الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صلاة الجماعة لا تجب على خائف على نفسه أو ماله

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( ولا تجب على خائف على نفسه أو ماله ; لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر ; قالوا : يا رسول الله وما العذر ؟ قال خوف أو مرض } ولا تجب على من في طريقه إلى المسجد مطر تبتل به ثيابه ; لأنه يتأذى بالقصد ، ولا تجب على من له مريض يخاف ضياعه ; لأن حق المسلم آكد من فرض الجمعة ، ولا تجب على من له قريب أو صهر أو ذو ود يخاف موته ; لما روي { أنه استصرخ على سعيد بن زيد وابن عمر يسعى إلى الجمعة فترك الجمعة ومضى إليه } وذلك لما بينهما من القرابة فإنه ابن عمه ، ولأنه يلحقه بفوات ذلك من الألم أكثر مما يلحقه من مرض أو أخذ مال ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس صحيح رواه أبو داود ، وسبق بيانه في باب صلاة الجماعة ، وحديث الاستصراخ على سعيد بن زيد رواه البخاري في صحيحه في الباب الثاني في فضل من شهد بدرا .

وقوله " فإنه ابن عمه " يعني مجازا فإنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل .

وقوله ( استصرخ ) هو من الصراخ وهو الصوت ، يقال صرخ يصرخ بضم الراء في المضارع وقوله " ذو ود " هو بضم الواو ، أي صديق .

وقوله ( يخاف ضياعه ) بفتح الضاد .

[ ص: 356 ] أما الأحكام ) فقال أصحابنا : كل عذر سقطت به الجماعة في غير الجمعة سقطت به الجمعة إلا الريح في الليل لعدم تصوره ، وفي الوحل ثلاثة أوجه عند الخراسانيين ( الصحيح ) عنهم ، وبه قطع العراقيون وجماعات من الخراسانيين أنه عذر في الجمعة والجماعة ( والثاني ) : ليس بعذر فيهما ( والثالث ) : هو عذر في الجماعة دون الجمعة حكاه الرافعي عن حكاية أبي المكارم صاحب العدة ، قال : وبه أفتى أئمة طبرستان ، وهذا غريب ضعيف ، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم جمعة ، يوم ردغ أي طين وزلق : لا تقل حي على الصلاة ، قل : الصلاة في الرحال ، وكأنهم أنكروا ذلك فقال : فعل هذا من هو خير مني ، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجمعة عزيمة ، وإني كرهت أن أخرجكم تمشون في الطين والدحض ، وفي رواية قال ذلك في يوم مطر .

وهذه الرواية لا تقدح في الاحتجاج به ; لأنه ليس فيه أن المطر كان موجودا ، فلم يعلل سقوط الجمعة إلا بالطين ، والله أعلم .

فهذا الذي ذكرته من الضابط هو الذي ذكره الأصحاب ، ويدخل في هذا الصور التي ذكرها المصنف وغيرها مما سبق بيانه في باب صلاة الجماعة ، ولو قال المصنف عبارة الأصحاب لكان أحسن وأخصر وأعم .

أما التمريض فقال : إن كان للمريض متعهد يقوم بمصالحه وحاجته نظر إن كان ذا قرابة زوجة أو مملوكا أو صهرا أو صديقا ونحوهم - فإن كان مشرفا على الموت أو غير مشرف لكن يستأنس بهذا الشخص - حضره وسقطت عنه الجمعة بلا خلاف ، وإن لم يكن مشرفا ولا يستأنس به لم تسقط عنه على المذهب ، وفيه وجه حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه عن أبي علي بن أبي هريرة وحكاه أيضا الرافعي : أنها تسقط ; لأن القلب متعلق به ، ولا يتقاصر عن عذر المطر ، وإن كان أجنبيا ليس له حق بوجه من الأمور السابقة لم تسقط الجمعة عن المتخلف عنده بلا خلاف ، هذا كله إذا كان له متعهد ، فإن لم يكن متعهد قال إمام الحرمين وغيره : إن خاف هلاكه إن غاب عنه فهو عذر يسقط الجمعة ، سواء كان قريبا أو أجنبيا ، قالوا : لأن إنقاذ المسلم من الهلاك فرض كفاية .

وإن كان يلحقه بغيبته ضرر ظاهر لا يبلغ دفعه مبلغ فروض الكفاية ففيه ثلاثة أوجه ( أصحها ) : أنه عذر أيضا ( والثاني ) : لا ( والثالث ) : [ ص: 357 ] عذر في القريب ونحوه دون الأجنبي ; ولو كان له متعهد لا يتفرغ لخدمته لاشتغاله بشراء الأدوية ونحوه فهو كمن لا متعهد له لفوات مقصود المتعهد .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث