الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( والمستطيع بغيره اثنان ( أحدهما ) : من لا يقدر على الحج بنفسه لزمانة أو كبر ، وله مال يدفعه إلى من يحج عنه ، فيجب عليه فرض الحج ; لأنه يقدر على أداء الحج بغيره ، كما يقدر على أدائه بنفسه ، فيلزمه فرض الحج ( والثاني ) : من لا يقدر على الحج بنفسه ، وليس له مال ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج ، فينظر فيه فإن كان الولد مستطيعا بالزاد والراحلة وجب على الأب الحج ، ويلزمه أن يأمر الولد بأدائه عنه ; لأنه قادر على أداء الحج بولده كما يقدر على أدائه بنفسه وإن لم يكن للولد مال ، ففيه وجهان ( أحدهما ) : يلزمه ; لأنه قادر على تحصيل الحج بطاعته ( والثاني ) : لا يلزمه ; لأن الصحيح لا يلزمه فرض الحج من غير زاد ولا راحلة ، فالمعضوب أولى أن لا يلزمه ، وإن كان الذي يطيعه غير الولد ، ففيه وجهان ( أحدهما ) : لا يلزمه الحج بطاعته ; لأن في الولد إنما وجب عليه ; لأنه بضعة منه فنفسه كنفسه وماله كماله في النفقة وغيرها ، وهذا المعنى لا يوجد في غيره ، فلم يجب الحج بطاعته ( والثاني ) : يلزمه ، وهو ظاهر النص ; لأنه واجد لمن يطيعه ، فأشبه الولد ، وإن كان له من يجب الحج عليه بطاعته ، فلم يأذن له ، ففيه وجهان : ( أحدهما ) : أن الحاكم ينوب عنه في الإذن كما ينوب عنه إذا امتنع من إخراج الزكاة ( والثاني ) : لا ينوب عنه كما إذا كان له مال ، ولم يجهز من يحج عنه لم ينب الحاكم عنه في تجهيز من يحج عنه وإن بذل له الطاعة ، ثم رجع الباذل ففيه وجهان ( أحدهما ) : أنه لا يجوز ; لأنه لما لم يجز للمبذول له أن يرد لم يجز للباذل أن يرجع ( الثاني ) : أنه يجوز ، وهو الصحيح ; لأنه متبرع بالبذل ، فلا يلزمه الوفاء بما بذل ( وأما ) إذا بذل له [ ص: 76 ] مالا يدفعه إلى من يحج عنه ففيه وجهان : ( أحدهما ) : أنه يلزمه قبوله كما يلزمه قبول الطاعة ( والثاني ) : لا يلزمه ، وهو الصحيح ; لأنه إيجاب كسب لإيجاب الحج ، فلم يلزمه كالكسب بالتجارة )

التالي السابق


( الشرح ) : قوله : لأنه بضعة منه وهو - بفتح الباء - لا غير ، وهي قطعة من اللحم ، وأما البضع والبضعة في العدد ففيه لغتان مشهورتان - كسر الباء وفتحها - والكسر أفصح ، وبه جاء القرآن ، وأما المعضوب - فهو بالعين المهملة والضاد المعجمة - وأصل العضب للقطع ، كأنه قطع عن كمال الحركة والتصرف ، ويقال له أيضا : المعصوب - بالصاد المهملة - قال الرافعي : كأنه قطع عصبه أو ضرب عصبه . أما الأحكام فأولها بيان حقيقة المعضوب ، قال أصحابنا : من كان به علة يرجى زوالها ، فليس هو بمعضوب ، ولا يجوز الاستنابة عنه في حياته بلا خلاف ، كما سنذكره واضحا بعد هذا ، حيث ذكره المصنف إن شاء الله - تعالى - وإن كان عاجزا عن الحج بنفسه عجزا لا يرجى زواله ، لكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله . أو كان كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة إلا بمشقة شديدة ، أو كان شابا نضو الخلق لا يثبت على الراحلة إلا بمشقة شديدة أو نحو ذلك ، فهذا معضوب فينظر فيه ، فإن لم يكن له مال ولا من يطيعه ، لم يجب عليه الحج ، وإن كان له مال - ولم يجد من يستأجره ، أو وجده وطلب أكثر من أجرة المثل - لم يجب الحج ، ولا يصير مستطيعا والحالة هذه ، فلو دام حاله هكذا حتى مات ، فلا حج عليه . وإن وجد مالا ، ووجد من يستأجره بأجرة المثل لزمه الحج ، فإن استأجره وحج الأجير عنه ، وإلا فقد استقر الحج في ذمته لوجود الاستطاعة بالمال ، وهكذا إذا كان للمعضوب ولد لا يطيعه في الحج عنه ، أو يطيعه ولم يحج الولد عن نفسه لا يجب الحج على المعضوب ، وإن كان الولد يطيعه - وقد حج عن نفسه - وجب الحج على المعضوب ، ولزمه [ ص: 77 ] أن يأذن للولد في أن يحج عنه .

قال أصحابنا : وإنما يلزم المعضوب الاستنابة ، ويجب عليه الإحجاج عن نفسه في صورتين ( إحداهما ) : أن يجد مالا يستأجر به من يحج ، وشرطه أن يكون بأجرة المثل ، وأن يكون المال فاضلا عن الحاجات المشترطة فيمن يحج بنفسه ، إلا أنه يشترط هناك أن يكون المصروف إلى الزاد والراحلة فاضلا عن نفقة عياله ذهابا ورجوعا ، وهنا لا يشترط إلا كونه فاضلا عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار خاصة . وفيه وجه ضعيف ذكره إمام الحرمين والبغوي وغيرهما ، أنه يشترط أن يكون فاضلا عن ذلك مدة ذهاب الأجير كما لو حج بنفسه . والمذهب أنه لا يشترط ذلك كما في الفطرة والكفارة ، بخلاف من يحج بنفسه ، فإنه إذا لم يفارق ولده أمكنه تحصيل نفقاتهم ، ثم إن وفى ما يجده بأجرة راكب ، فقد استقر الحج عليه ، وإن لم يف إلا بأجرة ماش ، ففي وجوب الاستئجار وجهان ( أحدهما ) : لا يجب ، كما لا يجب على عاجز عن الراحلة ( وأصحهما ) : يجب ; إذ لا مشقة عليه في مشي الأجير ، بخلاف من يحج بنفسه ، وقد سبق أنه لو طلب الأجير أكثر من أجرة المثل لا يجب الحج ; لأن وجود الأجير بأكثر من أجرة المثل كعدمه كما في نظائر المسألة ، ولو رضي الأجير بأقل من أجرة المثل ، ووجد المعضوب ذلك لزمه الحج ; لأنه مستطيع ، وليس في ذلك كثير منة . وإذا تمكن من الاستئجار بشرطه ، فلم يستأجر ، فهل يستأجر عنه الحاكم لامتناعه أم لا ؟ فيه وجهان مشهوران : ( أصحهما ) : لا ; لأن الحج على التراخي ، فيصير كما لو امتنع القادر من تعجيل الحج ( والثاني ) : يستأجر عنه كما يؤدي زكاة الممتنع ، هكذا علله المصنف والجمهور .

وقال المتولي : إذا لزمه الحج ، فلم يحج حتى صار معضوبا ، فهل يلزمه الحج على الفور ؟ أم يبقى على التراخي ؟ فيه وجهان إن قلنا : على الفور فامتنع ، استأجر الحاكم عنه وإلا ، فلا ( الصورة الثانية ) : لوجوب [ ص: 78 ] الحج على المعضوب أن لا يجد المال ، لكن يجد من يحصل له الحج ، وله أحوال : ( أحدها ) : أن يبذل له أجنبي مالا ليستأجر به ، ففي وجوب قبوله الوجهان اللذان ذكرهما المصنف في آخر الفصل ( أصحهما ) : عند المصنف والأصحاب لا يلزمه ، وادعى المتولي الاتفاق عليه ( والثاني ) : يلزمه ويستقر به الحج على هذا في ذمته ، ودليلهما في الكتاب ( الثاني ) : أن يبذل واحد من بنيه أو بناته أو أولادهم وإن سفلوا الإطاعة في الحج عنه ، فيلزمه الحج بذلك وعليه الإذن للمطيع ، هذا هو المذهب ونص عليه الشافعي في جميع كتبه ، واتفق عليه الأصحاب في جميع الطرق ، إلا السرخسي فحكى في الأمالي وجها عن حكاية أبي طاهر الزيادي من أصحابنا ، أنه لا يلزم المطاع الحج بذلك ، وهذا غلط والصواب اللزوم ، وسنوضح دليله في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله - تعالى ، قال أصحابنا : وإنما يصير الحج واجبا على المطاع بأربعة شروط ( أحدها ) : أن يكون المطيع ممن يصح منه فرض حجة الإسلام ، بأن يكون مسلما بالغا عاقلا حرا ( والثاني ) : أن يكون المطيع قد حج عن نفسه ، وليس عليه حجة واجبة عن إسلام أو قضاء أو نذر ( والثالث ) : أن يكون موثوقا بوفائه بطاعته ( والرابع ) : ألا يكون معضوبا ، هكذا ذكر هذه الشروط الأصحاب في الطريقين ، واتفقوا عليها إلا الدارمي فقال : إذا كان على المطيع حج ففي وجوب الحج على المطاع وجهان : ( الصحيح ) لا يلزمه كما قال الأصحاب ( والثاني ) : يلزمه ويلزم المطيع الحج عن نفسه ، ثم عن المطاع ، وهذا شاذ ضعيف .

قال أصحابنا : ولو شك في طاعة الولد لم يلزمه الحج بلا خلاف للشك في حصول الاستطاعة ، ولو توسم فيه أمر الطاعة وظنها ، فهل يلزمه أن يأمره بالحج ؟ فيه وجهان حكاهما المتولي والبغوي والشاشي ( الصحيح ) : المنصوص يلزمه لحصول الاستطاعة ، وبهذا قطع القاضي أبو الطيب وآخرون ( والثاني ) : لا يلزمه ما لم يصرح بالطاعة ; لأن الظن قد يخطئ [ ص: 79 ] فلا يتحقق القدرة بذلك ، قال المتولي : وهذا اختيار القاضي حسين ، ولو بذل المطيع الطاعة وجب على الوالد المطاع أن يأذن له في ذلك ، فإن لم يأذن ألزمه الحاكم بذلك فإن أصر على الامتناع ، فهل ينوب الحاكم عنه ؟ فيه وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما ( الصحيح ) : لا ; لأن الحج على التراخي : قال الدارمي : قال ابن القطان : هذا قول ابن أبي هريرة ( والثاني ) : قول أبي إسحاق المروزي . وإذا اجتمعت شروط وجوب الحج بالطاعة ، فمات المطيع قبل أن يأذن له أو رجع عن الطاعة - وصححنا رجوعه ، فإن مضى بعد وجود الشرط زمن إمكان الحج - استقر وجوب الحج في ذمة الميت ، وإلا فلا ، ولو كان له من يطيعه ، ولم يعلم بطاعته ، فهو كما لو كان له مال موروث ، ولم يعلم به ، وهكذا أطلقه الشيخ أبو حامد وآخرون ، ولم يذكروا حكمه ، قال ابن الصباغ والمتولي وصاحب العدة : هو كمن فقد الماء في رحله وصلى بالتيمم ، والمذهب وجوب إعادة الصلاة ، ومعنى هذا أنه يجيء هنا خلاف كذلك الخلاف فيكون الصحيح أنه يجب الحج ، ولا يعذر بالجهل ; لأنه مقصر ( والثاني ) : يعذر ولا يجب عليه الحج ، وقال الشاشي في المعتمد هو شبيه بالمال الضال في الزكاة والمذهب وجوبها فيه .

قال الرافعي : ولك أن تقول : لا يجب بمال مجهول ; لأنه متعلق بالاستطاعة ، ولا استطاعة مع عدم العلم بالمال والطاعة ، قال المتولي : ولو ورث المعضوب مالا ولم يعلمه حتى مات ، ففي وجوب قضاء الحج من تركته هذا الخلاف ، قال : وكذا لو كان له من يطيعه ، ولم يعلم به حتى مات . ولو بذل الولد الطاعة ثم أراد الرجوع - فإن كان بعد إحرامه - لم يجز بلا خلاف ، وإن كان قبله فوجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما ( أصحهما ) : له ذلك ; لأنه تبرع بشيء لم يتصل به الشروع ، فإن كان رجوعه قبل حج أهل بلده تبينا أنه لا حج على المطاع ، هكذا أطلق المصنف والأصحاب الوجهين وقال الدارمي : الوجهان إذا بذل الطاعة [ ص: 80 ] وقبلها الوالد ، فأما إذا بذلها ، ولم يقبل الوالد ولا الحاكم - إذا قلنا : يقوم مقامه عند الامتناع - فللباذل الرجوع .

( الحال الثالث ) : أن يبذل الأجير الطاعة ، فيجب قبولها على أصح الوجهين وهو ظاهر نص الشافعي ، كما ذكره المصنف وجها واحدا ، وهذا الذي قاله ظاهر ، وكلام الأصحاب محمول على الرجوع ( والثاني ) : لا يجب والأخ كالأجنبي مطيعا ; لأن استخدامه يثقل على الإنسان كاستخدام الأجنبي بخلاف الولد ( وأما ) ابن الأخ والعم وابن العم فكالأخ ( وأما ) الجد والأب فالمذهب أنهما كالأخ وبهذا قطع الجمهور ، وهو المنصوص في الأم والإملاء ، وقيل : هما كالولد لاستوائهما في النفقة والعتق بالملك . ومنع الشهادة ونحوها حكاه المتولي وغيره ، والمذهب الأول بعد القبول . والله أعلم . قال الدارمي : ولو رجع فاختلفا فقال الأب : رجعت بعد قبول ، وقال الابن : بل قبله ، فأيهما يصدق ؟ يحتمل وجهين ( واعلم ) أن ما صححناه من الوجهين في أصل المسألة ، وهو جواز الرجوع قبل الإحرام هو الصحيح عند المصنف وجماهير الأصحاب في الطريقين وشذ الماوردي فصحح منع الرجوع وفرق بينه وبين بذل الماء للمتيمم ، ثم رجع قبل قبضه بأن للماء بدلا وهو التيمم والله أعلم .

( الحال الرابع ) : أن يبذل له الولد المال ، فهل يجب قبوله والحج ؟ فيه وجهان مشهوران ، وذكر المصنف دليلهما ( أصحهما ) : لا يجب ; لأنه مما يمن به بخلاف خدمته بنفسه ، والوجهان مرتبان على بذل الأجنبي المال ، فإن أوجبنا القبول من الأجنبي ، فالولد أولى وإلا فوجهان ( الأصح ) : لا يجب ، ولو بذل المال للمعضوب أبوه ، فهل هو كبذل الأجنبي ؟ أم كبذل الولد ؟ فيه احتمالان ذكرهما إمام الحرمين ( أصحهما ) : كالولد لعدم المنة بينهما غالبا ، وهذا الذي ذكرناه في بذل الطاعة كله مفروض فيما إذا كان الباذل يحج راكبا ، فلو بذل الابن ليحج ماشيا ففي لزوم القبول وجهان ( أصحهما ) : لا يلزم ، قال الشيخ أبو محمد الجويني وغيره : هما مرتبان [ ص: 81 ] على الوجهين في وجوب استئجار الماشي وهنا الأولى منع الوجوب ; لأنه يشق عليه مشي ولده ، وفي معناه الولد إذا أطاع - وأوجبنا قبوله - ولا يجيء الترتيب إذا كان المطيع أجنبيا ، فالحاصل أن الأصح أنه لا يجب القبول إذا كان المطيع ماشيا أبا أو ولدا ويجب إذا كان أجنبيا . وإذا أوجبنا القبول - والمطيع ماش - فذلك إذا كان له زاد ، فإن لم يكن وعول على الكسب في طريقه ، ففي وجوب القبول وجهان ، حكاهما إمام الحرمين وغيره ; لأن الكسب قد ينقطع ، فإن لم يكن مكتسبا وعول على السؤال ، قال الإمام : فالخلاف قائم على الترتيب ، وأولى بأن لا يجب ، قال : فإن احتاج إلى ركوب مفازة ليس بها كسب ولا سؤال ينفع ، لم يجب القبول بلا خلاف ; لأنه يحرم التغرير بالنفس على الابن المطيع ، فإذا حرم ذلك عليه استحال وجوب استنابته والحالة هذه وذكر المصنف والجمهور في اشتراط الزاد والراحلة للمطيع وجهين من غير ترتيب ، وعلل المتولي الوجوب بأن المطاع صار قادرا فلزمه الحج كمن كان معه مال ، ولا يكفيه لحج فرض ، ووجد من يحج بذلك المال ، يلزمه الاستئجار لتمكنه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث