الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( وإن جز الشعر من الحيوانات نظرت - فإن كان من حيوان يؤكل - لم ينجس ; لأن الجز في الشعر كالذبح في الحيوان ، ولو ذبح الحيوان لم ينجس فكذلك إذا جز شعره ، وإن كان من حيوان لا يؤكل فحكمه حكم الحيوان ، ولو ذبح الحيوان كان ميتة فكذلك إذا جز شعره وجب أن يكون ميتة ) .

التالي السابق


( الشرح ) في هذه القطعة مسائل : ( إحداها ) : إذا جز شعر أو صوف أو وبر من مأكول اللحم فهو طاهر بنص القرآن وإجماع الأمة ، قال إمام الحرمين وغيره : وكان القياس نجاسته كسائر أجزاء الحيوان المنفصلة في الحياة ولكن أجمعت الأمة على طهارتها لمسيس الحاجة إليها في ملابس الخلق ومفارشهم ، وليس في شعور المذكيات كفاية ، لذلك قالوا : ونظيره اللبن محكوم بطهارته مع أنه مستحيل في الباطن كالدم . والله أعلم . الثانية : لا فرق بين أن يجزه مسلم أو مجوسي أو وثني ، وهذا لا خلاف فيه



الثالثة : إذا انفصل شعر أو صوف أو وبر أو ريش عن حيوان مأكول في حياته بنفسه أو بنتف ففيه أوجه : الصحيح منها وبه قطع إمام الحرمين والبغوي والجمهور أنه طاهر . والثاني : أنه نجس سواء انفصل بنفسه أو بنتف ، حكاه الرافعي وغيره ، ولا يطهر إلا المجزوز ; لأن ما أبين من حي فهو ميت . والثالث : إن سقط بنفسه فطاهر ، وإن نتف فنجس ; لأنه عدل به عن [ ص: 297 ] الطريق المشروع ، ولما فيه من إيذاء الحيوان فهو كخنقه ، حكاه القاضي حسين والمتولي والروياني والشاشي وغيرهم . والمختار ما قطع به الجمهور وهو الطهارة مطلقا لأنه في معنى الجز ، وهو شبيه بمن ذبح بسكين كال فإنه يفيد الحل وإن كان مكروها ، وأما قول المصنف - رحمه الله - : وإن جز الشعر لم ينجس ; لأن الجز كالذبح فربما أوهم أن الساقط بنفسه نجس ، وهذا الوهم خطأ ، وإنما مراده بالجز التمثيل لما انفصل في الحياة



( فرع ) قال البغوي : لو قطع جناح طائر مأكول في حياته فما عليه من الشعر والريش نجس تبعا لميتته .



الرابعة : إذا جز الشعر والصوف والوبر والريش من حيوان لا يؤكل أو سقط بنفسه أو نتف - فاتفق أصحابنا على أن له حكم شعر الميتة ; لأن ما أبين من حي فهو ميت ، وحينئذ يكون فيه الخلاف السابق في شعر الميتة ، والمذهب نجاسته من غير الآدمي وطهارته من الآدمي .

( فرع ) مهم : قد اشتهر في ألسنة الفقهاء وكتبهم أن ما أبين من حي فهو ميت وهذه قاعدة مهمة ، ودليلها حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : { قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم فقال : ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة } " رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وهذا لفظ الترمذي وقال : هو حديث حسن ، قال : والعمل عليه عند أهل العلم .



( فرع ) إذا قلنا بالمذهب : إن الشعر ينجس بالموت فرأى شعرا لم يدر أنه طاهر أو نجس قال الماوردي : إن علم أنه من حيوان يؤكل فهو طاهر عملا بالأصل ، وإن علم أنه من غير مأكول فهو نجس ; لأنه لا طريق إلى طهارته ، وإن شك فوجهان بناء على اختلاف الأصحاب في أن أصل الأشياء على الإباحة أو التحريم ، وذكر مثل هذا التفصيل صاحب البحر ثم قال احتمالا لنفسه في نجاسة المأكول : لأنه لا يدري أخذ في حياته أم بعد موته ، وهذا الاحتمال خطأ لأنا تيقنا طهارته ولم يعارضها أصل ولا ظاهر . وأما قوله فيما إذا شك فوجهان ، فالمختار منهما الطهارة لأننا تيقنا طهارته [ ص: 298 ] في الحياة ولم يعارضها أصل ولا ظاهر ، فإنه لا يمكن دعوى كون الظاهر نجاسته ، وأما احتمال كونه شعر كلب أو خنزير فضعيف ; لأنه في غاية الندور . وأما قول صاحب المستظهري بعد حكاية الوجهين عن حكاية صاحب الحاوي : هذا ليس بشيء ، بل لا يجوز الانتفاع به وجها واحدا - فمردود بما ذكرناه من النقل والدليل . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث