الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( فإن كانت الصلاة تزيد على ركعتين جلس في الركعتين للتشهد لنقل الخلف عن السلف عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سنة ، لما روى عبد الله ابن بحينة [ ص: 429 ] رضي الله عنهما قال : { صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقام من اثنتين ولم يجلس ، فلما قضى صلاته سجد سجدتين بعد ذلك ثم سلم } ، ولو كان واجبا لفعله ولم يقتصر على السجود ، والسنة أن يجلس في هذا التشهد مفترشا لما روى أبو حميد رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الأوليين جلس على قدمه اليسرى ونصب اليمنى } )

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن بحينة رواه البخاري ومسلم وحديث أبي حميد رواه البخاري ، وسبق بطوله في فصل الركوع ، وبحينة بضم الموحدة وفتح المهملة وهي صحابية أسلمت رضي الله عنها وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد : اسمها عبدة - يعني وبحينة لقب - وابنها عبد الله بن مالك يكنى أبا محمد ، أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم قديما ، فكان فاضلا ناسكا يصوم الدهر غير أيام النهي رضي الله عنه .

( أما حكم المسألة ) فإذا كانت الصلاة أكثر من ركعتين جلس بعد الركعتين ، وهذا الجلوس سنة وليس بواجب ، وقد سبق بيان صفة الافتراش في الجلوس بين السجدتين وجلسة الاستراحة وجلسة التشهد الأول وجلسة التشهد الأخير ، فالأولى والرابعة واجبتان ، والثانية والثالثة سنتان ، والسنة : أن يجلس في الثلاث الأول مفترشا ، وفي الرابعة متوركا ، فلو عكس جاز ، ولكن الأفضل ما ذكرناه .

( فرع ) قال أصحابنا : لا يتعين للجلوس في هذه المواضع هيئة للإجزاء بل كيف وجد أجزأه ، سواء تورك أو افترش أو مد رجليه أو نصب ركبتيه أو أحدهما أو غير ذلك ، لكن السنة التورك في آخر الصلاة والافتراش فيما سواه والافتراش : أن يضع رجله اليسرى على الأرض ويجلس على كعبها ، وينصب اليمنى ويضع أطراف أصابعها على الأرض موجهة إلى القبلة ، والتورك : أن يخرج رجليه وهما على هيئة الافتراش من جهة يمينه ، ويمكن وركه الأيسر من الأرض .

( فرع ) في مذاهب العلماء في حكم التشهد الأول ، والجلوس له . [ ص: 430 ] مذهبنا : أنهما سنة ، وبه قال أكثر العلماء ، منهم مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ، قال الشيخ أبو حامد وغيره : وهو قول عامة العلماء وقال الليث وأحمد وأبو ثور وإسحاق وداود : هو واجب ، قال أحمد : إن ترك التشهد عمدا بطلت صلاته ، وإن تركه سهوا - سجد للسهو - وأجزأته صلاته .

واحتج لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وقال : { صلوا كما رأيتموني أصلي } وقياسا على التشهد الأخير ، واحتج أصحابنا بحديث ابن بحينة ، ووجه الدلالة ما ذكره المصنف وأجابوا عن حديث { صلوا كما رأيتموني أصلي } : بأنه متناول للفرض والنفل ، وقد قامت دلائل على تميزهما وأجابوا عن القياس على التشهد الأخير : بأنه لم يقم دليل على إخراجه عن الوجوب ، وأيضا فإنه لا يجبره سجود السهو بخلاف الأول .

( فرع ) في مذاهبهم في هيئة الجلوس في التشهدين .

مذهبنا أنه يستحب أن يجلس في التشهد الأول مفترشا وفي الثاني متوركا ، فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركا . وقال مالك : يجلس فيهما متوركا ، وقال أبو حنيفة والثوري : يجلس فيهما مفترشا ، وقال أحمد : إن كانت الصلاة ركعتين افترش وإن كانت أربعا افترش في الأول وتورك في الثاني . واحتج لمن قال : يفرش فيهما بحديث عائشة : رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى وينهى عن عقب الشيطان } وفي رواية البيهقي : " يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى " وعن وائل بن حجر : رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرش رجله اليسرى } ، واحتج للتورك بحديث عبد الله بن الزبير : رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى } .

رواه مسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما { سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى } رواه البخاري .

وروى مالك بإسناده الصحيح عن ابن عمر الجلوس على قدمه اليسرى . واحتج أصحابنا بحديث أبي حميد في عشرة من أصحاب النبي : صلى الله عليه وسلم { أنه وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال : فإذا جلس في الركعتين [ ص: 431 ] جلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى ، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى ، وقعد على مقعدته } ، رواه البخاري بهذا اللفظ ، وقد سبق بطوله في فصل الركوع ، وسبق هناك رواية أبي داود والترمذي . قال الشافعي والأصحاب : فحديث أبي حميد وأصحابه صريح في الفرق بين التشهدين ، وباقي الأحاديث مطلقة فيجب حملها على موافقته ، فمن روى التورك أراد الجلوس في التشهد الأخير ، ومن روى الافتراش أراد الأول ، وهذا متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة لا سيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا : الحكمة في الافتراش في التشهد الأول ، والتورك في الثاني : أنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات ، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول فيجلس مفترشا ليكون أسهل للقيام ، والسنة تطويل الثاني ولا قيام بعده ، فيجلس متوركا ليكون أعون له وأمكن ليتوفر الدعاء ، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين .

( فرع ) المسبوق إذا جلس مع الإمام في آخر صلاة الإمام فيه وجهان . الصحيح المنصوص في الأم ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والغزالي والجمهور : يجلس مفترشا ; لأنه ليس بآخر صلاته ، ( والثاني ) : يجلس متوركا متابعة للإمام ، حكاه إمام الحرمين ووالده والرافعي ( الثالث ) : إن كان جلوسه في محل التشهد الأول للمسبوق افترش وإلا تورك ; لأن جلوسه حينئذ لمجرد المتابعة فيتابع في الهيئة ، حكاه الرافعي .

وإذا جلس من عليه سجود سهو في آخره فوجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون :

( أحدهما ) : يجلس متوركا ; لأنه آخر صلاته ( والثاني ) وهو الصحيح : يفترش وبه قطع صاحب العدة وآخرون ، ونقله إمام الحرمين عن معظم الأئمة ; لأنه مستوفز ليتم صلاته ، فعلى هذا إذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم .

( فرع ) قال أصحابنا : يتصور أن يتشهد أربع مرات في صلاة [ ص: 432 ] المغرب ، بأن يكون مسبوقا أدرك الإمام بعد الركوع يتشهد أربع مرات يفترش في ثلاثة منهن ويتورك في الرابعة

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث