الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 564 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( ويستحب لمن تجددت عنده نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة أن يسجد شكرا لله تعالى لما روى أبو بكرة رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الشيء يسر به خر ساجدا شكرا لله تعالى } وحكم سجود الشكر في الشروط والصفات حكم سجود التلاوة خارج الصلاة )

[ ص: 569 ]

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي بكرة رواه أبو داود والترمذي وفي إسناده ضعف وقد قال الترمذي : إنه حديث حسن ، قال : ولا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال الشافعي والأصحاب : سجود الشكر سنة عند تجدد نعمة ظاهرة واندفاع نقمة ظاهرة ، سواء خصته النعمة والنقمة أو عمت المسلمين . قال أصحابنا : وكذا إذا رأى مبتلى ببلية في بدنه أو بغيرها أو بمعصية يستحب أن يسجد شكرا لله تعالى ، ولا يشرع السجود لاستمرار النعم ; لأنها لا تنقطع . قال أصحابنا : وإذا سجد لنعمة أو اندفاع نقمة لا يتعلق بغيره استحب إظهار السجود وإن سجد لبلية في غيره وصاحبها غير معذور كالفاسق أظهر السجود فلعله يتوب وإن كان معذورا كالزمن ونحوه أخفاه لئلا يتأذى به ، فإن خاف من إظهاره للفاسق مفسدة أو ضررا أخفاه أيضا . قال أصحابنا : ويفتقر سجود الشكر إلى شروط الصلاة وحكمه في الصفات وغيرها حكم سجود التلاوة خارج الصلاة ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : وفي السلام منه والتشهد ثلاثة أوجه كما في سجود التلاوة ( الصحيح ) السلام دون التشهد ( والثاني ) لا يشترطان ( والثالث ) يشترطان .



( فرع ) اتفق أصحابنا على تحريم سجود الشكر في الصلاة فإن سجدها فيها بطلت صلاته بلا خلاف ، وقد صرح المصنف بهذا في مسألة سجدة ( ص ) ، ولو قرأ آية سجدة سجد بها للشكر ففي جواز السجود وجهان في الشامل والبيان وغيرهما أصحهما تحرم وتبطل صلاته ، وهما كالوجهين فيمن دخل للمسجد لا لغرض آخر



( فرع ) في صحة سجود الشكر على الراحلة في السفر بالإيماء وجهان أصحهما الجواز ، وأما سجود التلاوة فإن كان في صلاة جاز على الراحلة تبعا للصلاة ، وإلا فعلى الوجهين في سجود الشكر أصحهما الجواز [ ص: 565 ] وجهة المنع ندوره ، وعدم الحاجة إليه غالبا ، بخلاف صلاة النفل . وقطع البغوي وآخرون بالجواز ومسألة الخلاف فيمن اقتصر على الإيماء فإن كان في مرقد ونحوه وأتم السجود جاز بلا خلاف ، وأما الماشي في السفر ففيه وجهان ( الصحيح ) المشهور أنه يشترط شروطه على الأرض لعدم المشقة فيه وندوره ( والثاني ) يجزيه الإيماء حكاه الرافعي



( فرع ) لو تصدق من تجددت له النعمة أو اندفعت عنه النقمة أو صلى شكرا لله تعالى كان حسنا يعني مع فعله سجدة الشكر .



( فرع ) لو خضع إنسان لله تعالى فتقرب بسجدة بغير سبب يقتضي سجود شكر ففيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره ( أحدهما ) يجوز ، قاله صاحب التقريب ( وأصحهما ) لا يجوز ، صححه إمام الحرمين وغيره وقطع به الشيخ أبو حامد قال إمام الحرمين : وكان شيخي - يعني أبا محمد - يشدد في إنكار هذا السجود واستدلوا لهذا بالقياس على الركوع ، فإنه لو تطوع بركوع مفردا كان حراما بالاتفاق ; لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة إلا ما دل دليل على استثنائه ، وسواء في هذا الخلاف في تحريم السجدة ما يفعل بعد صلاة وغيره وليس من هذا ما يفعله كثير من الجهلة من السجود بين يدي المشايخ ، بل ذلك حرام قطعا بكل حال سواء كان إلى القبلة أو غيرها . وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل ، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر أو يقاربه ، عافانا الله الكريم ، وقد سبقت هذه المسألة مبسوطة في آخر باب ما ينقض الوضوء والله أعلم .

( فرع ) لو فاتت سجدة الشكر فهل يشرع قضاؤها ؟ فيه طريقان ، قال صاحب التقريب : فيه الخلاف في قضاء الرواتب وقطع غيره بأنه لا تقضى والخلاف مبني على أنه يتطوع بمثله ابتداء أم لا ؟ فعند صاحب التقريب يتطوع به كما سبق فيشبه الرواتب وعند غيره يحرم التطوع بسجدة فلا تقضى كصلاة الكسوف .



( فرع ) في مذاهب العلماء في سجود الشكر : مذهبنا أنه سنة عند تجدد نعمة أو اندفاع نقمة ، وبه قال أكثر العلماء ، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعلي وكعب بن مالك رضي الله عنهم [ ص: 566 ] وعن إسحاق وأبي ثور وهو مذهب الليث وأحمد وداود قال ابن المنذر وبه أقول ، قال أبو حنيفة يكره ، وحكاه ابن المنذر عن النخعي وعن مالك روايتان ( أشهرهما ) الكراهة ، ولم يذكر ابن المنذر غيرها ( والثانية ) أنه ليس سنة ، واحتج لمن كرهه بأن النبي صلى الله عليه وسلم { شكا إليه رجل القحط وهو يخطب فرفع يديه ودعا فسقوا في الحال ، ودام المطر إلى الجمعة الأخرى ، فقال رجل : يا رسول الله تهدمت البيوت وتقطعت السبل فادع الله يرفعه عنا ، فدعا فرفع في الحال } والحديث في الصحيحين من رواية أنس ، وموضع الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد لتجدد نعمة المطر أولا ولا لدفع نقمته آخرا ، قالوا : ولأن الإنسان لا يخلو من نعمة فإن كلفه لزم الحرج .

واحتج أصحابنا بحديث أبي بكرة وقد بيناه ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبا من حروراء نزل فرفع يديه فدعا الله تعالى ساعة ثم خر ساجدا ، فمكث طويلا ، ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه قال : إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت لربي شكرا ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي } رواه أبو داود لا نعلم ضعف أحد من رواته ، ولم يضعفه أبو داود ، وما لم يضعفه فهو عنده حسن كما قدمنا بيانه غير مرة . وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم { خر ساجدا حين جاءه كتاب علي رضي الله عنه من اليمن بإسلام همدان } رواه البيهقي من جملة حديث طويل ، وقال : هو صحيح على شرط البخاري . وعن كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث توبته قال : " فخررت ساجدا ، وعرفت أنه قد جاء الفرج " رواه البخاري ومسلم ، وروى البيهقي وغيره سجود الشكر من فعل أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهم .

والجواب عن حديثهم أنه ترك السجود في بعض الأحوال بيانا للجواز ، أو لأنه كان على المنبر ، وفي السجود حينئذ مشقة أو اكتفى بسجود الصلاة والجواب بأحد هذه الأوجه أو غيرها متعين للجمع بين الأدلة .



[ ص: 567 ] فصل ) : في مسائل تتعلق بسجود التلاوة ( إحداها ) إذا قرأ آيات السجدات في مكان واحد سجد لكل سجدة فلو كرر الآية الواحدة في المجلس نظر إن لم يسجد للمرة الأولى كفاه للجميع سجدة واحدة وإن سجد للمرة الأولى فثلاثة أوجه . أصحها : يسجد مرة أخرى لتجدد السبب ، وبهذا قال مالك وأحمد وعن أبي حنيفة روايتان ، والثاني : تكفيه الأولى قاله ابن سريج ورجحه صاحب العدة والشيخ نصر المقدسي وقطع به الشيخ أبو حامد في تعليقه والثالث : إن طال الفصل بينهما سجد ثانيا وإلا فلا ولو كرر آية في الصلاة ، فإن كان في ركعة فكالمجلس الواحد ، وإن كان في ركعتين سجد للثانية أيضا كالمجلسين ، ولو قرأ مرة في الصلاة ومرة خارجها في مجلس واحد وسجد للأولى ، قال الرافعي لم أر فيه نصا للأصحاب ، قال : وإطلاقهم يقتضي طرد الخلاف فيه .



( والثانية ) ينبغي أن يسجد عقب قراءة السجدة أو استماعها فإن أخر وقصر الفصل سجد ، وإن طال فاتت وهل تقضى ؟ فيه قولان حكاهما صاحب التقريب وتابعوه عليهما ( أظهرهما ) وبه قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي والصيدلاني وآخرون : لا تقضى ; لأنها تفعل لعارض فأشبهت صلاة الكسوف وضبط طول الفصل يأتي بيانه في باب سجود السهو إن شاء الله تعالى . ولو قرأ سجدة في صلاته فلم يسجد سجد بعد سلامه إن قصر الفصل ، فإن طال ففيه الخلاف . ولو كان القارئ أو المستمع محدثا حال القراءة فإن تطهر على قرب سجد وإلا فالقضاء على الخلاف . ولو كان يصلي فقرأ قارئ السجدة وسمعه فقد قدمنا أنه لا يجوز أن يسجد فإن سجد بطلت صلاته ، فإذا لم يسجد وفرغ من صلاته هل يسجد ؟ فيه طرق ، قال صاحب التقريب : فيه القولان وقال البغوي يحسن أن يسجد ولا يتأكد كما يجيب المؤذن إذا فرغ من الصلاة ، وقال آخرون : لا يسجد قطعا وهذا هو المذهب وبه قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه ، ونقله عن نصه في البويطي وقطع به أيضا الشاشي وغيره واختاره إمام الحرمين ; لأن قراءة غير إمامه لا تقتضي سجوده كما سبق ، وإذا لم يحصل ما تقتضي إذا فكيف يقضي ؟ .



( والثالثة ) لو قرأ السجدة في الصلاة قبل الفاتحة سجد بخلاف ما لو [ ص: 568 ] قرأها في الركوع والسجود والتشهد فإنه لا يسجد ; لأنه ليس محل قراءة ، ولو قرأ السجدة فهوى ليسجد فشك هل قرأ الفاتحة ؟ فإنه يسجد للتلاوة ثم يعود إلى القيام فيقرأ الفاتحة . ذكره البغوي وغيره .



( الرابعة ) لو قرأ آية السجدة بالفارسية لم يسجد عندنا كما لو فسر آية سجدة وقال أبو حنيفة يسجد .



( الخامسة ) قال أصحابنا : لا يكره قراءة السجدة عندنا للإمام كما لا يكره للمنفرد سواء كانت صلاة سرية أو جهرية ، ويسجد متى قرأها وقال مالك يكره مطلقا وقال أبو حنيفة يكره في السرية دون الجهرية قال صاحب البحر : وعلى مذهبنا يستحب تأخير السجود حتى يسلم لئلا يهوش على المأمومين .



( السادسة ) مذهبنا أنه لا يكره سجود التلاوة في أوقات النهي عن الصلاة . وبه قال سالم بن عمر والقاسم بن محمد وعطاء والشعبي وعكرمة والحسن البصري وأبو حنيفة وأصحاب الرأي ومالك في رواية عنه ، وقالت طائفة : يكره ، منهم ابن عمر وابن المسيب ومالك في رواية وإسحاق وأبو ثور رضي الله عنهم .



( السابعة ) لا يقوم الركوع مقام السجود في حال الاختيار عندنا ، وبه قال جمهور السلف والخلف ، وقال أبو حنيفة يقوم مقامه ، ودليل الجمهور القياس على سجود الصلاة . واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى : { وخر راكعا } ولأن المقصود الخضوع وأجاب الجمهور بأن هذا شرع من قبلنا ، فإن سلمنا أنه شرعنا حملنا الركوع هنا على السجود كما اتفق عليه المفسرون وغيرهم ، وأما قولهم : المقصود الخضوع فجوابه أن الركوع ليس فيه من الخضوع ما في السجود ، فأما العاجز عن السجود فيومئ به كما في سجود الصلاة .



( الثامنة ) إذا سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء به وله الرفع من السجود قبله .



[ ص: 569 ] التاسعة ) لو سجد لتلاوة فقرأ في سجوده سجدة أخرى لم يسجد ثانيا ، هذا هو الصحيح المشهور ، وحكى صاحب البحر - وجها - أنه يسجد ثانيا وهو شاذ ضعيف أو غلط .



( العاشرة ) لو قرأ في صلاة الجنازة سجدة ، قال صاحب البحر : لا يسجد فيها ، وهل يسجد بعد فراغها ؟ قال فيه وجهان أصحهما : لا يسجد قال : وأصلهما أن القراءة التي لا تشرع هل يسجد لتلاوتها ؟ فيه وجهان .



( الحادية عشرة ) لو أراد أن يقتصر على قراءة آية أو آيتين فيهما سجدة ليسجد لم أر لأصحابنا فيه كلاما وقد حكى ابن المنذر عن الشعبي والحسن البصري وابن سيرين والنخعي وأحمد وإسحاق أنهم كرهوا ذلك ، وعن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي ثور أنه لا بأس به ، ومقتضى مذهبنا أنه لا يكره إن لم يكن في وقت الصلاة ولا في صلاة ، فإن كان في وقت الكراهة فينبغي أن يجيء فيه الوجهان فيمن دخل المسجد في هذا الوقت ليصلي التحية لا لغرض آخر .



( الثانية عشرة ) لو سمع رجل قراءة امرأة السجدة استحب له السجود ، هذا مذهبنا . وحكى ابن المنذر عن قتادة ومالك وإسحاق أنه لا يسجد .



( فرع ) في فضل سجود التلاوة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ويلاه أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة ، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار . }



( فرع ) إذا كان المسافر قارئا فقرأ السجدة في صلاة سجد بالإيماء بلا خلاف وإن كان في غير صلاة سجد بالإيماء أيضا على المذهب . وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه شاذ أنه لا يسجد وبه قال بعض الحنفية ، وقال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وأحمد وداود : يسجد مطلقا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث