الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ولا يصح أداء الزكاة إلا بالنية ; لقوله صلى الله عليه وسلم { إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى } ; ولأنها عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصلاة ، وفي وقت النية وجهان : ( أحدهما ) يجب أن ينوي حال الدفع ; لأنه عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في ابتدائها كالصلاة .

( والثاني ) يجوز تقديم النية عليها ; لأنه يجوز التوكيل فيها ونيته غير مقارنة لأداء الوكيل ، فجاز تقديم النية بخلاف الصلاة ، ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة أو صدقة المال ، فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه ; لأن الصدقة قد تكون نفلا فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين . ولا يلزمه تعيين المال المزكى عنه . وإن كان له نصاب حاضر ونصاب غائب فأخرج الفرض فقال : هذا عن الحاضر أو الغائب أجزأه ; لأنه لو أطلق النية لكانت عن ( أحدهما ) فلم يضر تقييده بذلك . فإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته ، وإن لم يكن سالما فهو عن الحاضر فإن كان الغائب هالكا أجزأه ; لأنه لو أطلق وكان الغائب هالكا لكان هذا عن الحاضر . وإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته أو تطوع لم يجزه ; لأنه لم يخلص النية للفرض .

وإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته ، وإن لم يكن سالما فهو تطوع وكان سالما أجزأه ; لأنه أخلص النية للفرض ; ولأنه لو أطلق النية لكان هذا مقتضاه فلم يضر التقييد . وإن كان له من يرثه فأخرج مالا وقال : إن كان قد مات مورثي فهذا عن زكاة ما ورثته منه وكان قد مات لم يجزه [ ص: 157 ] لأنه لم يبن النية على أصل ; لأن الأصل بقاؤه ، وإن كل من يؤدي الزكاة ونوى عند الدفع إلى الوكيل ، ونوى الوكيل عند الدفع إلى الفقراء أجزأه . وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه ; لأن الزكاة فرض على رب المال فلم تصح من غير نية ، وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل ففيه طريقان ، من أصحابنا من قال : يجوز قولا واحدا ; لأن الذي عليه الفرض قد نوى في وقت الدفع إلى الوكيل ، فتعين المدفوع للزكاة ، فلا يحتاج بعد ذلك إلى النية . ومن أصحابنا من قال : يبني على جواز تقديم النية ، فإن قلنا : يجوز أجزأه ، وإن قلنا : لا يجوز لم يجزه ، وإن دفعها إلى الإمام ولم ينو ففيه وجهان : ( أحدهما ) يجزئه وهو ظاهر النص ; لأن الإمام لا يدفع إليه الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية . ومن أصحابنا من قال : لا يجزئه ، وهو الأظهر ; لأن الإمام وكيل للفقراء ، ولو دفع إلى الفقراء لم يجز إلا بالنية عند الدفع ، فكذلك إذا دفع إلى وكيلهم ، وتأول هذا القائل قول الشافعي رحمه الله على من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهرا فإنه لا يجزئه ; لأنه تعذرت النية من جهته ، فقامت نية الإمام مقام نيته ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وسبق بيانه في أول باب نية الوضوء . وسبق هناك بيان الاحتراز بقوله : عبادة محضة وإنما قاس على الصلاة للرد على الأوزاعي فإنه قال : لا تفتقر الزكاة إلى نية . ووافق على افتقار الصلاة إلى النية . وهذا القياس الذي ذكره المصنف ينتقض بالعتق والوقف والوصية .

وقوله : ( وفي وقت النية وجهان : " أحدهما " يجب أن ينوي في حال الدفع ; لأنها عبادة يدخل فيها بفعله فوجبت النية في ابتدائها كالصلاة ) فقوله : " بفعله " احتراز من الصوم - وفي الفصل مسائل : ( إحداها ) لا يصح أداء الزكاة إلا بالنية في الجملة ، وهذا لا خلاف فيه عندنا وإنما الخلاف في صفة النية وتفريعها وبوجوبها قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وأبو ثور وداود وجماهير العلماء . وشذ عنهم الأوزاعي فقال : لا تجب ويصح أداؤها بلا نية كأداء الديون . ودليلنا ما ذكره المصنف وتخالف الدين فإن الزكاة عبادة محضة كالصلاة . وأجاب القاضي أبو الطيب في تعليقه بأن حقوق الآدمي لما لم يفتقر [ ص: 158 ] المتعلق منها بالبدن كالقصاص وحد القذف إلى نية ، لم يفتقر المتعلق بالمال وحقوق الله تعالى المتعلقة بالبدن إلى النية فكذا المتعلقة بالمال وأجاب صاحب الشامل والتتمة بأن الدين ليس عبادة وإن كان فيه حق الله تعالى ، ولهذا يسقط بإسقاط صاحبه ، فالمغلب فيه حقه . قال أصحابنا : فإن نوى بقلبه دون لفظ لسانه أجزأه بلا خلاف ، وإن لفظ بلسانه ولم ينو بقلبه ففيه طريقان : ( أحدهما ) لا يجزئه وجها واحدا ، وبه قطع العراقيون والسرخسي وغيره من الخراسانيين .

( والطريق الثاني ) فيه وجهان : ( أحدهما ) يكفيه اللفظ باللسان دون نية القلب .

( والثاني ) لا يكفيه ويتعين القلب ، وهذا الطريق مشهور في كتب الخراسانيين ، ذكره الصيدلاني والفوراني وإمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون . قال الرافعي وهو الأشهر . قال : ومنهم من حكى هذا الخلاف قولين ، واتفق القائلون بهذا الطريق على أن الأصح اشتراط نية القلب ، وممن قال بالاكتفاء باللسان القفال ونقله الصيدلاني وإمام الحرمين والغزالي قولا للشافعي . وأشار القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد إلى هذا فقال : قال الشافعي في الأم : سواء نوى في نفسه أو تكلم فإنما أعطى فرض مال ، فأقام اللسان مقام النية ، كما أقام أخذ الإمام مقام النية . قال وبينه في الأم فقال إنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنية الصلاة افتراق الصلاة والزكاة في بعض حالهما ، ألا ترى أنه يجوز دفع الزكاة قبل وقتها ؟ ويجزئ أن يأخذها الوالي بغير طيب نفسه فتجزئ عنه وهذا لا يوجد في الصلاة . هذا آخر كلام القاضي أبي الطيب وقال إمام الحرمين : المنصوص للشافعي أن النية لا بد منها . قال : وقال الشافعي في موضع آخر : " إن قال بلسانه هذا زكاة مالي أجزأه " قال : واختلف أصحابنا في هذا النص فقال صاحب التقريب فيما حكاه عنه الصيدلاني : أراد الشافعي لفظ اللسان مع نية القلب ، قال : وقالت طائفة : " يكفي اللفظ ولا تجب نية القلب . " وهو اختيار القفال قال : واحتج القفال بأمرين : ( أحدهما ) أن الزكاة تخرج من مال المرتد ولا تصح نيته .

( والثاني ) جواز النية في أداء الزكاة . ولو كانت نية القلب متعينة لوجبت على المكلف بها مباشرتها ; لأن النيات [ ص: 159 ] سر العبادات والإخلاص فيها ، قال الإمام : فقد حصل في النية قولان : ( أحدهما ) يكفي اللفظ أو نية القلب ، أيهما أتى به كفاه .

( والثاني ) وهو المذهب تعيين نية القلب ، قال البغوي في توجيه قول القفال في الاكتفاء باللفظ : لأن النيابة في الزكاة جائزة ، فلما ناب شخص عن شخص فيها جاز أن ينوب القلب عن اللسان ، قال : ولا يرد علينا الحج حيث تجزئ فيه النيابة ويشترط فيه نية القلب ; لأنه لا ينوب فيه من ليس من أهل الحج ، وفي الزكاة ينوب فيها من ليس من أهل وجوب الزكاة عليه ، فإنه لو استناب عبدا أو كافرا في أداء الزكاة جاز ، هذا كلام البغوي ، وفي استنابة الكافر في إخراجها نظر ، ولكن الصواب الجواز كما يجوز استنابته في ذبح الأضحية .



( المسألة الثانية ) قال أصحابنا : صفة نية الزكاة أن ينوي : هذا فرض زكاة مالي أو فرض صدقة مالي أو زكاة مالي المفروضة ، أو الصدقة المفروضة [ فيتعرض ] لفرض المال ; لأن مثل هذا يقع كفارة ونذرا ، وهذه الصورة كلها تجزئه بلا خلاف . ولو نوى الصدقة فقط لم تجزئه على المذهب ، وبه قطع المصنف وإمام الحرمين والبغوي والجمهور ، وحكى الرافعي فيه وجها أنه يجزئه ، وهو ضعيف ; لأن الصدقة تكون فرضا وتكون نفلا فلا يجزئه بمجردها ، كما لو كان عليه كفارة فأعتق رقبة بنية العتق المطلق لا يجزئه بلا خلاف ، ولو نوى صدقة مالي أو صدقة المال فوجهان حكاهما البغوي : ( أصحهما ) لا يجزئه .

( والثاني ) يجزئه ; لأنه ظاهر في الزكاة . ولو نوى الزكاة ولم يتعرض للفرضية فطريقان : ( أصحهما ) وبه قطع المصنف والجمهور أنه يجزئه وجها واحدا .

( والثاني ) على وجهين : ( أحدهما ) يجزئه .

( والثاني ) لا يجزئه ، حكاه إمام الحرمين والمتولي وآخرون من الخراسانيين ، قالوا : وهما كالوجهين فيمن نوى صلاة الظهر ولم يتعرض للفريضة ، وضعف إمام الحرمين وغيره هذا الطريق وهذا الدليل ، وفرقوا بأن الظهر قد تكون نافلة في حق صبي ومن صلاها ثانيا ، وأما الزكاة فلا تكون إلا فرضا فلا وجه لاشتراطه نية الفريضة مع نية الزكاة ، وقال البغوي : إن قال : هذه زكاة مالي ، كفاه ; لأن الزكاة اسم للفرض المتعلق بالمال ، وإن قال : زكاة ، ففي إجزائه وجهان ، ولم يصحح شيئا ( وأصحهما ) الإجزاء . ولو قال : هذا فرضي . قال البندنيجي : [ ص: 160 ] فلم يجزئه بلا خلاف قال : ونص الشافعي أنه يجزئه ، وهو مؤول . والله أعلم .



( الثالثة ) في وقت نية الزكاة وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب : ( أحدهما ) تجب النية حالة الدفع إلى الإمام أو الأصناف ، ولا يجوز تقديمها عليه كالصلاة ( وأصحهما ) يجوز تقديمها على الدفع للغير قياسا على الصوم ; لأن القصد سد خلة الفقير ، وبهذا قال أبو حنيفة وصححه البندنيجي وابن الصباغ والرافعي ومن لا يحصى من الأصحاب ، وهو ظاهر نص الشافعي في الكفارة ، فإنه قال في الكفارة : لا تجزئه حتى ينوي معها أو قبلها . قال أصحابنا : والكفارة والزكاة سواء ، قالوا ومن قال بالأول تأول على من نوى قبل الدفع واستصحب النية إليه . وذكر المتولي تأويلا آخر أنه أراد المكفر بالصوم ، والتأويلان ضعيفان والصواب إجراء النص على ظاهره . قال أصحابنا والوجهان يجريان في الكفارة . قال المتولي وآخرون : صورة المسألة أن ينوي حين يزن قدر الزكاة ، ويعزله ولا ينوي عند الدفع ، وأشار إلى هذا التصويرالماوردي والبغوي .



( الرابعة ) قال أصحابنا : لا يشترط تعيين المال المزكى في النية فلو ملك مائتي درهم حاضرة ومائتي درهم غائبة ، فأخرج عشرة دراهم بنية زكاة ماله أجزأه بلا تعيين ، وكذا لو ملك أربعين شاة وخمسة أبعرة فأخرج شاتين بنية الزكاة أجزأه بلا تعيين ، ولو أخرج بلا تعيين خمسة دراهم بنية الزكاة مطلقا ثم بان تلف أحد المالين أو تلف أحدهما بعد الإخراج فله جعل الزكاة عن الباقي ، ولو عين مالا لم ينصرف إلى غيره ، فإذا نوى بالخمسة ( أحدهما ) بعينه فبان تالفا ، لا يجزئه عن الآخر ولو قال هذه الخمسة عن أحدهما فبان أحدهما تالفا والآخر سالما أجزأه عن السالم ; لأنه لو أطلق النية وقع عن السالم فلا يضره التقييد به ، وإن قال : إن كان الغائب سالما فهذا عن زكاته وإلا فهو عن الحاضر وكان الغائب تالفا فقد قطع المصنف والأصحاب بأنه يجزئ عن الحاضر وهو الصواب ، وكذا نقله إمام الحرمين والرافعي عن الجمهور . قالوا : ولا يضر هذا التردد ; لأن التعيين ليس بشرط حتى لو قال : هذا عن الحاضر أو عن الغائب أجزأه وعليه خمسة أخرى إن كانا سالمين [ ص: 161 ] بخلاف ما لو نوى الصلاة عن فرض الوقت إن كان الوقت دخل وإلا فعن الفائتة لا يجزئه بالاتفاق ; لأن التعيين شرط الصلاة ، وحكوا عن صاحب التقريب ترددا في إجزائه عن الحاضر مع اتفاقهم على إجزائه عن الغائب إن كان باقيا . والصواب الجزم بإجزائه أيضا عن الحاضر إن كان الغائب تالفا . ولو قال : هذه عن الغائب إن كان باقيا وإلا فعن الحاضر أو هي صدقة ، فإن كان الغائب سالما أجزأه عنه بلا خلاف ، وإن كان الغائب تالفا لم يقع عن الحاضر كما قال الشافعي والمصنف والأصحاب . واتفقوا على أنه لو قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته أو نافلة ، فكان سالما لم يجزئه ; لأنه لم يختص القصد للفرض ، وإن قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذا عن زكاته ، وإلا فهو تطوع فكان سالما أجزأه عنه بلا خلاف ، صرح به المصنف والأصحاب ; لأنه اختص النية للفرض ; ولأنه لو أطلق النية لكان هذا مقتضاه فلا يضر التقييد به ، وكذا لو قال : هذا عن زكاة مالي الغائب فإن كان تالفا فهو صدقة تطوع فكان سالما أجزأه عنه بالاتفاق ; لما ذكرنا . قال أصحابنا : وفي هاتين الصورتين لو بان الغائب تالفا لا يجوز له الاسترداد . قالوا : وكذا لو اقتصر على قوله زكاة الغائب فبان تالفا لا يجوز إلا الاسترداد إلا إذا صرح . فقال : هذا عن زكاة الغائب . فإن كان تالفا استرددته . وأما إذا أخرج الخمسة وقال : إن كان مورثي مات وورثت ماله فهذه زكاته ، فبان أنه مات وورثه فلا تحسب الخمسة عن زكاته بلا خلاف . صرح به المصنف وجميع الأصحاب . قالوا : لأنه لم يبن على أصل فإن الأصل عدم الإرث بخلاف مسألة المال الغائب ; لأن الأصل بقاؤه فاعتضد التردد في النية بأصل البقاء . ونظيره من قال في آخر رمضان : أصوم غدا إن كان من رمضان ، فبان منه يجزئه . ولو قال ذلك في أوله لم يجزئه ; لما ذكرناه في مسألتي زكاة الغائب والإرث . قال صاحب البيان وغيره : وكذا لو جزم الوارث فقال : هذا زكاة ما ورثته عن مورثي وهو لا يعلم موته ، فلا يجزئه بالاتفاق أيضا . قال أصحابنا : والفرق بين هذا وبين ما لو باع مال أبيه ظانا حياته فبان ميتا فإنه يصح على الأصح ; لأن البيع لا يفتقر إلى نية بخلاف الزكاة . أما إذا قال : هذا عن مالي الغائب إن كان باقيا واقتصر [ ص: 162 ] على هذا القدر فكان باقيا أجزأه عنه ، وإن كان تالفا فليس له صرف المخرج إلى زكاة الحاضر على المذهب وبه قطع القاضي أبو الطيب في المجرد وآخرون ، وفيه وجه ضعيف حكاه الرافعي أن له صرفه إلى الحاضر . والله أعلم .

( فإن قيل ) : تصح هذه الصور على مذهب الشافعي وهو لا يجوز نقل الزكاة فكيف تصح عن الغائب ؟ ، قال أصحابنا : يتصور إذا جوزنا نقل الزكاة على أحد القولين ، وتتصور بالاتفاق إذا كان غائبا عن مجلسه ، ولكنه معه في البلد لا في بلد آخر ، وتتصور فيمن هو في سفينة أو برية ومعه مال ، وله مال آخر في أقرب البلاد إليه ، فموضع تفريق المالين واحد . والله أعلم .



( الخامسة ) إذا وكل في إخراج الزكاة ، فإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الصرف إلى الأصناف ، أو عند الصرف إلى الإمام أو الساعي أجزأه بلا خلاف ، وهو الأكمل ، وإن لم ينويا أو نوى الوكيل دون الموكل لم يجزئه بالاتفاق . وإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل دون الوكيل فطريقان حكاهما المصنف والأصحاب : ( أحدهما ) القطع بالإجزاء ; لأن المكلف بالزكاة هو المالك وقد نوى ( وأصحهما ) فيه وجهان بناء على تقديم النية على التفريق ، إن جوزنا أجزأ هذا وإلا فلا ، والمذهب الإجزاء . ولو وكله وفوض إليه النية ونوى الوكيل . قال إمام الحرمين والغزالي : أجزأه بلا خلاف ، ولو دفع إلى الوكيل بلا نية ودفع الوكيل ولم ينو ، لكن نوى الموكل حال دفع الوكيل إلى الأصناف أجزأ بلا خلاف ; لأن نية الموكل قارنت الصرف إلى المستحق ، فأشبه تفريقه بنفسه ، ولو دفع إلى الوكيل بلا نية ، ثم نوى قبل صرف الوكيل إلى الأصناف فقد جزم صاحب البيان بالإجزاء ويحتمل أن فرعه على الأصح ، وهو تقدم النية على الدفع . والله أعلم . فإن قيل : قلتم هنا : إن النائب لو نوى وحده لا يجزئ بلا خلاف ، ولو نوى الموكل وحده أجزأ على المذهب وفي الحج عكسه يشترط نية النائب ، وهو الأجير ولا تشترط نية المستأجر ولا تنفع ( فالجواب ) [ ص: 163 ] ما أجاب به المتولي وغيره أن الفرض في الفعل يقع بفعل الوكيل ، فاشترط قصده الأداء عن المستأجر ، لينصرف الفعل إليه ، وأما هنا فالفرض يقع بمال الموكل ، فاكتفى بنيته ، قالوا : ونظير الحج أن يقول الموكل : أد زكاة مالي من مالك ، فيشترط نية الوكيل . والله أعلم .



( السادسة ) ولي الصبي والمجنون والسفيه يلزمه إخراج زكاة أموالهم ويلزمه النية بالاتفاق ، فلو دفع بلا نية لم يقع زكاة ويدخل في ضمانه ، وعليه استرداده فإن تعذر فعليه ضمانه من مال نفسه لتفريطه ، صرح به ابن كج والرافعي وغيرهما وهو ظاهر .



( السابعة ) إذا تولى السلطان قسم زكاة إنسان ، فإن كان المالك دفعها طوعا ونوى عند الدفع ، كفاه وأجزأ ولا يشترط نية السلطان عند الدفع إلى الأصناف بلا خلاف ; لأنه نائبهم في القبض ، فإن لم ينو المالك ونوى السلطان أو لم ينو أيضا فوجهان مشهوران حكاهما المصنف والأصحاب .

( أحدهما ) يجزئه . قال المصنف والأصحاب : وهو ظاهر النص في المختصر وبه قطع جماعة من العراقيين منهم المحاملي والقاضي أبو الطيب في المجرد وصححه الماوردي : لأن الإمام لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفى بهذا الظاهر عن النية .

( والثاني ) لا يجزئه ; لأنه لم ينو ، والنية واجبة بالاتفاق ; ولأن الإمام إنما يقبض نيابة عن المساكين ، ولو دفع المالك إلى المساكين بلا نية لم يجزئه فكذا إذا دفع إلى نائبهم ، وهذا هو الأصح صححه المصنف هنا وفي التنبيه وشيخه القاضي أبو الطيب والبندنيجي والبغوي وآخرون ، وصححه الرافعي في المحرر قال الرافعي في الشرح : هذا هو الأصح عند جمهور المتأخرين ، وتأولوا نص الشافعي في المختصر ، على أن المراد به الممتنع من دفع الزكاة فيجزئه إذا أخذها الإمام لكن نص الشافعي في الأم أنه يجزئه إذا أخذها الإمام . وإن لم ينو المالك طائعا كان أو مكرها ، قلت : وهذا نص يمكن تأويله أيضا على أن المراد يجزئه في الظاهر فلا يطالب بالزكاة مرة أخرى . وأما في الباطن فمسكوت عنه وقد قام دليل على أنه لا يجزئه في الباطن . وهو ما ذكرناه . [ ص: 164 ] هذا كله إذا دفع رب المال إلى الإمام باختياره . فأما إذا امتنع فأخذها منه الإمام قهرا - فإن نوى رب المال حال الأخذ - أجزاه ظاهرا وباطنا وإن لم ينو الإمام ، وهذا لا خلاف فيه ، كما سبق في حال الاختيار . وإن لم ينو رب المال نظر إن نوى الإمام أجزأه في الظاهر فلا يطالب ثانيا وهل يجزئه باطنا ؟ فيه وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين ( أصحهما ) يجزئه وهو ظاهر كلام المصنف وجمهور العراقيين . وتقوم نية الإمام مقام نيته للضرورة كما تقوم نية ولي الصبي والمجنون والسفيه مقام نيته للضرورة . وإن لم ينو الإمام أيضا لم يسقط الفرض في الباطن قطعا . وهل يسقط في الظاهر ؟ فيه وجهان مشهوران أيضا ( الأصح ) لا يسقط . هكذا ذكره البغوي وآخرون ( وأما ) وجوب النية على الإمام فالمذهب وجوبها عليه وأنها تقوم مقام نية المالك . وأن الإمام إذا لم ينو عصى . هكذا قال هذا كله القفال في شرحه التلخيص والرافعي وآخرون . وقال إمام الحرمين والغزالي : إن قلنا : لا تسقط الزكاة عن الممتنع في الباطن لم تجب النية على الإمام . وإلا فوجهان : ( أحدهما ) تجب كالولي .

( والثاني ) لا ; لئلا يتهاون المالك بالواجب عليه . والله أعلم .



( الثامنة ) لو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة لم تسقط عنه الزكاة بلا خلاف ، كما لو وهبه أو أتلفه وكما لو كان عليه صلاة فرض فصلى مائة صلاة نافلة لا يجزئه بلا خلاف . هذا مذهبنا . وقال أصحاب أبي حنيفة : يجزئه ، ولو تصدق ببعضه لم يجزئه أيضا عن الزكاة وبه قال أبو يوسف وقال محمد : يجزئه عن زكاة ذلك البعض ، ولو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الفرض والتطوع لم يجزئه عن الزكاة وكانت تطوعا . وبه قال محمد وقال أبو يوسف : تجزئه عن الزكاة . دليلنا أنه لم تمحض للفرض فلم تصح عنه كالصلاة . والله أعلم . وفي كتاب الزيادات لأبي عاصم أنه لو دفع مالا إلى وكيله ليفرقه تطوعا ثم نوى به الفرض ثم فرقها الوكيل وقع عن الفرض إذا كان القابض مستحقا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث