الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أوصى لرجل بعبد ومات الموصي بعد دخول وقت وجوب صدقة الفطر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وفي الحب الذي يخرجه ثلاثة أوجه . ( أحدها ) : أنه يجوز من كل قوت ; لما روى أبو سعيد الخدري قال : { كنا نخرج صاعا من طعام ، أو صاعا من أقط ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من زبيب } ومعلوم : أن ذلك كله لم يكن قوت أهل المدينة ، فدل على أنه مخير بين الجميع ، وقال أبو عبيد بن حرب : تجب من غالب قوته ، وهو ظاهر النص ; لأنه لما وجب أداء ما فضل عن قوته وجب أن تكون من قوته ، وقال أبو العباس وأبو إسحاق : تجب من غالب قوت البلد ; لأنه حق يجب في الذمة تعلق بالطعام فوجب من غالب قوت البلد ، كالطعام في الكفارة ، فإن عدل عن قوت البلد إلى قوت بلد آخر نظرت - فإن كان الذي انتقل إليه أجود - أجزأه ، وإن كان دونه لم يجزئه ، فإن كان أهل البلد يقتاتون أجناسا مختلفة ليس بعضها بأغلب [ ص: 91 ] من بعض ، فالأفضل أن يخرج من أفضلها ; لقوله عز وجل : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، } ومن أيها أخرج أجزأه .

وإن كان في موضع قوتهم الأقط ففيه طريقان ، قال أبو إسحاق : يجزئه قولا واحدا ; لحديث أبي سعيد ، وقال القاضي أبو حامد : فيه قولان ( أظهرهما ) : أنه يجزئه للخبر ( والثاني ) : لا يجزئه ; لأنه لا تجب فيه الزكاة فأشبه اللحم ، فإذا قلنا : يجزئه فأخرج اللبن أجزأه ; لأنه أكمل منه ; لأنه يجيء منه الأقط وغيره ، وإن أخرج الجبن جاز ; لأنه مثله ، وإن أخرج المصل لم يجزه ; لأنه أنقص من الأقط ; لأنه لبن منزوع الزبد ، وإن كان في موضع لا قوت فيه أخرج من قوت أقرب البلاد إليه ، فإن كان بقربه بلدان متساويان في القوت أخرج من قوت أيهما شاء ، ولا يجوز في فطرة واحدة أن يخرج من جنسين ; لأن ما خير فيه بين جنسين لم يجز أن يخرج من كل واحد منهما بعضه ككفارة اليمين لا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة ، فإن كان عبد بين نفسين في بلدين قوتهما مختلف ، ففيه ثلاثة أوجه ( أحدها ) : لا يجوز أن يخرج كل واحد من قوته ، بل يخرجان من أدنى القوتين ، وقال أبو إسحاق : يجوز أن يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته ; لأن كل واحد منهما لم يبعض ما وجب عليه ، ( ومن ) أصحابنا من قال : يعتبر فيه قوت العبد أو البلد الذي فيه العبد ; لأنها تجب لحقه ، فاعتبر فيه قوته أو قوت بلده كالحر في حق نفسه ، ولا يجوز إخراج حب مسوس ; لأن السوس أكل جوفه فيكون الصاع منه أقل من صاع ، ولا يجوز إخراج الدقيق .

وقال أبو القاسم الأنماطي : يجوز ; لأنه منصوص عليه في حديث أبي سعيد الخدري ، والمذهب : أنه لا يجوز ; لأنه ناقص المنفعة عن الحب فلم يجز كالخبز ، ( وأما ) حديث أبي سعيد ( فقد ) قال أبو داود : روى سفيان الدقيق ووهم فيه ثم رجع ) .

التالي السابق


( الثامنة ) أنه إذا أوصى لرجل بعبد ومات الموصي بعد دخول وقت وجوب الفطرة ، فالفطرة في تركة الميت ، فلو مات قبل الوقت ، وقبل الموصى له الوصية قبل الوقت ، فالفطرة عليه وإن لم يقبل حتى دخل الوقت ، فإن قلنا الموصى له يملك بمجرد موت الموصي - لزمه الفطرة - فلو لم يقبل ، بل رد الوصية فوجهان مشهوران .

( أصحهما ) : الوجوب ; لأنه كان مالكا حال الوجوب .

( والثاني ) : لا ; لعدم استقرار الملك .

( وإن قلنا ) : لا يملك إلا بالقبول ، بنى على أن الملك قبل القبول لمن ؟ وفيه وجهان مشهوران في كتاب " الوصية " أصحهما : للورثة ، فعلى هذا في الفطرة وجهان .

( أصحهما ) : على الورثة ; لأنه ملكهم ، ونقل صاحب " البيان " عن أصحابنا العراقيين أنها تجب في تركة الميت .

( والثاني ) : لا فطرة لضعفه .

( والوجه الثاني ) من الأولين : أنه باق على ملك الميت فعلى هذا لا تجب فطرته على أحد على المذهب .

وحكى البغوي مع هذا وجها ضعيفا أنها تجب في تركته ، ( وإن قلنا ) : الملك في الوصية موقوف ، فإن قبل فعليه الفطرة ، وإلا فعلى الورثة ، هذا كله إذا قبل الموصى له أو رد ، فلو مات قبل القبول وبعد دخول وقت الوجوب فقبول وارثه كقبوله ، والملك يقع للموصى له الميت فحيث أوجبنا عليه الفطرة إذا قبل بنفسه فهي في تركته ، إذا قبل وارثه ، فإن لم يكن له تركة سوى العبد ففي بيع جزء منه للفطرة الخلاف السابق .

الأصح لا يباع ، ولو مات قبل وقت الوجوب أو معه [ ص: 104 ] فالفطرة على الورثة إذا قبلوا ; لأنه وقت الوجوب كان ملكهم . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث