الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ثم يرفع رأسه [ ويكبر ] لما رويناه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الركوع ثم يجلس مفترشا ، يفرش رجله اليسرى ويجلس وينصب اليمنى ، لما يروى { أن أبا حميد الساعدي وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ثم ثنى رجله اليسرى وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه } ويكره الإقعاء في الجلوس ، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه كأنه قاعد عليها ، وقيل : هو أن يجعل يديه في الأرض ويقعد على أطراف أصابعه ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإقعاء } [ أي يقعي ] إقعاء القردة ، " ويجب أن يطمئن في جلوسه لقوله صلى الله عليه وسلم [ للمسيء صلاته ] " ، { ثم ارفع حتى تطمئن جالسا . }

" ويستحب أن يقول في جلوسه : اللهم اغفر لي [ واجبرني ] وعافني وارزقني واهدني لما روى ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم " { كان يقول بين السجدتين ذلك } " )

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي هريرة في التكبير صحيح سبق بيانه في فصل الركوع ، وسبق هناك أحاديث كثيرة صحيحة فيه ، وحديث أبي حميد صحيح وسبق بيانه في فصل الركوع ، وهذا لفظ رواية أبي داود والترمذي ، وأما [ ص: 414 ] حديث الإقعاء فرواه البيهقي بإسناد ضعيف .

وروى النهي عن الإقعاء جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وأنس وسمرة بن جندب رواها كلها البيهقي بأسانيد ضعيفة ، وروى الترمذي حديث علي بإسناد ضعيف وضعفه ، والحاصل : أنه ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح ، وأما حديث " { ارفع حتى تطمئن جالسا } " فرواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ، ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة من رواية رفاعة بن رافع ، وقد سبق بيانه مرات .

وأما حديث ابن عباس فرواه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسناد جيد ، ورواه الحاكم في المستدرك وقال : صحيح الإسناد ، ولفظ أبي داود { اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني } ولفظ الترمذي : مثله لكنه ذكر " { وأجرني وعافني } " وفي رواية ابن ماجه ( وارفعني ) بدل ( واهدني ) ، وفي رواية البيهقي { رب اغفر لي وارحمني وأجرني وارفعني وارزقني واهدني } فالاحتياط والاختيار : أن يجمع بين الروايات ويأتي بجميع ألفاظها وهي سبعة { اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وأجرني وارفعني واهدني وارزقني } وقوله : ( يفرش هو بفتح الياء وضم الراء على المشهور ) ، وحكي كسر الراء .

( أما أحكام الفصل ) فالجلوس بين السجدتين فرض والطمأنينة فيه فرض للحديث ، وقد سبق بيان حد الطمأنينة في فصل الركوع ، ويشترط أن لا يقصد بالرفع شيئا آخر كما ذكرنا في الرفع من الركوع ، وينبغي أن لا يطوله طولا فاحشا ، فإن طوله ففي بطلان صلاته خلاف ، وتفصيل يأتي في باب سجود السهو إن شاء الله تعالى ، والسنة : أن يكبر لجلوسه ويبتدئ التكبير من حين يبتدئ رفع الرأس ويمده إلى أن يستوي جالسا فيكون مده أقل من مد تكبيرة الهوي من الاعتدال إلى السجود ; لأن الفصل هنا قليل ، وقد سبق حكاية قول : إنه لا يمد شيئا من التكبيرات أوضحته في فصل الركوع .



والسنة أن يجلس مفترشا يفرش رجله اليسرى ويجلس على كعبها وينصب اليمنى ، هذا هو المشهور ، وحكى صاحب الشامل وآخرون قولا أنه يضجع قدميه ويجلس على صدرهما ، وسنذكر إن شاء الله تعالى نص الشافعي في البويطي والإملاء على صفة هذا الجلوس عند تفسير الإقعاء .

ويستحب أن [ ص: 415 ] يضع يديه على فخذيه قريبا من ركبتيه منشورتي الأصابع وموجهة إلى القبلة ، ولو انقطعت أطراف أعلى الركبتين فلا بأس ، كذا قاله إمام الحرمين وغيره . قال إمام الحرمين وغيره : ولو تركهما على الأرض من جانبي فخذيه كان كإرسالهما في القيام يعني يكون تاركا للسنة ، وهل يستحب أن تكون أصابعه مضمومة كما في السجود أو مفرقة ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) : مضمومة لتتوجه إلى القبلة ، وسنوضحها في فصل التشهد إن شاء الله تعالى .

ويستحب الدعاء المذكور ، والمختار الأحوط : أن يأتي بالكلمات السبع كما سبق بيانه ، قال صاحب التتمة : ولا يتعين هذا الدعاء ، بل أي دعاء دعا به حصلت السنة ، ولكن هذا الذي في الحديث أفضل .

( واعلم ) أن هذا الدعاء مستحب باتفاق الأصحاب . قال الشيخ أبو حامد : لم يذكره الشافعي في هذا الموضع في شيء من كتبه ، ولم ينفه قال : وهو سنة للحديث المذكور .

( فرع ) في الإقعاء : قد ذكرنا أن الأحاديث الواردة في النهي عنه مع كثرتها ليس فيها شيء ثابت وبينا رواتها ، وثبت عن طاوس قال { قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال : هي السنة فقلنا : إنا لنراه جفاء بالرجل قال : بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم } رواه مسلم في صحيحه . وفي رواية للبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : { من سنة الصلاة أن تمس أليتاك عقبيك بين السجدتين } .

وذكر البيهقي حديث ابن عباس ، هذا ثم روى عن ابن عمر رضي الله عنهما { أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول : إنه من السنة } ثم روى عن ابن عمر وابن عباس : رضي الله عنهم أنهما كانا يقعيان ثم روى عن طاوس أنه كان يقعي وقال : رأيت العبادلة يفعلون ذلك : عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم .

قال البيهقي : فهذا الإقعاء المرضي فيه والمسنون على ما روينا عن ابن عباس وابن عمر : هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض ويضع أليتيه على عقبيه ويضع ركبتيه على الأرض ، ثم روى الأحاديث الواردة في النهي [ ص: 416 ] عن الإقعاء بأسانيدها عن الصحابة الذين ذكرناهم ، ثم ضعفها كلها وبين ضعفها وقال : حديث ابن عباس وابن عمر صحيح ، ثم روى عن أبي عبيد أنه حكى عن شيخه أبي عبيدة أنه قال : الإقعاء أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه بالأرض قال : وقال في موضع آخر : الإقعاء جلوس الإنسان على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع ، قال البيهقي : وهذا النوع من الإقعاء غير ما رويناه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ، فهذا منهي عنه ، وما رويناه عن ابن عباس وابن عمر مسنون .

قال : وأما حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه كان ينهى عن عقب الشيطان } فيحتمل أن يكون واردا في الجلوس للتشهد الأخير ، فلا يكون منافيا لما رواه ابن عباس وابن عمر في الجلوس بين السجدتين .

هذا آخر كلام البيهقي رحمه الله ، ولقد أحسن وأجاد وأتقن وأفاد وأوضح إيضاحا شافيا ، وحرر تحريرا وافيا رحمه الله ، وأجزل مثوبته ، وقد تابعه على هذا الإمام المحقق أبو عمرو بن الصلاح فقال بعد أن ذكر حديث النهي عن الإقعاء : هذا الإقعاء محمول على أن يضع أليتيه على الأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض ، وهذا الإقعاء غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة ، فذلك الإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه قاعدا عليها وعلى أطراف أصابع رجليه ، وقد استحبه الشافعي في الجلوس بين السجدتين في الإملاء والبويطي قال : وقد خبط في الإقعاء من المصنفين من يعلم أنه نوعان كما ذكرنا . قال : وفيه في المهذب تخليط : هذا آخر كلام أبي عمرو رحمه الله ، وهذا كتابه الذي حكاه عن البويطي والإملاء من نص الشافعي ، قد حكاه عنهما البيهقي في كتابه " معرفة السنن والآثار " وأما كلام الخطابي فلم يحصل له ما حصل للبيهقي ، وخالف في هذا الحديث عادته في حل المشكلات والجمع بين الأحاديث المختلفة ، بل ذكر حديث ابن عباس ثم قال : وأكثر الأحاديث على النهي عن الإقعاء وأنه عقب الشيطان .

وقد ثبت من حديث أبي حميد ووائل بن حجر { أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى } قال : ورويت كراهة [ ص: 417 ] الإقعاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وكرهه النخعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الرأي وعامة أهل العلم .

قال : والإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه ويقعد مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض ، وهذا إقعاء الكلاب والسباع . قال أحمد بن حنبل : وأهل مكة يستعملون الإقعاء .

قال الخطابي : ويشبه أن يكون حديث ابن عباس منسوخا ، والعمل على الأحاديث الثابتة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هذا آخر كلام الخطابي ، وهو فاسد من أوجه : منها أنه اعتمد على أحاديث النهي فيه ، وادعى أيضا نسخ حديث ابن عباس ، والنسخ : لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وعلمنا التاريخ ، ولم يتعذر هنا الجمع بل أمكن كما ذكره البيهقي ، ولم يعلم أيضا التاريخ ، وجعل أيضا الإقعاء نوعا واحدا ، وإنما هو نوعان . فالصواب الذي لا يجوز غيره : أن الإقعاء نوعان كما ذكره البيهقي وأبو عمرو :

( أحدهما ) : مكروه :

( والثاني ) : جائز أو سنة .

وأما الجمع بين حديثي ابن عباس وابن عمر وأحاديث أبي حميد ووائل وغيرهما في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفهم الافتراش على قدمه اليسرى فهو : أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له في الصلاة أحوال ، حال يفعل فيها هذا وحال يفعل فيها ذاك ، كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها وغير ذلك من أنواعها ، وكما توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا ، وكما طاف راكبا وطاف ماشيا ، وكما أوتر أول الليل وآخره وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر ، وغير ذلك كما هو معلوم من أحواله .

صلى الله عليه وسلم وكان يفعل العبادة على نوعين أو أنواع ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة ، ويواظب على الأفضل بينهما على أنه المختار والأولى .

فالحاصل : أن الإقعاء الذي رواه ابن عباس وابن عمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم على التفسير المختار الذي ذكره البيهقي ، وفعل صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو حميد وموافقوه من جهة الافتراش ، وكلاهما سنة لكن إحدى السنتين أكثر وأشهر ، وهي رواية أبي حميد ; لأنه رواها وصدقه عشرة من الصحابة كما سبق ، ورواها وائل بن حجر وغيره ، ، وهذا يدل على مواظبته صلى الله عليه وسلم عليها وشهرتها عندهم ، فهي أفضل وأرجح ، مع أن [ ص: 418 ] الإقعاء سنة أيضا ، فهذا ما يسر الله الكريم من تحقيق أمر الإقعاء ، وهو من المهمات لتكرر الحاجة إليه في كل يوم مع تكرره في كتب الحديث والفقه ، واستشكال أكثر الناس له من كل الطوائف ، وقد من الله الكريم بإتقانه ولله الحمد على جميع نعمه .



( فرع ) في مذاهب العلماء في الجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه ، مذهبنا : أنهما واجبان لا تصح الصلاة إلا بهما ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال أبو حنيفة : لا تجب الطمأنينة ولا الجلوس ، بل يكفي أن يرفع رأسه عن الأرض أدنى رفع ، ولو كحد السيف ، وعنه وعن مالك أنهما قالا : يجب أن يرتفع بحيث يكون إلى القعود أقرب منه ، وليس لهما دليل يصح التمسك به .

ودليلنا : قوله صلى الله عليه وسلم { ثم ارفع حتى تطمئن جالسا } رواه البخاري من رواية أبي هريرة ورواه أبو داود والترمذي من حديث رفاعة بن رافع ، وقد سبق بيان هذا وغيره من الأدلة في مسألة وجوب الاعتدال عن الركوع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث