الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع في مذاهب العلماء في عدد سجدات التلاوة

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن كان في غير الصلاة كبر لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان إذا مر بالسجدة كبر وسجد } ويستحب أن يرفع يديه ; لأنه تكبيرة افتتاح فهي كتكبيرة الإحرام ، ثم يكبر تكبيرة أخرى للسجود [ ص: 560 ] ولا يرفع اليد ، والمستحب أن يقول في سجوده ما روت عائشة رضي الله عنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن : سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته } وإن قال : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود عليه السلام . فهو حسن ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما { أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله رأيت هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة وكأني قرأت سجدة ، فسجدت فرأيت الشجرة تسجد لسجودي ، فسمعتها وهي ساجدة تقول : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا ، وضع عني بها وزرا ، واجعلها لي عندك ذخرا ، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود . قال ابن عباس : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سجدة فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن الشجرة } وإن قال فيه ما يقول في سجود الصلاة جاز وهل يفتقر إلى السلام ؟ فيه قولان قال في البويطي : لا يسلم كما يسلم منه في الصلاة . وروى المزني عنه أنه قال : يسلم ; لأنها صلاة تفتقر إلى الإحرام فافتقرت إلى السلام كسائر الصلوات ، وهل تفتقر إلى التشهد ؟ ( والمذهب ) أنه لا يتشهد ; لأنه لا قيام فيه فلم يكن فيه تشهد . ومن أصحابنا من قال : يتشهد ; لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام فافتقر إلى التشهد كسجود الصلاة ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عمر رواه أبو داود بإسناد ضعيف ، وحديث عائشة رواه أبو داود والترمذي والنسائي قال الترمذي هو حديث صحيح ، وإسناد الترمذي والنسائي على شرط البخاري ومسلم ، زاد الحاكم والبيهقي فيه " { { فتبارك الله أحسن الخالقين } } " . قال الحاكم : هذه الزيادة على شرط البخاري ومسلم ، وحديث ابن عباس رواه الترمذي وغيره بإسناد حسن قال الحاكم : هو حديث صحيح . قال أصحابنا رحمهم الله : إذا سجد للتلاوة في غير الصلاة نوى وكبر للإحرام ويرفع يديه في هذه التكبيرة حذو منكبيه كما يفعل في تكبيرة الإحرام في الصلاة ، ثم يكبر تكبيرة أخرى للهوي من غير رفع اليد . قال أصحابنا : تكبير الهوي مستحب ليس بشرط ، وفي تكبيرة الإحرام أوجه ( الصحيح ) المشهور أنها شرط ( والثاني ) مستحبة ( والثالث ) لا تشرع أصلا ، قاله أبو جعفر الترمذي من أصحابنا ، حكاه عنه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والأصحاب واتفقوا على شذوذه وفساده ، قال القاضي أبو الطيب هذا شاذ لم يقل به أحد سواه والله أعلم .



وهل يستحب لمن أراد السجود أن يقوم فيستوي قائما ، ثم يكبر [ ص: 561 ] للإحرام ، ثم يهوي للسجود بالتكبيرة الثانية ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) يستحب قاله الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين والبغوي والمتولي وتابعهم الرافعي ( والثاني ) وهو الأصح : لا يستحب ، وهذا اختيار إمام الحرمين والمحققين . قال الإمام ولم أر لهذا القيام ذكرا ولا أصلا ( قلت ) ولم يذكر الشافعي وجمهور الأصحاب هذا القيام ولا ثبت فيه شيء يعتمد مما يحتج به ، فالاختيار تركه ; لأنه من جملة المحدثات ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على النهي عن المحدثات وأما ما رواه البيهقي بإسناده عن أم سلمة الأزدية قالت " رأيت عائشة تقرأ في المصحف فإذا مرت بسجدة قامت فسجدت " فهو ضعيف ، أم سلمة هذه مجهولة والله أعلم .



قال أصحابنا : ويستحب أن يقول في سجوده ما ذكره المصنف وهو قوله : سجد وجهي إلى آخره وسجود الشجرة أيضا ، ولو قال ما يقوله في سجود الصلاة جاز وكان حسنا وسواء فيه التسبيح والدعاء . ونقل الأستاذ إسماعيل الضرير في تفسيره أن اختيار الشافعي رحمه الله أن يقول في سجود التلاوة : سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ، وظاهر القرآن يقتضي مدح هذا فهو حسن ، وصفة هذا السجود صفة سجود الصلاة في كشف الجبهة ووضع اليدين والركبتين والقدمين والأنف ، ومجافاة المرفقين عن الجنبين وإقلال البطن عن الفخذين ، ورفع أسافله على أعاليه وتوجيه أصابعه إلى القبلة وغير ذلك مما سبق في باب صفة الصلاة ، فالمباشرة بالجبهة شرط ووضع الأنف مستحب ، وكذا مجافاة المرفق وإقلال البطن وتوجيه الأصابع ، وفي اشتراط وضع اليدين والركبتين والقدمين القولان السابقان هناك بفروعهما ، وحكم رفع الأسافل على ما سبق هناك والطمأنينة ركن لا بد منها ، والذكر مستحب ليس بركن ثم يرفع رأسه مكبرا ، وهذا التكبير مستحب على المذهب ، وبه قطع الجمهور وحكى القاضي أبو الطيب وعن أبي جعفر الترمذي أنه لا يستحب ، والصواب الأول .



وهل يستحب مد تكبير السجود والرفع منه ؟ يجيء فيه القولان في سجود الصلاة ، وقد سبق بيانهما في صفة الصلاة ، الصحيح أنه يستحب مد الأول حتى يضع جبهته على الأرض ، ومد الثاني حتى يستوي قاعدا ،



وهل يفتقر إلى السلام ويشترط لصحة سجوده ؟ فيه قولان مشهوران نقلهما [ ص: 562 ] البويطي والمزني كما حكاه المصنف ، أصحهما عند الأصحاب اشتراطه ، ممن صححهما الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقهما والرافعي وآخرون . فإن قلنا : لا يشترط السلام لم يشترط التشهد ، وإن شرطنا السلام ففي اشتراط التشهد الوجهان اللذان ذكرهما المصنف ، الصحيح منهما لا يشترط . وقال جماعة من الأصحاب : في السلام والتشهد ثلاثة أوجه ( أصحها ) يشترط السلام دون التشهد ( والثاني ) يشترطان ( والثالث ) لا يشترطان ، فإن قلنا : لا يشترط التشهد فهل يستحب ؟ فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين أصحهما لا يستحب ، إذ لم يثبت له أصل . وأما قول المصنف في التنبيه : قيل يتشهد ويسلم ، وقيل : يسلم ولا يتشهد ، والمنصوص أنه لا يتشهد ولا يسلم ، فينكر عليه فيه شيئان ، أحدهما : أنه أوهم أو صرح بأن نص الشافعي أنه لا يسلم وليس له نص غيره ، وليس الأمر كذلك ، بل القولان في اشتراط السلام مشهوران كما ذكرهما هو هاهنا في المهذب ، والثاني : أنه أوهم أو صرح بأن الراجح في المذهب أنه لا يسلم ، وليس الأمر كذلك بل الصحيح عند الأصحاب اشتراط السلام كما قدمناه ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث