الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع المكفى بنفقة أبيه أو غيره والفقيرة التي لها زوج غني ينفق عليها

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمهم الله : ( وسهم للفقراء ، والفقير هو الذي لا يجد ما يقع موقعا من كفايته فيدفع إليه ما تزول به حاجته من أداة يعمل بها إن كان فيه قوة ، أو بضاعة يتجر فيها حتى لو احتاج إلى مال كثير للبضاعة التي [ ص: 170 ] تصلح له ، ويحسن التجارة فيه وجب أن يدفع إليه ، وإن عرف لرجل مال وادعى أنه افتقر لم يقبل منه إلا ببينة ; لأنه ثبت غناه فلا تقبل دعوى الفقر إلا ببينة ، كما لو وجب عليه دين آدمي وعرف له مال فادعى الإعسار ، فإن كان قويا وادعى أنه لا كسب له أعطي ، لما روى عبيد الله بن عبد الله بن الخيار { أن رجلين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة فصعد بصره إليهما وصوب ثم قال : أعطيكما بعد أن أعلمكما أنه لا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب } وهل يحلف ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) لا يحلف ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحلف الرجلين .

( الثاني ) يحلف ; لأن الظاهر أنه يقدر على الكسب مع القوة ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال : { أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها ، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال : إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب } هذا لفظ إسناد الحديث ومتنه في كتاب السنن وقوله : ( جلدين ) بفتح الجيم أي قويين . ووقع في أكثر نسخ المهذب عبيد الله بن عبد الله بن الخيار ، ووقع في بعضها عبيد الله بن عدي بن الخيار . وهذا الثاني هو الصواب ، والأول غلط صريح وهو عبيد الله بن عدي بن الخيار . بكسر الخاء المعجمة وبعدها ياء مثناة من تحت : ابن نوفل بن عبد مناف بن قصي وهذا لا خلاف فيه بين العلماء من جميع الطوائف . وكذا في سنن أبي داود والنسائي والبيهقي وغيرهما من كتب الحديث . وينكر على المصنف فيه شيء آخر وهو أنه قال : عن عبيد الله أن رجلين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبيد الله تابعي فجعل الحديث مرسلا وهو غلط ، بل الحديث متصل عن عبيد الله عن الرجلين كما ذكرناه . وهكذا هو في جميع كتب الحديث ، والرجلان صحابيان لا يضر جهالة عينهما ; لأن الصحابة كلهم عدول .

وقوله : ( صعد بصره ) هو بتشديد العين ، أي رفعه . وقوله : ( وصوبه ) أي خفضه ، وقوله في أول الفصل ( من أداة يعمل بها ) هي بفتح الهمزة وبدال مهملة ، وهي الآلة . [ ص: 171 ] أما الأحكام ) ففيه مسائل : ( إحداها ) في حقيقة الفقير الذي يستحق سهما في الزكاة . قال الشافعي والأصحاب : هو الذي لا يقدر على ما يقع موقعا من كفايته لا بمال ولا بكسب ، وشرحه الأصحاب فقالوا : هو من لا مال له ولا كسب أصلا أو له ما لا يقع موقعا من كفايته ، فإن لم يملك إلا شيئا يسيرا بالنسبة إلى حاجته بأن كان يحتاج كل يوم إلى عشرة دراهم وهو يملك درهمين أو ثلاثة كل يوم فهو فقير ; لأن هذا القدر لا يقع موقعا من الكفاية قال البغوي وآخرون : ولو كان له دار يسكنها أو ثوب يلبسه متجملا به فهو فقير ، ولا يمنع ذلك فقره لضرورته إليه . قال الرافعي : ولم يتعرضوا لعبده الذي يحتاج إليه للخدمة ، وهو في سائر الأصول ملحق بالمسكن ( قلت ) : قد صرح ابن كج في كتابه التجريد بأن العبد الذي يحتاج إليه للخدمة كالمسكن ، وأنهما لا يمنعان أخذه الزكاة ; لأنهما مما يحتاج إليه كثيابه قال الرافعي : ولو كان عليه دين فيمكن أن يقال : القدر الذي يؤدي به الدين لا حكم لوجوده ولا يمنع الاستحقاق من سهم الفقراء ، كما لا اعتبار به في وجوب نفقة القريب . قال : وفي فتاوى البغوي أنه لا يعطي سهم الفقراء حتى يصرف ما عنده إلى الدين . قال البغوي : يجوز أخذ الزكاة لمن ماله على مسافة القصر إلى أن يصل ماله . قال : ولو كان له دين مؤجل فله أخذ كفايته إلى حلول الأجل . قال الرافعي : وقد يتردد الناظر في اشتراطه مسافة القصر . وأما الكسب فقال أصحابنا : يشترط في استحقاقه سهم الفقراء أن لا يكون له كسب يقع موقعا من كفايته كما ذكرنا في المال ، ولا يشترط العجز عن أصل الكسب ، قالوا : والمعتبر كسب يليق بحاله ومروءته ، وأما ما لا يليق به فهو كالمعدوم . قالوا : ولو قدر على كسب يليق بحاله إلا أنه مشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل حلت له الزكاة ; لأن تحصيل العلم فرض كفاية .

( وأما ) من يتأتى منه التحصيل فلا تحل له الزكاة إذا قدر على الكسب ، وإن كان مقيما بالمدرسة ، هذا الذي ذكرناه هو الصحيح المشهور [ ص: 172 ] وذكر الدارمي في المشتغل بتحصيل العلم ثلاثة أوجه : ( أحدها ) يستحق وإن قدر على الكسب .

( والثاني ) لا .

( والثالث ) إن كان نجيبا يرجى تفقهه ونفع المسلمين به استحق وإلا فلا ، ذكرها الدارمي في باب صدقة التطوع وأما من أقبل على نوافل العبادات - والكسب يمنعه منها . أو من استغراق الوقت بها - فلا تحل له الزكاة بالاتفاق ; لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه ، بخلاف المشتغل بالعلم . قال أصحابنا : وإذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة ; لأنه عاجز .



( فرع ) هل يشترط في الفقير الزمانة والتعفف عن السؤال ؟ فيه طريقان المذهب لا يشترط . وبه قطع الجمهور من العراقيين وغيرهم ( والثاني ) حكاه الخراسانيون فيه قولان ( أصحهما ) لا يشترط ( والثاني ) يشترط ، قالوا : الجديد لا يشترط ، والقديم يشترط ، وتأول العراقيون وغيرهم القديم .

( فرع ) قال أصحابنا : والمعتبر في قولنا يقع موقعا من كفايته المطعم والملبس والمسكن وسائر ما لا بد منه على ما يليق بحاله بغير إسراف ولا إقتار لنفس الشخص ولمن هو في نفقته .



( فرع ) المكفى بنفقة أبيه أو غيره ممن يلزمه نفقته ، والفقيرة التي لها زوج غني ينفق عليها هل يعطيان من سهم الفقراء ؟ فيه خلاف منتشر ذكره جماعة منهم إمام الحرمين ، ولخصه الرافعي فقال : هو مبني على مسألة ، وهي لو وقف على فقراء أقاربه أو أوصى لهم فكانا في أقاربه هل يستحقان سهما في الوقف والوصية ؟ فيه أربعة أوجه : ( أصحها ) لا يستحقان قاله الشيخ أبو زيد والخضري وصححه الشيخ أبو علي السنجي وغيره .

( والثاني ) يستحقان قاله ابن الحداد .

( والثالث ) يستحق القريب دون الزوجة ; لأنها تستحق عوضا يثبت في ذمة الزوج ويستقر ، قاله الأودني .

( والرابع ) عكسه ، والفرق أن القريب يلزمه كفايته من كل وجه حتى الدواء ، وأجرة الطبيب ، فاندفعت حاجته ، والزوجة ليس لها إلا مقدر ، وربما لا يكفيها . قال : فأما مسألة الزكاة - فإن قلنا - لا حق لهما في الوقف والوصية فالزكاة أولى ، وإلا فوجهان : ( الأصح ) يعطيان كالوقف والوصية [ ص: 173 ]

( والثاني ) لا .

وبه قال ابن الحداد ، والفرق أن الاستحقاق في الوقف باسم الفقر ، ولا يزول اسم الفقر بقيام غيره بأمره . وفي الزكاة بالحاجة ولا حاجة مع توجه النفقة ، فأشبه من يكتسب كل يوم كفايته ، فإنه لا يجوز له الأخذ من الزكاة ، وإن كان معدودا من الفقراء ، والخلاف في القريب إذا أعطاه غير من تلزمه نفقته من سهم الفقراء ، أو المساكين ، ويجوز له أن يعطيه من غيرهما بلا خلاف . وأما المنفق فلا يجوز له أن يعطيه من سهم الفقراء والمساكين بلا خلاف ; لأنه مستغن بنفقته ، ولأنه يدفع عن نفسه النفقة وله أن يعطيه من سهم العامل والغارم والغازي والمكاتب إذا كان بتلك الصفة ، وكذا من سهم المؤلفة إلا أن يكون فقيرا ، فلا يجوز أن يعطيه ; لئلا يسقط النفقة عن نفسه ، ويجوز أن يعطيه من سهم ابن السبيل مؤنة السفر دون ما يحتاج إليه سفرا وحضرا ; لأن هذا القدر هو المستحق عليه بسبب القرابة .

( وأما ) في مسألة الزوجة فالوجهان جاريان في الزوج كغيره ; لأنه بالصرف إليها لا يدفع عن نفسه النفقة ، بل نفقتها عوض لازم سواء كانت غنية أو فقيرة فصار كمن استأجر فقيرا ، فإن له دفع الزكاة إليه مع الأجرة ، وقطع العراقيون بأنه ليس له الدفع إليها ، فإن قلنا : لا يجوز الدفع إليها ، فلو كانت ناشزة فوجهان : ( أحدهما ) وهو الذي ذكره البغوي يجوز إعطاؤها ; لأنه لا نفقة لها .

( وأصحهما ) لا يجوز ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والأكثرون ; لأنها قادرة على النفقة بترك النشوز ، فأشبهت القادر على الكسب ، وللزوج أن يعطيها من سهم المكاتب والغارم بلا خلاف ، ومن سهم المؤلفة على الأصح ، وبه قطع المتولي ، وقال الشيخ أبو حامد : لا تكون المرأة من المؤلفة ، وهو ضعيف . قال أصحابنا : ولا تكون المرأة عاملة ولا غازية . وأما سهم ابن السبيل فإن سافرت مع الزوج لم تعط منه سواء سافرت بإذنه أو بغير إذنه ; لأن نفقتها عليه في الحالين ; لأنها في قبضته ولا تعطى مؤنة السفر إن سافرت معه بغير إذنه ; لأنها عاصية ، وإن سافرت وحدها - فإن كان بإذنه - أوجبنا نفقتها ، أعطيت مؤنة السفر فقط من سهم ابن السبيل ، [ ص: 174 ] وإن لم نوجبها أعطيت جميع كفايتها ، وإن سافرت وحدها بغير إذنه لم تعط ; لأنها عاصية . قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : ويجوز أن تعطى هذه من سهم الفقراء والمساكين بخلاف الناشزة ; لأنها تقدر على العود إلى طاعته والمسافرة لا تقدر . فإن تركت سفرها وعزمت على العود إليه أعطيت من سهم ابن السبيل لخروجها عن المعصية . هذا آخر ما نقله الرافعي . والله أعلم . قال أصحابنا : ولو كانت الزوجة ذات مال فلها صرف زكاتها إلى الزوج إذا كان بصفة الاستحقاق ، سواء صرفت من سهم الفقراء والمساكين أو نحوهم ، لأنه لا يلزمها نفقته فهو كالأجنبي وكالأخ وغيره من الأقارب الذين لا تجب نفقتهم ودفعها إلى الزوج أفضل من الأجنبي كما سنوضحه في أواخر الباب إن شاء الله .



( فرع ) إذا كان له عقار ينقص دخله عن كفايته فهو فقير أو مسكين ، فيعطى من الزكاة تمام كفايته ولا يكلف بيعه ، ذكره أبو العباس الجرجاني في التحرير والشيخ نصر المقدسي وآخرون .



( فرع ) قال الغزالي في الإحياء : لو كان له كتب فقه لم تخرجه عن المسكنة - يعني والفقر - قال : فلا يلزمه زكاة الفطر ، وحكم كتابه حكم أثاث البيت ; لأنه محتاج إليه ، قال لكن ينبغي أن يحتاط في فهم الحاجة إلى الكتاب ، فالكتاب يحتاج إليه لثلاثة أغراض : التعليم والتفرج بالمطالعة والاستفادة ، فالتفرج لا يعد حاجة كاقتناء كتب الشعر والتواريخ ونحوهما مما لا ينفع في الآخرة ولا في الدنيا فهذا يباع في الكفارة وزكاة الفطر ويمنع اسم المسكنة . وأما حاجة التعليم فإن كان للتكسب كالمؤدب والمدرس بأجرة فهذه آلته ، فلا تباع في الفطرة كآلة الخياط ، وإن كان يدرس لقيام فرض الكفاية لم تبع . ولا تسلبه اسم المسكنة ; لأنها حاجة مهمة أي حاجة . وأما الاستفادة والتعلم من الكتاب كادخاره كتاب طب ليعالج نفسه به . أو كتاب وعظ ليطالعه ويتعظ به ، فإن كان في البلد طبيب أو واعظ فهو مستغن عن الكتاب وإن لم يكن فهو محتاج ، ثم ربما لا يحتاج إلى مطالعته إلا بعد مدة . قال فينبغي أن يضبط ، فيقال : ما لا يحتاج إليه في السنة فهو [ ص: 175 ] مستغن عنه ، فتقدر حاجة أثاث البيت وثياب البدن بالسنة فلا يباع ثياب الشتاء في الصيف ولا ثياب الصيف في الشتاء ، والكتب بالثياب أشبه ، وقد يكون له من كتاب نسختان فلا حاجة له إلا إلى ( أحدهما ) ، فإن قال : أحدهما أصح والأخرى أحسن ، قلنا : اكتف بالأصح وبع الأحسن ، وإن كانا كتابين من علم واحد أحدهما مبسوط والآخر وجيز ، فإن كان مقصوده الاستفادة فليكتف بالمبسوط ، وإن كان قصده التدريس احتاج إليهما .

هذا آخر كلام الغزالي وهو حسن إلا قوله في كتاب الوعظ أنه يكتفي بالوعظ فليس كما قال ; لأنه ليس كل أحد ينتفع بالواعظ كانتفاعه في خلوته ، وعلى حسب إرادته . وقال أبو عاصم العبادي في كتابه الزيادات : لو كان له كتب علم وهو عالم جاز دفع سهم الفقراء إليه ، قال : ولا تباع كتبه في الدين . والله أعلم .



( فرع ) سئل الغزالي عن القوي من أهل البيوتات الذين لم تجر عادتهم بالتكسب بالبدن ، هل له أخذ الزكاة من سهم الفقراء والمساكين ؟ فقال : نعم وهذا صحيح جاز على ما سبق أن المعتبر حرفة تليق به . والله أعلم .



( المسألة الثانية ) في قدر المصروف إلى الفقير والمسكين ، قال أصحابنا العراقيون وكثيرون من الخراسانيين : يعطيان ما يخرجهما من الحاجة إلى الغنى ، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام . وهذا هو نص الشافعي رحمه الله واستدل له الأصحاب بحديث قبيصة بن المخارق الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة ، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ، أو قال سدادا من عيش ، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ، أو قال سدادا من عيش ، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا } رواه مسلم في صحيحه ، والقوام والسداد بكسر أولهما ، وهما بمعنى .

قال أصحابنا : فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة حتى يصيب ما يسد حاجته فدل على ما ذكرناه . قالوا : وذكر الثلاثة في [ ص: 176 ] الشهادة للاستظهار لا للاشتراط قال أصحابنا : فإن كانت عادته الاحتراف أعطي ما يشتري به حرفته أو آلات حرفته ، قلت قيمة ذلك أم كثرت ، ويكون قدره بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته تقريبا . ويختلف ذلك باختلاف الحرف والبلاد والأزمان والأشخاص . وقرب جماعة من أصحابنا ذلك فقالوا : من يبيع البقل يعطى خمسة دراهم أو عشرة ، ومن حرفته بيع الجوهر يعطى عشرة آلاف درهم مثلا إذا لم يتأت له الكفاية بأقل منها . ومن كان تاجرا أو خبازا أو عطارا أو صرافا أعطي بنسبة ذلك ، ومن كان خياطا أو نجارا أو قصارا أو قصابا أو غيرهم من أهل الصنائع أعطي ما يشتري به الآلات التي تصلح لمثله ، وإن كان من أهل الضياع يعطى ما يشتري به ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام . قال أصحابنا : فإن لم يكن محترفا ولا يحسن صنعة أصلا ولا تجارة ولا شيئا من أنواع المكاسب أعطي كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلاده ولا يتقدر بكفاية سنة ، قال المتولي : وغيره : يعطى ما يشتري به عقارا يستغل منه كفايته ، قال الرافعي : ومنهم من يشعر كلامه بأنه يعطى ما ينفق عينه في مدة حياته ، والصحيح بل الصواب هو الأول ، هذا الذي ذكرناه من إعطائه كفاية عمره هو المذهب الصحيح الذي قطع به العراقيون وكثيرون من الخراسانيين ، ونص عليه الشافعي وذكر البغوي والغزالي وغيرهما من الخراسانيين أنه يعطى كفاية سنة ولا يزاد ; لأن الزكاة تتكرر كل سنة فيحصل كفايته منها سنة سنة ، وبهذا قطع أبو العباس بن القاص في المفتاح ، والصحيح الأول وهو كفاية العمر . قال الشيخ نصر المقدسي : هو قول عامة أصحابنا ، قال : وهو المذهب ، وقال الرافعي : وهو قول أصحابنا العراقيين وآخرين ، وقال صاحب البيان : هو المنصوص وقول جمهور أصحابنا .



( المسألة الثالثة ) إذا عرف لرجل مال فادعى تلفه وأنه فقير أو مسكين لم يقبل منه إلا ببينة ; لما ذكره المصنف ، وهذا لا خلاف فيه ، وفي هذه البينة وصفتها كلام سيأتي إن شاء الله تعالى في فصل المكاتب . قال الرافعي : ولم يفرقوا بين دعواه الهلاك بسبب خفي كالسرقة ، أو ظاهر كالحريق ، وإن لم يعرف مال وادعى الفقر [ ص: 177 ] أو المسكنة قبل قوله ولا يطالب ببينة بلا خلاف ; لأن الأصل في الإنسان الفقر .



( المسألة الرابعة ) إذا ادعى أنه لا كسب له ، فإن كان ظاهره عدم الكسب كشيخ هرم أو شاب ضعيف البنية ونحوهما ، قبل قوله بغير يمين بلا خلاف ; لأن الأصل والظاهر عدم الكسب ، وإن كان شابا قويا لم يكلف البينة بلا خلاف بل يقبل قوله ، وهل يحلف ؟ فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) يقبل قوله بلا يمين للحديث ; ولأن مبنى الزكاة على المسامحة والرفق ، فلا يكلف يمينا ، والقائل الآخر يتأول الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم من حالهما عدم الكسب والقدرة . وهذا تأويل ضعيف ، فإن آخر الحديث يخالف هذا ( فإن قلنا ) : يحلف ، فهل اليمين مستحبة أو شرط ؟ فيه وجهان ، فإن نكل ، فإن قلنا : شرط لم يعط وإلا أعطي . ولو قال : لا مال لي واتهمه فهو كقوله لا كسب لي فيجيء في تحليفه ما ذكرناه ، هكذا نقلوه ، وهو ظاهر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث