الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نية الطهارة عن الحدث من الوضوء والغسل والتيمم

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى ( وأما الطهارة عن الحدث من الوضوء والغسل والتيمم فلا يصح شيء منها إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم : { إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى } " ولأنها عبادة محضة طريقها الأفعال فلم تصح من غير نية كالصلاة ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث متفق على صحته ، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهو حديث عظيم ، أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام بل هو أعظمهما ، وهي أربعون حديثا . قد جمعتها في جزء ، قال الشافعي - رحمه الله - : يدخل في هذا الحديث ثلث العلم ، وقال أيضا : يدخل في سبعين بابا من الفقه . وقال غيره نحو هذه العبارة . وكان السلف يستحبون أن يبدأ كل تصنيف بهذا الحديث لكونه منبها على تصحيح النية . قال العلماء : والمراد بالحديث لا يكون العمل شرعيا يتعلق به ثواب وعقاب إلا بالنية ، ولفظة ( إنما ) للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه ، قال الخطابي : وأفاد قوله صلى الله عليه وسلم : " { وإنما لكل امرئ ما نوى } " فائدة لم تحصل بقوله : " { إنما الأعمال بالنيات } " وهي أن تعيين العبادة المنوية شرط لصحتها والله أعلم . [ ص: 355 ] وأما قول المصنف : ولأنها عبادة محضة . فالمحضة الخالصة التي ليس فيها شوب بشيء آخر ، واختلف العلماء في حد العبادة فقال الأكثرون العبادة الطاعة لله تعالى ، والطاعة موافقة الأمر ، وكذا نقل هذا عن المصنف . وذكر المصنف في كتابه في الحدود الكلامية والفقهية خلافا في العبادة فقال : العبادة والتعبد والنسك بمعنى وهو الخضوع والتذلل ، فحد العبادة ما تعبدنا به على وجه القربة والطاعة . قال : وقيل العبادة طاعة الله تعالى . وقيل ما كان قربة لله تعالى وامتثالا لأمره . قال : وهذان الحدان فاسدان ; لأنه قد يكون الشيء طاعة وليس بعبادة ولا قربة وهو النظر والاستدلال إلى معرفة الله تعالى في ابتداء الأمر . وقال إمام الحرمين في كتابه الأساليب في مسائل الخلاف هنا : العبادة التذلل والخضوع بالتقرب إلى المعبود بفعل ما أمر . وقال المتولي في كتابه في الكلام : العبادة فعل يكلفه الله تعالى عباده مخالفا لما يميل إليه الطبع على سبيل الابتلاء ، وقال الماوردي في الحاوي : العبادة ما ورد التعبد به قربة لله تعالى . وقيل أقوال أخر وفيما ذكرناه كفاية . وأما قول المصنف : ولأنها عبادة محضة ، فاحترز بالعبادة عن الأكل والنوم ونحوهما . وبالمحضة عن العدة . وقوله : طريقها الأفعال : قال صاحب البيان والقلعي وغيرهما : هو احتراز من الأذان والخطبة ، وقيل : احتراز من إزالة النجاسة ، فإن طريقها المتروك .

( وأما حكم المسألة ) فهو أن النية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم بلا خلاف عندنا .

( فرع ) قد ذكرنا أن النية شرط في صحة الوضوء والغسل والتيمم وهذا مذهبنا ، وبه قال الزهري وربيعة شيخ مالك ومالك والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود ، قال صاحب الحاوي : وهو قول جمهور أهل الحجاز ، قال الشيخ أبو حامد وغيره : ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية ، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي والحسن بن صالح ، وحكاه أصحابنا عنهما وعن زفر ، وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري : يصح الوضوء والغسل بلا نية ، ولا يصح التيمم إلا بالنية ، وهي رواية عن الأوزاعي . [ ص: 356 ] واحتج لهؤلاء بقول الله تعالى : ( { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ) الآية ، وبقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة رضي الله عنها : " { إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت } " وبأحاديث كثيرة في الأمر بالغسل من غير ذكر للنية ولو وجبت لذكرت ، ولأنها طهارة بمائع فلم تجب لها نية كإزالة النجاسة ، ولأنه شرط للصلاة لا على طريق البدل فلم يجب له نية كستر العورة .

واحترزوا عن التيمم لأنه بدل ولأن الذمية التي انقطع حيضها يحل لزوجها المسلم وطؤها بالإجماع إذا اغتسلت ، ولو وجبت النية لم تحل لأنها لم تصح منها ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : ( { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ) والإخلاص عمل القلب وهو النية والأمر به يقتضي الوجوب ، قال الشيخ أبو حامد واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : ( { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } ) لأن معناه فاغسلوا وجوهكم للصلاة ، وهذا معنى النية ، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : " { إنما الأعمال بالنيات } " لأن لفظة إنما للحصر . وليس المراد صورة العمل فإنها توجد بلا نية ، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا بالنية . ودليل آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " { وإنما لكل امرئ ما نوى } " وهذا لم ينو الوضوء فلا يكون له ، ومن القياس أقيسة : أحدها قياس الشافعي رحمه الله وهو أنها طهارة من حدث تستباح بها الصلاة فلم تصح بلا نية كالتيمم ، وقولنا : " من حدث " احتراز من إزالة النجاسة ، وقولنا : " تستباح بها الصلاة " احتراز من غسل الذمية من الحيض .

فإن قالوا : التيمم لا يسمى طهارة ، فالجواب أنه ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم : { جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا } وفي رواية في صحيح مسلم : ( وتربتها طهورا ) وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال : { الصعيد الطيب وضوء المسلم } وما كان وضوءا كان طهورا وحصلت به الطهارة . فإن قيل : التيمم فرع للوضوء ولا يجوز أن يؤخذ حكم الأصل من [ ص: 357 ] الفرع . فالجواب أنه ليس فرعا له لأن الفرع ما كان مأخوذا من الشيء ، والتيمم ليس مأخوذا من الوضوء بل بدل عنه . فلا يمتنع أخذ حكم المبدل من حكم بدله ، ولأنه إذا افتقر التيمم إلى النية مع أنه خفيف إذ هو في بعض أعضاء الوضوء فالوضوء أولى . فإن قيل : التيمم يكون تارة بسبب الحدث وتارة بسبب الجنابة فوجبت فيه النية ليتميز ، فالجواب من وجهين : ( أحدهما ) أن التمييز غير معتبر ولا مؤثر بدليل أنه لو كان جنبا فغلط وظن أنه محدث فتيمم عن الحدث أو كان محدثا فظن أنه جنب فتيمم للجنابة - صح بالإجماع .

( الثاني ) أن الوضوء أيضا يكون تارة عن البول وتارة عن النوم ، فإن قالوا : وإن اختلفت أسبابه فالواجب شيء واحد ، قلنا : وكذا التيمم وإن اختلفت أسبابه فالواجب مسح الوجه واليدين . فإن قيل : التيمم بدل وشأن البدل أن يكون أضعف من المبدل فافتقر إلى نية ككنايات الطلاق . فالجواب أن ما ذكروه منتقض بمسح الخف فإنه بدل ولا يفتقر عندهم إلى النية ، وإنما افتقرت كناية الطلاق إلى النية لأنها تحتمل الطلاق وغيره احتمالا واحدا ، والصريح ظاهر في الطلاق . وأما الوضوء والتيمم فمستويان ، بل التيمم أظهر في إرادة القربة ; لأنه لا يكون عادة بخلاف صورة الوضوء ، فإذا افتقر التيمم المختص بالعبادة إلى النية فالوضوء المشترك بينها وبين العادة أولى . فإن قيل : التيمم نص فيه على القصد وهو النية بخلاف الوضوء . فالجواب أن المراد قصد الصعيد ، وذلك غير النية .

قياس آخر : عبادة ذات أركان فوجبت فيها النية كالصلاة . فإن قالوا : الوضوء ليس عبادة ، قلنا : لا نسمع هذا ; لأن العبادة الطاعة ، أو ما ورد التعبد به قربة إلى الله تعالى ، وهذا موجود في الوضوء . وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الطهور شطر الإيمان } " فكيف يكون شطر الإيمان ولا يكون عبادة ؟ والأحاديث في فضل الوضوء وسقوط الخطايا به كثيرة مشهورة في الصحيح قد جمعتها في جامع السنة ، وكل هذا مصرح بأن الوضوء عبادة . فإن قالوا : المراد بالوضوء الذي يترتب عليه [ ص: 358 ] هذا الفضل الوضوء الذي فيه نية ، ولا يلزم من ذلك أن ما لا نية فيه ليس بوضوء . فالجواب أن الوضوء في هذه الأحاديث هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : " { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } " وذكر الأصحاب أقيسة كثيرة حذفتها كراهة للإطالة . وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية والأحاديث فمن أوجه : ( أحدها ) : جواب عن جميعها وهو أنها مطلقة مصرحة ببيان ما يجب غسله غير متعرضة للنية ، وقد ثبت وجوب النية بالآية والحديث والأقيسة المذكورات .

( والثاني ) : جواب عن الآية أن دلالتها لمذهبنا إن لم تكن راجحة فمعارضة لدلالتهم .

( الثالث ) : عن حديث أم سلمة أن السؤال عن نقض الضفائر فقط ، هل هو واجب أم لا ؟ . وليس فيه تعرض للنية . وقد عرف وجوب النية من قواعد الكتاب والسنة كما ذكرنا . وأما الجواب عن قياسهم على إزالة النجاسة أنها من باب المتروك فلم تفتقر إلى نية ، كترك الزنا وتقدم في أول الباب تقريره والاعتراض عليه وجوابه . وأما الجواب عن قياسهم على ستر العورة فهو أن ستر العورة وإن كان شرطا إلا أنه ليس عبادة محضة ، بل المراد منه الصيانة عن العيون ، ولهذا يجب ستر عورة من ليس مكلفا ولا من أهل الصلاة والعبادة كمجنون وصبي لا يميز فإنه يجب على وليه ستر عورته . وأما الجواب عن طهارة الذمية فهو أنها لا تصح طهارتها في حق الله تعالى وليس لها أن تصلي بتلك الطهارة إذا أسلمت ، هذا نص الشافعي - رحمه الله - وهو المذهب الصحيح ، وإنما يصح في حق الزوج للوطء للضرورة إذ لو لم نقل به لتعذر الوطء ونكاح الكتابية ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث