الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وتجوز النيابة في حج الفرض في موضعين ( أحدهما ) : في حق الميت إذا مات وعليه حج ، والدليل عليه حديث بريدة ( والثاني ) : في حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير معتادة ، كالزمن والشيخ الكبير ، والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنه { أن امرأة من خثعم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده ، أدركت أبي شيخا كبيرا ، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم ، قالت أينفعه ذلك ؟ قال : نعم ، كما لو كان على [ ص: 96 ] أبيك دين فقضيته نفعه } ; ولأنه أيس من الحج بنفسه فناب عنه غيره كالميت ، وفي حج التطوع قولان ( أحدهما ) : لا يجوز ; لأنه غير مضطر إلى الاستنابة فيه ، فلم تجز الاستنابة فيه كالصحيح ( والثاني ) : أنه يجوز ، وهو الصحيح ; لأن كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها كالصدقة ، فإن استأجر من يتطوع عنه ، وقلنا : لا يجوز ، فإن الحج للحاج ، وهل يستحق الأجرة ؟ فيه قولان ( أحدهما ) : أنه لا يستحق ، لأن الحج قد انعقد له ، فلا يستحق الأجرة كالصرورة ( والثاني ) : يستحق ; لأنه لم يحصل له بهذا الحج منفعة ; لأنه لم يسقط به عنه فرض ولا حصل له به ثواب بخلاف الصرورة ، فإن هناك قد سقط عنه الفرض .

( فأما ) الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة ، فلا تجوز النيابة عنه في الحج ; لأن الفرض عليه في بدنه ، فلا ينتقل الفرض إلى غيره إلا في الموضع الذي وردت فيه الرخصة ، وهو إذا أيس وبقي فيما سواه على الأصل ، فلا تجوز النيابة عنه فيه ( وأما ) المريض ، فينظر فيه ، فإن كان غير مأيوس منه لم يجز أن يحج عنه غيره ; لأنه لم ييأس من فعله بنفسه ، فلا تجوز النيابة عنه فيه كالصحيح فإن خالف وأحج عن نفسه ثم مات ، فهل يجزئه عن حجة الإسلام ؟ فيه قولان ( أحدهما ) : يجزئه ; لأنه لما مات تبينا أنه كان مأيوسا منه ( والثاني ) : لا يجزئه ; لأنه أحج وهو غير مأيوس منه في الحال ، فلم يجزه ، كما لو برئ منه ، وإن كان مريضا مأيوسا منه جازت النيابة عنه في الحج ; لأنه مأيوس منه فأشبه الزمن والشيخ الكبير ، فإن أحج عن نفسه ثم برئ من المرض ، ففيه طريقان ( أحدهما ) : أنه كالمسألة التي قبلها ، وفيها قولان ( والثاني ) : أنه يلزمه الإعادة قولا واحدا ; لأنا تبينا الخطأ في الإياس ، ويخالف ما إذا كان غير مأيوس منه فمات ، لأنا لم نتبين الخطأ ; لأنه يجوز أنه لم يكن مأيوسا منه ، ثم زاد المرض ، فصار مأيوسا منه ، ولا يجوز أن يكون مأيوسا منه ، ثم يصير غير مأيوس منه )

التالي السابق


( الشرح ) : حديث بريدة وحديث ابن عباس صحيحان سبق بيانهما قريبا ، وحديث ابن عباس سبق في فرع مذاهب العلماء في حج المعضوب أن البخاري ومسلما روياه ، وليس فيه الزيادة التي في آخره ، وهناك سبق بيان لفظه في الصحيحين ، وقد استدل المصنف بهذا الحديث على الحج عن الحي المعضوب ، وكذلك احتج به جميع الأصحاب هنا وغيرهم من العلماء ، وترجم له ابن ماجه والبيهقي وخلائق من المحدثين ( باب الحج عن الحي المعضوب أو العاجز ) ونحو هذه العبارة ، واحتج به المصنف في آخر باب الأوصياء على جواز الحج عن الميت ، وكذا احتج به الغزالي [ ص: 97 ] ومن تابعهما ، وقد ينكر ذلك ويمكن الجواب عنهم بأنه إذا ثبت جوازه عن الحي المعضوب بهذا الحديث ، كان جوازه عن الميت أولى ، فيكون الاستدلال به للميت من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى والله أعلم .

( وقوله ) كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها ، كالصدقة ، ينتقض بالصوم عن الميت ، فإنه تجوز النيابة فيه في الفرض على القول القديم ، وهو المختار ، كما سبق ، ولا تجوز في النفل بلا خلاف ( وقوله : ) كالصرورة هو - بفتح الصاد المهملة - وهو الذي لم يحج حجة الإسلام ، وقد ثبت في سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا صرورة في الإسلام } قال العلماء : لا يبقى أحد في الإسلام بلا حجة ولا يحل لمستطيع تركه .

( وأما ) قوله : ولا حصل له ثواب ، هكذا قاله المتولي وصاحب البيان وآخرون ، والمختار حصول الثواب له بوقوع الحج له ( وقوله ) لم ييأس هو بفتح الهمزة وكسرها لغتان مشهورتان ( وقوله ) برئ بفتح الراء وفيه لغتان أخريان سيأتي متعلقة باللفظ في باب التيمم ( قوله ) الإياس بكسر الهمزة ويقال : بفتحها والأحسن اليأس . أما الأحكام ففيها مسائل ( إحداها ) : قال الشافعي والأصحاب : تجوز النيابة في حج الفرض المستقر في الذمة في موضعين : ( أحدهما ) المعضوب ( والثاني ) : الميت وسبق بيان المعضوب ، ودليلهما في الكتاب .

( فأما ) حج التطوع فلا تجوز الاستنابة فيه عن حي ليس بمعضوب ، ولا خلاف بين جمهور الأصحاب في عدم جوازه ، ولا عن ميت لم يوص به بلا خلاف ، نقل الاتفاق عليه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وآخرون وهل يجوز عن ميت أوصى به أو حي معضوب استأجر من يحج عنه ؟ فيه قولان مشهوران منصوصان للشافعي في الأم ذكر المصنف دليلهما ، واختلف أصحابنا في أصحهما فقال الجمهور : ( أصحهما ) : الجواز ، [ ص: 98 ] وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد ، وممن نص على تصحيحه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في المجرد والمصنف هنا والبغوي والرافعي وآخرون وصحح المحاملي في المجموع المنع ، والجرجاني في التحرير والشاشي ، قال ابن الصباغ وآخرون ما ذكره القائل بالمنع من أنه إنما جاز الاستنابة في الفرض للضرورة ولا يجوز في النفل ، فيلتبس بالتيمم ، فإنه جوز في الفرض للحاجة ، ويجوز أيضا في النفل ، وقد سبق في المتيمم والمستحاضة وجه شاذ أنهما لا يفعلان النفل أبدا تخريجا من هذا القول والله أعلم .

( وأما ) الحجة الواجبة بقضاء أو نذر ، فيجوز النيابة فيها عن الميت والمعضوب بلا خلاف عندنا ، كحجة الإسلام لكن لا يجوز عن المعضوب إلا بإذنه ويجوز عن الميت بإذنه وبغير إذنه ، ويجوز من الوارث والأجنبي سواء أذن له الوارث أم لا بلا خلاف وقد سبق بيان هذا ، ولو لم يكن للميت حج ولا لزمه حج لعدم الاستطاعة ، ففي جواز الإحجاج عنه طريقان حكاهما إمام الحرمين وغيره ( أحدهما ) : القطع بالجواز لوقوعه واجبا .

( والثاني ) : أنه على القولين كالتطوع ; لأنه لا ضرورة إليه . قال أصحابنا : فإذا قلنا : تجوز النيابة في حج التطوع عن الميت والمعضوب جاز حجتان وثلاث وأكثر ، ممن صرح به صاحب البيان ، قال أصحابنا : وإذا جوزناه جاز أن يكون الأجير عبدا أو صبيا ; لأنهما من أهل التبرع بخلاف حجة الإسلام ، فإنه لا يجوز استئجارهما فيها ، وهل يجوز استئجارهما في حجة النذر ؟ قال الرافعي : إن قلنا : يسلك بالنذر مسلك جائز التبرع جاز وإلا فلا ، قال أصحابنا : إذا صححنا النيابة في حج التطوع استحق الأجير الأجرة المسماة بلا خلاف [ وإن لم نجوز الاستئجار وقع الحج عن الأجير ولم يستحق المسمى ] ، وهل يستحق أجرة المثل ؟ فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) : لا يجزئه ( والثاني ) : يجزئه ، هكذا أطلق المصنف والأصحاب الصورة ، والظاهر أن مرادهم إذا مات بذلك المرض ، فلو مات فيه بسبب عارض بأن [ ص: 99 ] قتل أو لسعته حية ونحوها أو وقع عليه سقف ونحو ذلك لم يجزئه قولا واحدا ; لأنا لم نتبين كون المرض غير مرجو الزوال .

( أما ) إذا كان المرض والعلة غير مرجو الزوال ، فله الاستنابة ، فإن حج النائب واتصل بالموت أجزأه عن حجة الإسلام ، وإن شفي فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أحدهما ) القطع بعدم الإجزاء ، وهو نصه في الأم ( وأصحهما ) : فيه القولان كالصورة التي قبلها ( أصحهما ) : لا يجزئه ( فإن قلنا ) في الصورتين : يجزئه استحق الأجير الأجرة المسماة ( وإن قلنا ) لا يجزئه فعمن يقع الحج ؟ فيه وجهان : ( أصحهما ) : عند الجمهور يقع عن الأجير تطوعا ; لأن المستأجر لا يجوز أن يحصل له تطوع وعليه فرض ( وأصحهما ) عند الغزالي يقع عن تطوع المستأجر ويكون هذا غررا في وقوع النفل قبل الفرض كالرق والصبا والمذهب الأول ، وبه قطع كثيرون .

( فإن قلنا ) يقع عن الأجير ، فهل يستحق أجرة ؟ فيه قولان مشهوران في الطريقين ، قال البغوي والرافعي : ( أصحهما ) : لا يستحق ; لأن المستأجر لم ينتفع بها ( والثاني ) : يستحق ; لأنه عمل له في اعتقاده ، قال أصحابنا : وهذان القولان مبنيان على أن الأجير إذا أحرم عن المستأجر ثم صرف الإحرام إلى نفسه لا ينصرف ، بل يبقى للمستأجر ، وهل يستحق الأجرة ؟ فيه قولان مشهوران ( أصحهما ) : باتفاق الأصحاب يستحق ; لأن حجه وقع عن المستأجر فرضا كأنه لم يصرفه ( والثاني ) : لا يستحق شيئا ; لأنه لم يعمل له في اعتقاده ، والفرق في الصورتين في الأصح حيث قلنا : الأصح في هذه الثانية المبني عليها أنه يستحق الأجرة ، والأصح في الأولى المبنية لا يستحق ; لأن في الثانية وقع الحج فرضا عن المستأجر كما استأجره ، وفي الأولى لم يقع عنه .

وقاس أصحابنا وجوب الأجرة على الأصح في صورة صرف الإحرام إلى نفس الأجير ، على ما إذا استأجره إنسان ليبني له حائطا فبناه الأجير ، معتقدا أن الحائط لنفسه فبان للمستأجر ، فإنه يستحق عليه الأجرة قولا [ ص: 100 ] واحدا ، والفرق على القول الضعيف أن الأجير في صرف الإحرام جائر مخالف ، وإن كان لا ينصرف ، بخلاف الثاني ، فإن قلنا في أصل مسألتنا : يستحق الأجرة ، فهل هي المسمى ؟ أم أجرة المثل ؟ فيه وجهان حكاهما البغوي ، وغيره ( أحدهما ) : المسماة ; لأن العقد لم يبطل ( والثاني ) : أجرة المثل ; لأن العقد يتعين عما عقد عليه ، وهذا أصح ( وإن قلنا : ) عن المستأجر استحق الأجير الأجرة قولا واحدا ، وهل هي أجرة المثل أم المسمى ؟ ( الصحيح ) : أنها المسمى ، وهو ظاهر كلام البغوي والأكثرين ، وقال الشيخ أبو محمد : لا يبعد تخريجه على الوجهين .

( فرع ) : قد ذكرنا أنه إذا كان مريضا غير مأيوس ، منه لا يجوز أن يستنيب ، ولو استناب ومات لا يجزئه على أصح القولين ، قال الماوردي : هذا إذا مات بعد حج الأجير ، فإن مات قبل حج الأجير أجزأه ووقع عن حجة الإسلام ، ويجري القولان فيما لو تفاحش ذلك المرض ، فصار مأيوسا منه ، صرح به صاحب الشامل والمتولي وصاحب البيان وآخرون .

( فرع ) : يعرف كون المريض مأيوسا منه بقول مسلمين عدلين من أهل الخبرة ذكره . . . وينبغي أن يجيء فيه الخلاف السابق في باب التيمم أنه هل يشترط العدد في كون المرض بهذه الصفة ؟ ويمكن أن يفرق بسهولة أمر التيمم .

( فرع ) : الجنون غير مأيوس من زواله ، قال صاحب الشامل والأصحاب : فإذا وجب عليه الحج ، ثم جن لا يستناب عنه ، فإذا مات حج عنه ، وإن استناب وحج عنه في حال حياته ، ثم أفاق لزمه الحج قولا واحدا كما سبق في المريض إذا شفي ، وإن استمر جنونه حتى مات قال صاحب الشامل : فينبغي أن يكون على القولين في المريض إذا اتصل مرضه بالموت .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث