الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن كان الزرع لواحد والأرض لآخر وجب العشر على مالك الزرع عند الوجوب ; لأن الزكاة تجب في الزرع فوجبت على مالكه كزكاة التجارة تجب على مالك المال دون مالك الدكان ، وإن كان على الأرض خراج وجب الخراج في وقته ، ووجب العشر في وقته ، ولا يمنع وجوب أحدهما وجوب الآخر ; لأن الخراج يجب للأرض ، والعشر يجب للزرع فلا يمنع أحدهما الآخر كأجرة المتجر وزكاة التجارة ) .

التالي السابق


( الثامنة ) : قد سبق في باب الخلطة خلاف في ثبوتها في الزرع والثمار ، وحاصله ثلاثة أقوال ( أصحها ) : تثبت خلطة الشيوع وخلطة الجوار جميعا [ ص: 484 ] والثاني ) لا تثبتان ، ( والثالث ) : تثبت خلطة الشيوع دون الجوار . قال أصحابنا : فإن قلنا : لا تثبتان ، لم يكمل ملك إنسان بملك غيره في إتمام النصاب ، وإن أثبتناهما كمل بملك الشريك والجار ، ولو مات إنسان وخلف نخيلا مثمرة أو غير مثمرة ، وبدا الصلاح في الحالين في ملك الورثة ، فإن قلنا لا تثبت الخلطة ، فحكم كل واحد معتبر على انفراده ، منقطع عن شركائه ، فمن بلغ نصيبه نصابا زكاه ومن لم يبلغ نصيبه نصابا ، فلا زكاة عليه ، وسواء اقتسموا أم لا ، وإن قلنا : تثبت الخلطة ، قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر : إن اقتسموا قبل بدو الصلاح زكوا زكاة الانفراد ، فمن بلغ نصيبه نصابا زكاه ، ومن لم يبلغ نصيبه نصابا فلا زكاة ، قال أصحابنا : هذا إذا لم تثبت خلطة الجوار أو أثبتناها وكانت متباعدة أو فقد بعض شروطها ، فأما إذا كانت مجاورة ووجدت الشروط وأثبتنا خلطة الجوار فيزكون زكاة الخلطة كما قبل القسمة . قال الشافعي رضي الله عنه : وإن اقتسموا بعد بدو الصلاح زكوا زكاة الخلطة لاشتراكهم حالة الوجوب وعليه اعتراضان ( أحدهما ) : اعترض به المزني في المختصر فقال : القسمة بيع ، وبيع الربوي بعضه ببعض جزافا لا يجوز عند الشافعي بحال ، وأجاب الأصحاب عن اعتراضه ، فقالوا : قد احترز الشافعي رضي الله عنه عن هذا الاعتراض ، فقال في الأم وفي الجامع الكبير : ( إن اقتسموا قسمة صحيحة ) قال إمام الحرمين قال الأصحاب : نبه الشافعي بهذا النص على أن المراد أن يتفاضلا مفاضلة صحيحة .

قال الأصحاب : ويتصور ذلك من وجوه ، ذكر إمام الحرمين منها وجهين . وذكر صاحب الحاوي والرافعي وآخرون ستة وبعضهم خمسة . وذكر الدارمي في الاستذكار عن الأصحاب أربعة عشر وجها لتصويرها ، ومختصر ما ذكره الدارمي في مجموع كلامهم مع تداخله أن يقال : يتصور من أربعة عشر وجها كما ذكره الدارمي ( أحدها ) : أن الشافعي رضي الله عنه فرعه على قوله : القسمة إفراز لا على أنها بيع وحينئذ لا حجر في القسمة . ( الثاني ) : إذا قلنا : القسمة بيع ، فصورته أن يكون بعض النخل مثمرا وبعضها غير مثمر ، فجعل هذا سهما وذاك سهما . ويقسمه قسمة تعديل ، فيكون بيع نخل ورطب بنخل متمحض ، وذلك جائز بالاتفاق . [ ص: 485 ] الثالث ) : أن تكون التركة نخلتين والورثة شخصين اشترى أحدهما نصيب صاحبه من إحدى النخلتين أصلها وثمرها بدينار وباع نصيبه من الأخرى لصاحبه بدينار وتقاصا قال الرافعي : قال الأصحاب : ولا يحتاج إلى شرط القطع ، وإن كان قبل بدو الصلاح ; لأن المبيع جزء شائع من الثمرة والشجرة معا ، فصار كما لو باعها كلها بثمرتها صفقة واحدة ، وإنما يحتاج إلى شرط القطع إذا أفرد الثمرة بالبيع .

( والرابع ) : أن يبيع كل واحد نصيبه من ثمرة إحدى النخلتين بنصيب صاحبه من جذعها ، فيجوز بعد الصلاح ، ولا يكون ربا ولا يجوز قبله إلا بشرط ; لأنه بيع ثمرة يكون للمشتري على جذع البائع .

( الخامس ) : أن يكون بعض التركة نخلا ، وبعضها عروضا ، فيبيع أحدهما حصته من النخل والثمر بحصة صاحبه من العروض ، فيصير لأحدهما جميع النخل وللآخر جميع العروض ، قال صاحب الحاوي : وهذه الأوجه الأربعة ليست مقنعة ; لأنها بيع جنس بغيره ، وليس قسمة جنس واحد ، ولكن ذكرها أصحابنا فذكرناها .

( السادس ) : جواب لبعض الأصحاب قال : قسمة الثمار بالخرص تجوز على أحد القولين ، ونص الشافعي رضي الله عنه مفرع عليه ، وهذا الجواب ذكره الدارمي وغيره ، قال الشافعي في الصرف : على جواز قسمة الرطب على النخل بالخرص . قال الرافعي رحمه الله تعالى : وهذا يدفع إشكال بيع الجزاف ، ولا يدفع إشكال بيع الرطب بالرطب . " قلت : " نصه على جوازه يدل على المسامحة بهذا النوع من البيع ، ولنا وجه معروف في جواز بيع الرطب بالرطب على رءوس النخل للأجانب ، فهو في حق المتقاسمين أولى بالجواز .

( السابع ) : ذكره الدارمي ، قال : حكى أبو حامد جواز قسمة النخل المثمر ، ولا حكم للثمر ; لأنه تابع ، ثم ذكر الدارمي بقية الأربعة عشر . وفي بعضها نظر وتداخل والله تعالى أعلم .

( الاعتراض الثاني ) : قال أصحابنا العراقيون : جواز القسمة قبل إخراج الزكاة هو بناء على وجوبها في الذمة ، [ ص: 486 ] فأما إن قلنا : إن الزكاة تتعلق ، فلا تصح القسمة . قال الرافعي ويمكن تصحيح القسمة مع التفريع على قول العين ، بأن يخرص الثمار عليهم ويضمنوا حق المساكين ، فلهم التصرف بعد ذلك . وأيضا فإنا قدمنا في صحة البيع قولين تفريعا على التعليق بالعين ، هكذا القسمة إن قلنا : إنها بيع . وإن قلنا : إفراز فلا منع . هذا كله إذا لم يكن على الميت دين ، فإن مات وعليه دين وله نخيل مثمرة ، فبدأ الصلاح فيها بعد موته وقبل بيعها ، فالمذهب وبه قطع الجمهور وجوب الزكاة على الورثة ; لأنها ملكهم ما لم تبع في الدين بناء على المذهب ، والمنصوص أن الدين لا يمنع انتقال الملك بالإرث ، وقيل في وجوب الزكاة قولان ( أصحهما ) : هذا ، ( والثاني ) : لا زكاة لعدم استقرار الملك في الحال . قال الرافعي : ويمكن بناء على الخلاف على أن الدين هل يمنع الإرث أم لا ؟ فعلى المذهب حكمهم في كونهم يزكون زكاة خلطة أم انفراد ؟ على ما سبق إذا لم يكن دين ، ثم إن كانوا موسرين أخذت الزكاة منهم وصرفت النخيل والثمار إلى ديون الغرماء . وإن كانوا معسرين فطريقان : ( أحدهما ) : أنه على الخلاف في أن الزكاة تتعلق بالعين أم بالذمة ؟ إن قلنا بالذمة ، والمال مرهون بها خرج على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي . فإن سوينا وزعنا المال على الزكاة وحق الغرماء . وإن قدمنا قدمنا ما يقال بتقديمه . وإن قلنا : تتعلق بالعين أخذت سواء قلنا تتعلق تعلق الأرش أو تعلق الشركة .

( والطريق الثاني ) : وهو الأصح تؤخذ الزكاة بكل حال لشدة تعلقها بالمال ، ثم إذا أخذت من العين ولم يف الباقي بالدين غرم الورثة قدر الزكاة لغرماء الميت إذا أيسروا ; لأن الزكاة إنما وجبت عليهم ، وبسبب وجوبها خرج ذلك القدر عن الغرماء . قال البغوي : هذا إذا قلنا الزكاة تتعلق بالذمة ، فإن قلنا بالعين لم يغرموا كما قلنا في الرهن . أما إذا أطلعت النخل بعد موته فالثمرة متمحضة للورثة لا يصرف إلى دين الغرماء منها شيء إلا إذا قلنا بالضعيف ، وهو قول الإصطخري : إن الدين يمنع الإرث ، فحكمها كما لو حدثت قبل موته والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث