قال : سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثا } قال أبو داود : ونخاف أن لا تكون هذه الزيادة محفوظة ، وفي رواتها مجهول .

وعن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا ، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثا } رواه الدارقطني بإسناد فيه محمد بن أبي ليلى وهو ضعيف .

وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : { قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام يقرأ بسورة البقرة ، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ ، ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه : سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ، ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك ، ثم قام فقرأ بآل عمران ، ثم قرأ سورة سورة } رواه أبو داود بإسناد صحيح .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم } رواه مسلم ، وفي الباب أحاديث كثيرة ستأتي بقية منها في السجود إن شاء الله تعالى . .



( فرع ) قال الشافعي والأصحاب وسائر العلماء : قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد وغير حالة القيام من أحوال الصلاة لحديث علي رضي الله عنه قال : { نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد } رواه مسلم .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله : صلى الله عليه وسلم قال { ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ، [ ص: 387 ] فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم } .

رواه مسلم ، فإن قرأ غير الفاتحة في الركوع والسجود لم تبطل صلاته ، وإن قرأ الفاتحة أيضا لم تبطل على الأصح ، وبه قطع جمهور العراقيين ، وفي وجه حكاه الخراسانيون وصاحب الحاوي : أنه تبطل صلاته ; لأنه نقل ركنا إلى غير موضعه ، كما لو ركع أو سجد في غير موضعه ، وستأتي فروع هذه المسألة ، ونبسطها في سجود السهو إن شاء الله تعالى .



( فرع ) في التسبيح وسائر الأذكار في الركوع والسجود ، وقول : سمع الله لمن حمده ، وربنا لك الحمد ، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام كل ذلك سنة ليس بواجب ، فلو تركه لم يأثم وصلاته صحيحة ، سواء أتركه عمدا أم سهوا ، لكن يكره تركه عمدا هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء .

قال الشيخ أبو حامد : وهو قول عامة الفقهاء ، قال صاحب الحاوي : وهو مذهب الفقهاء كافة .

وقال إسحاق بن راهويه : التسبيح واجب إن تركه عمدا بطلت صلاته ، وإن نسيه لم تبطل ، وقال داود : واجب مطلقا ، وأشار الخطابي في معالم السنن إلى اختياره ، وقال أحمد : التسبيح في الركوع والسجود وقول : سمع الله لمن حمده ، وربنا ولك الحمد ، والذكر بين السجدتين وجميع التكبيرات واجبة ، فإن ترك شيئا منه عمدا بطلت صلاته ، وإن نسي لم تبطل ، ويسجد للسهو عنه ، وعنه رواية أنه سنة كقول الجمهور . واحتج من أوجبه بحديث عقبة بن عامر المذكور في فرع أذكار الركوع ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله .

وقال : صلى الله عليه وسلم { صلوا كما رأيتموني أصلي } وبالقياس على القراءة .

واحتج الشافعي والجمهور : بحديث المسيء صلاته ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم علمه واجبات الصلاة ، ولم يعلمه هذه الأذكار ، مع أنه علمه تكبيرة الإحرام والقراءة ، فلو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها ، بل هذه أولى بالتعليم ، لو كانت واجبة ; لأنها تقال سرا وتخفى ، فإذا كان الركوع والسجود مع ظهورهما لا يعلمها فهذه أولى ، وأما الأحاديث الواردة بهذه الأذكار فمحمولة [ ص: 388 ] على الاستحباب جمعا بين الأدلة ، وأما القياس على القراءة ففرق أصحابنا بأن الأفعال في الصلاة ضربان : ( أحدهما ) : معتاد للناس في غير الصلاة ، وهو القيام والقعود ، وهذا لا تتميز العبادة فيه عن العادة فوجب فيه الذكر ليتميز .

( والثاني ) : غير معتاد ، وهو الركوع والسجود ، فهو خضوع في نفسه متميز لصورته عن أفعال العادة فلم يفتقر إلى مميز والله أعلم .

( فرع ) التسبيح في اللغة معناه التنزيه ، قال الواحدي : أجمع المفسرون وأهل المعاني على أن معنى تسبيح الله تعالى تنزيهه وتبرئته من السوء ، قال : وأصله في اللغة التبعيد من قولك : سبحت في الأرض إذا بعدت فيها ، وسبحان الله منصوب على المصدر عند الخليل والفراء ، كأنك قلت : سبحانا وتسبيحا فجعل السبحان موضع التسبيح ، قال سيبويه : سبحت الله سبحانا بمعنى واحد ، فالمصدر التسبيح ، وسبحان اسم يقوم مقام المصدر ، وبحمده سبحته فحذف سبحته اختصارا ، ويكون قوله : وبحمده حالا أي حامدا سبحته ، وقيل معناه : وبحمده أبتدئ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث