الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( فإن فضل عما يلزمه استحب له أن يتصدق ; لقوله صلى الله عليه وسلم { ليتصدق الرجل من ديناره ، وليتصدق من درهمه ، وليتصدق من صاع بره ، وليتصدق من صاع تمره } روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من أطعم جائعا أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقى مؤمنا على ظمأ سقاه الله عز وجل يوم القيامة من الرحيق المختوم ، ومن كسا مؤمنا عاريا كساه الله تعالى من خضر الجنة } ويستحب الإكثار منه في شهر رمضان ; لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في رمضان } فإن كان ممن يصبر على الإضافة استحب له التصدق بجميع ماله ; لما روى عمر رضي الله عنه قال : { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك ما عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما ، فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ فقلت : أبقيت لهم مثله ، وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ فقال : أبقيت لهم الله ورسوله ، فقلت : لا أسابقك إلى شيء أبدا } وإن كان ممن لا يصبر على الإضافة كره له ذلك ، لما روى جابر رضي الله عنه قال : { بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها من بعض المعادن ، فأتاه من ركنه الأيسر ، فقال : يا رسول الله ، خذها صدقة ، فوالله ما أصبحت أملك غيرها فأعرض عنه ، ثم جاءه من ركنه الأيمن ، فقال مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم أتاه من بين يديه ، فقال مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاتها مغضبا فحذفه بها حذفة لو أصابه لأوجعه [ ص: 232 ] أو عقره ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ، ثم يجلس بعد ذلك يتكفف الناس ، وإنما الصدقة عن ظهر غنى } ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما الحديث الأول { ليتصدق الرجل من ديناره } إلى آخره ، فصحيح رواه مسلم في صحيحه بلفظه هذا من رواية جرير بن عبد الله وهو بعض حديث ( وأما ) حديث أبي سعيد فرواه أبو داود والترمذي ، وإسناده جيد ، وحديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم بلفظه ، وحديث عمر رضي الله عنه صحيح رواه أبو داود في كتاب الزكاة ، والترمذي في المناقب ، وقال : حديث صحيح ، وحديث جابر رواه أبو داود وإسناده كله صحيح ، إلا أنه من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن عاصم بن عمر بن قتادة . ومحمد بن إسحاق مدلس والمدلس إذا قال : ( عن ) ، لا يحتج به .

( وأما ألفاظ الفصل ) فالظمأ : العطش . والرحيق : الخمر الصافية ، وخضر الجنة بإسكان الضاد أي ثيابها الخضر ، قوله : ( وكان أجود ما يكون في رمضان ) روي برفع الدال ونصبها والرفع أجود ، وحديث عمر رضي الله عنه هكذا هو في كتب الحديث كما هو في المهذب . وأما قول صاحب الوسيط في آخره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { بينكما كما بين كلمتيكما } فزيادة لا تعرف في الحديث ، وقوله : ( بينا نحن ) أي بين أوقات قعودنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله : ( من ركنه ) بضم الراء ، أي جانبه ووقع في المهذب تغيير في ترتيبه ولفظه ، والذي في سنن أبي داود { جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال يا رسول الله ، أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك ، فأعرض عنه ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته } ثم ذكر نحو الباقي . وقوله في رواية الكتاب : ( هاتها ) هو بكسر التاء فلو ولا يجوز فتحها بلا خلاف ، وقوله : ( مغضبا ) بفتح الضاد - وهو منصوب على الحال - [ ص: 233 ] وقوله : ( فحذفه بها ) ، الحاذف هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذفه بالحاء المهملة أي رماه بها ، وإنما قيدته بالحاء المهملة ; لأني رأيت من صحفه ، والصواب المعروف في كتب الحديث وغيرها حذف بالحاء المهملة . وقوله : ( لأوجعه أو عقره ) أي جرحه ، وفي رواية أبي داود ( لأوجعته أو عقرته ) ، يعني القطعة المحذوف بها ، وقوله : ( يتكفف الناس ) أي يطلب الصدقة ويتعرض لأخذ ما يكفيه ، وفي رواية أبي داود ( يستكف ) وهما صحيحان

، قال أهل اللغة : يقال فيه : تكفف واستكفف . وقوله : ( عن ظهر غنى ) قال الخطابي : معناه عن غنى يعتمده ويستظهر به على النوائب . ذكر صاحب الحاوي له معنيين ( هذا ) ، ( والثاني ) أن معناه الاستغناء عن أداء الواجبات ، والأصح ما قاله : إن المراد غنى النفس ، إنما تصلح الصدقة لمن قويت نفسه واستغنت بالله سبحانه وتعالى ، وثبت يقينه وصبر على الفقر . والله تعالى أعلم .

( أما حكم الفصل ) فقال المصنف والأصحاب والعلماء كافة : يستحب لمن فضل عن كفايته وما يلزمه شيء أن يتصدق ; لما ذكره المصنف ، ودلائله مشهورة في القرآن والسنة والإجماع ، قال الشافعي والأصحاب يستحب الإكثار من الصدقة في شهر رمضان ; للحديث المذكور . قال الشافعي والأصحاب : وهي في رمضان آكد منها في غيره للحديث ، ولأنه أفضل الشهور ، ولأن الناس يشتغلون فيه عن المكاسب بالصيام وإكثار الطاعات ، فتكون الحاجة فيه أشد . قال الماوردي : يستحب أن يوسع فيه على عياله ، ويحسن إلى ذوي أرحامه وجيرانه ، لا سيما في العشر الأواخر . قال أصحابنا : يستحب الإكثار من الصدقة عند الأمور المهمة وعند الكسوف والسفر وبمكة والمدينة ، وفي الغزو والحج والأوقات الفاضلة ، كعشر ذي الحجة وأيام العيد ونحو ذلك ، ففي كل هذه المواضع هي آكد من غيرها : قال الرافعي وغيره : وهل يستحب له التصدق بجميع الفاضل عن دينه ونفقته ونفقة عياله وسائر مؤنهم ؟ فيه ثلاثة أوجه ( أحدها ) نعم ( والثاني ) لا ( وأصحها ) إن صبر على الإضافة فنعم ، وإلا فلا ، وبهذا قطع المصنف والجمهور . والله تعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث