الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى ( وإن تطيب أو لبس المخيط في شيء من بدنه أو غطى رأسه أو شيئا منه أو دهن رأسه أو لحيته وجب عليه ما يجب في حلق الشعر لأنه ترفه وزينة فهو كالحلق وإن تطيب ولبس وجبت لكل واحد منهما كفارة . لأنهما جنسان مختلفان وإن لبس ومس طيبا وجب كفارة واحدة ، لأن الطيب تابع للثوب فدخل في ضمانه ، وإن لبس ثم لبس أو تطيب ثم تطيب ، في أوقات متفرقة ، ففيه قولان : ( أحدهما ) تتداخل لأنها جنس واحد ، فأشبه إذا كانت في وقت واحد ، ( والثاني ) لا تتداخل لأنها في أوقات مختلفة فكان لكل وقت من ذلك حكم نفسه وإن حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات فهي على القولين ، إن قلنا : تتداخل لزمه دم ، وإن قلنا : لا تتداخل وجب لكل شعرة مد وإن حلق تسع شعرات في ثلاثة أوقات فعلى القولين إن قلنا : لا تتداخل لزمه ثلاثة دماء ، وإن قلنا : تتداخل لزمه دم واحد ) .

التالي السابق


( الشرح ) فيه مسائل : ( إحداها ) إذا تطيب في بدنه أو ثوبه أو لبس المخيط في بدنه ، أو غطى رأسه أو شيئا منه ، أو دهن رأسه أو لحيته ، أو باشر فيما دون الفرج بشهوة ، لزمه الفدية بلا خلاف عندنا ، سواء طيب [ ص: 390 ] عضوا كاملا أو بعضه ، وسواء استدام اللبس يوما أو ساعة أو لحظة ، وسواء ستر الرأس ساعة أو لحظة ، فتجب الفدية في كل ذلك بلا خلاف عندنا ، وفي هذه الفدية ثلاث طرق : ( أصحها ) وبه قطع المصنف والأكثرون أنها كفدية الحلق فيتخير بين شاة وصوم ثلاثة أيام وإطعام ثلاثة آصع كما سبق ، ( والثاني ) ذكره أبو علي الطبري في الإيضاح وآخرون من العراقيين ، فيه قولان : ( أحدهما ) أنه كالمتمتع فيلزمه الهدي ، فإن لم يجده لزمه صوم عشرة أيام كما سبق ، ( والثاني ) يلزمه الهدي ، فإن لم يجده قومه دراهم ، والدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما ، ( والطريق الثالث ) فيه أربعة أوجه : ( أصحها ) أنه كالحلق لاشتراكهما في الترفه ، ( والثاني ) أنه مخير بين شاة وبين تقويمها ، ويخرج قيمتها طعاما أو يصوم عن كل مد يوما ، ( والثالث ) تجب شاة فإن عجز عنها لزمه الطعام بقيمتها ، ( والرابع ) كالمتمتع كما سبق



( المسألة الثانية ) إذا تطيب ولبس في مجلس قبل أن يكفر عن الأول منهما أو فعلهما معا ، ففيه ثلاثة أوجه مشهورة في كتب العراقيين وغيرهم : ( أصحها ) باتفاق الأصحاب تجب فديتان لما ذكره المصنف .

قال القاضي أبو الطيب : هذا قول أكثر أصحابنا ، قال الماوردي : هو مذهب الشافعي ومنصوصه ، ( والثاني ) تجب فدية واحدة ، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لأنهما استمتاع فتداخلا كما لو لبس قميصا وعمامة ، ( والثالث ) وهو قول أبي سعيد الإصطخري إن اتحد سببهما بأن أصابته شجة واحتاج في مداواتها إلى طيب وسترها لزمه فدية واحدة ، وإن لم يتحد السبب ففديتان ، والمذهب الأول . قال أصحابنا وما قال أبو علي وأبو سعيد غلط ، ومنتقض بالحلق والقلم .

( الثالثة ) إذا لبس ثوبا مطيبا أو طلى رأسه بطيب ثخين بحيث يغطي بعضه بعضا فطريقان : ( المذهب ) وجوب فدية واحدة وبه قطع المصنف [ ص: 391 ] والجمهور ونص عليه الشافعي ، ( والثاني ) نقله صاحب البيان ( إن قلنا ) بقول ابن أبي هريرة السابق في المسألة الثانية أن الطيب واللباس جنس لزمه فدية ، ( وإن قلنا ) بالمذهب إنهما جنسان فوجهان : ( أصحهما ) فدية لأنه تابع ، ( والثاني ) فديتان .



( الرابعة ) إذا لبس ثم لبس ، أو تطيب ثم تطيب ، أو قبل امرأة ثم قبلها فإن كان في مجلس واحد ولم يكفر عن الأول بأن لبس قميصا ثم سراويل ثم عمامة أو كرر واحدا منها في المجلس مرات أو تطيب بمسك ثم زعفران ثم كافور أو كرر إحداها في المجلس مرات ، أو قبل امرأة ثم أخرى ثم أخرى ، أو كرر قبلة امرأة واحدة ، وفعل هذا كله في مجلس قبل أن يكفر ، لزمه كفارة واحدة ، سواء طال زمنه في معالجة لبس القميص والسراويل ، ولف العمامة واستعمال الطيب . ومحاولة المرأة في القبلة ، ونحو ذلك أو قصر فيكفر كفارة واحدة مطلقا بشرط أن يكون الفعل متواليا لأنه كالفعل الواحد ، ( أما ) إذا كفر عن الأول قبل الثاني فيلزمه للثاني كفارة أخرى بلا خلاف ، لأن الأول استقر حكمه بالتكفير ، كما لو زنى فحد ثم زنى فإنه يحد ثانيا ، وإن فعل ذلك في مجالس أو في مجلسين وتخلل زمان طويل من غير توالي الأفعال نظرت - فإن فعل الثاني بعد التكفير عن الأول - لزمه الثاني كفارة أخرى بلا خلاف ، لأن الأول استقر حكمه بالتكفير ، وإن فعل الثاني قبل التكفير عن الأول فإن كان السبب واحدا بأن لبس في المرتين أو المرات للبرد أو للحر أو تطيب لمرض واحد مرات ، فقولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما : ( الأصح ) الجديد : لا تتداخل فيجب لكل مرة فدية ، ( والقديم ) تتداخل ويكفي فدية عن الجميع ، ولو كان مائة مرة . وإن تكرر الفعل بسببين أو أسباب مختلفة ، بأن لبس بكرة للبرد ، وعشية للحر ، ونحو ذلك فطريقان حكاهما الشيخ أبو حامد والأصحاب [ ص: 392 ] أحدهما ) تجب فديتان قطعا ، ويجعل اختلاف السبب كاختلاف الجنس ، ( والثاني ) وهو المذهب وبه قطع كثيرون ، فيه قولان ، كما لو اتحد السبب ، لأن الشافعي - رحمه الله - لم يعتبر اختلاف السبب وإنما اعتبر ، اختلاف الجنس .

قال أصحابنا الخراسانيون ومن تابعهم : حيث قلنا : يكفيه للجميع فدية واحدة فارتكب محظورا أو أخرج الفدية ونوى بإخراجها التكفير عما فعله وما سيفعله من جنسه ، ففيه خلاف مبني على جواز تقديم التكفير على الحنث المحظور ، إن متعناه فلا أثر لهذه ألبتة ، فيقع التكفير عن الأول فقط ويجب التكفير ثانيا عن الثاني وإن جوزناه فوجهان : ( أحدهما ) أن الفدية كالكفارة في جواز التقديم فلا يلزمه للثاني شيء ، ( والثاني ) لا يجزئه عن الثاني مطلقا ، لأنه لم يوجد سبب الثاني ولا شيء منه بخلاف كفارة اليمين وهي أحد السببين .



( الخامسة ) إذا حلق شعر رأسه كله - فإن كان في وقت واحد - لزمه فدية واحدة ، وإن طال الزمان في فعله كما قلنا في اللبس ، وكما لو حلف لا يأكل في اليوم إلا مرة واحدة ، فوضع الطعام وجعل يأكل لقمة لقمة من بكرة إلى العصر ، فإنه لا يحنث . وإن كان ذلك في أمكنة أو في مكان واحد في أوقات متفرقة فطريقان : ( أصحهما ) وبه قطع الشيخ أبو حامد وآخرون : تتعدد الفدية ، فيفرد كل مرة بحكم ، فإن كانت كل مرة ثلاث شعرات فصاعدا وجب لكل مرة فدية ، وهي شاة ، أو صوم ثلاثة أيام ، أو إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين ، وإن كانت شعرة أو شعرتين ففيها الأقوال السابقة : ( الأصح ) في كل شعرة مد ، ( والثاني ) درهم ، ( والثالث ) ثلث دم ، ( والرابع ) دم كامل ، ( والطريق الثاني ) وبه قطع المصنف وشيخه أبو الطيب ومن وافقهما أنه على القولين السابقين في المسألة الرابعة ، فيمن كرر لبسا أو تطيبا ( إن قلنا ) بالقول [ ص: 393 ] القديم وهو التداخل لزمه دم ويصير كأنه فعل الجميع في مجلس متواليا ، ( وإن قلنا ) : لا تداخل لزمه ثلاثة دماء . ( أما ) إذا حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أمكنة ، أو ثلاث أزمنة متفرقة ، ففيه الطريقان : ( أصحهما ) طريق أبي حامد وموافقيه أنه يفرد كل شعرة بحكمها ، وفيها الأقوال السابقة : ( أصحها ) في كل شعرة مد فيجب ثلاثة أمداد ، ( والثاني ) درهم ، فيجب ثلاثة دراهم ، ( والثالث ) ثلث دم ، فيجب دم كامل ، وعلى القول الرابع الذي حكاه صاحب التقريب أنه يجب في الشعرة دم كامل : يجب هنا ثلاثة دماء ، ( والطريق الثاني ) طريق المصنف وشيخه ( إن قلنا ) : بالتداخل وجب دم ، وإلا ففيه الأقوال الأربعة ، واقتصر المصنف منها على الأصح ، وهو وجوب ثلاثة أمداد ، ولا بد من جريان باقي الأحوال ، وقد صرح به الأصحاب والله أعلم .

( أما ) إذا أخذ ثلاث شعرات في وقت واحد من ثلاثة مواضع من بدنه فطريقان : ( الصحيح ) الذي قطع به الأصحاب في معظم الطرق أنه كما لو أخذها من موضع واحد فيلزمه دم ، وهو مخير بين شاة وصوم ثلاثة أيام ، وثلاثة آصع ، ( والطريق الثاني ) فيه وجهان : ( أحدهما ) هذا ، ( والثاني ) أنه كما لو أزالها في ثلاثة أوقات ، فيكون على الخلاف السابق ، وهذا الطريق حكاه النوراني في الإبانة ، ونقله عنه إمام الحرمين وصاحب العمدة وصاحب البيان ، واتفقوا على تضعيف الوجه الثاني ، والله أعلم .

قال أصحابنا : وأخذ الأظفار في مجالس كأخذ الشعرات في مجلس ، فيجيء فيه ما سبق ، والله أعلم



( فرع ) فيما إذا فعل المحرم محظورين فأكثر ، هل تتداخل الفدية ؟ وقد ذكرنا الآن معظمه فنعيده مع ما بقي مختصرا ، فينضبط إن شاء الله - تعالى - . قال أصحابنا : المحظورات تنقسم إلى استهلاك كالحلق والقلم والصيد ، وإلى استمتاع وترفه ، كالطيب واللباس ومقدمات الجماع ، فإذا [ ص: 394 ] فعل محظورين فله ثلاثة أحوال : ( أحدها ) أن يكون أحدهما استهلاكا ، والآخر استمتاعا ، فينظر إن لم يستند إلى سبب واحد كالحلق ولبس القميص تعددت الفدية ، كالحدود المختلفة ، وإن استند إلى سبب كمن أصاب رأسه شجة واحتاج إلى حلق جوانبها وسترها بضماد ، وفيه طيب ففي تعدد الفدية وجهان سبقا : ( الصحيح ) التعدد .

( الحال الثاني ) أن يكون استهلاكا ، وهذه ثلاثة أضرب : ( أحدها ) أن يكون مما يقابل بمثله وهو الصيود ، فتعدد الفدية بلا خلاف عندنا ، سواء فدى عن الأول أم لا ، وسواء اتحد الزمان والمكان أم اختلف ، كضمان المتلفات ، ( الضرب الثاني ) أن يكون أحدهما مما يقابل بمثله دون الآخر ، كالصيد والحلق ، فتتعدد بلا خلاف ، ( الضرب الثالث ) أن لا يقابل واحد منها ، فينظر إن اختلف نوعهما كحلق وقلم ، أو طيب ولباس أو حلق ، تعددت الفدية ، سواء فرق أو والى ، في مكان أو مكانين ، بفعلين أو بفعل واحد ، إلا إذا لبس ثوبا مطيبا ، فقد سبق فيه وجهان : ( الصحيح ) المنصوص فدية واحدة ، ( والثاني ) فديتان وإن اتحد النوع بأن حلق فقط ، فقد سبق تفصيله قريبا .

( الحال الثالث ) أن يكون استمتاعا ، فإن اتحد النوع بأن تطيب بأنواع من الطيب ، أو لبس أنواعا من الثياب ، كعمامة وقميص وسراويل وخف ، أو نوعا واحدا مرات ، فإن فعل ذلك متواليا من غير تخلل تكفير كفاه فدية واحدة ، وإن تخلله تكفير وجبت الفدية للثاني أيضا ، وإن فعل ذلك في مكانين أو في مكان وتخلل زمان ، فإن تخلل التكفير وجب للثاني فدية ، وإلا فقولان : ( الأصح ) الجديد تتعدد الفدية ، ( والقديم ) تتداخل ، وإن اختلف النوع بأن لبس وتطيب فثلاثة أوجه سبق بيانها قريبا : ( الأصح ) التعدد ، ( والثاني ) لا ، ( والثالث ) إن اختلف السبب تعدد ، وإن اتحد فلا . هذا كله في غير الجماع ، فإن تكرر الجماع ففيه خلاف سنوضحه قريبا إن شاء الله - تعالى - .

[ ص: 395 ] واتفق أصحابنا على أن الكفارة لتعدد جهة التحريم إذا اتحد الفعل كما سبق بيانه في محرم قتل صيدا حرميا وأكله ، فهذه ثلاثة أسباب للتحريم ، وهي الحرم والإحرام والأكل ، وإنما يلزمه جزاء واحد ، ولو باشر امرأته مباشرة تحسب شاة لو انفردت ثم جامعها ، فثلاثة أوجه : ( أصحها ) تكفيه البدنة عنهما ، كما لو كانت أجنبية فإنه يكفيه الحد ، ولا يحسب للمباشرة ، ( والثاني ) تجب بدنة وشاة ، ولا يدخل أحدهما في الآخر لاختلافهما واختلاف واجبهما ، ( والثالث ) إن قصد بالمباشرة الشروع في الجماع فبدنة وإلا فشاة وبدنة ، ( والرابع ) إن طال الفصل فشاة وبدنة وإلا فبدنة ، والله أعلم .



( فرع ) في مذاهب العلماء . قد ذكرنا أن مذهبنا - أن المحرم إذا لبس مخيطا أو تطيب لزمته الفدية . سواء لبس يوما أو لحظة ، وسواء طيب عضوا كاملا أو بعضه ، وبه قال أحمد . ووافقنا أيضا مالك إلا أنه يشترط الانتفاع باللبس ، قال حتى لو خلعه في الحال ولم ينتفع بلبسه فلا فدية وقال أبو حنيفة : إن لبس يوما كاملا أو ليلة كاملة لزمه فدية كاملة ، وإن لبس دون ذلك لزمه صدقة ، قال : وإن غطى ربع رأسه لزمه فدية كاملة ، وإن لبس دون ذلك لزمه صدقة ، قال : وإن طيب عضوا كاملا لزمه الفدية ، وإن طيب بعضه لزمه صدقة ، والصدقة عنده إطعام مسكين صاعا من أي طعام إلا البر ، فيكفيه منه نصف صاع ، وإن كان زبيبا فعنه روايتان : ( أحدهما ) صاع ، ( والثانية ) نصف صاع . وعن أبي يوسف روايتان : ( إحداهما ) كقول أبي حنيفة ، ( والثانية ) أن الاعتبار بلبس أكثر اليوم وأكثر الليلة ، وعن محمد بن الحسن نحوه ، والله أعلم . قال أبو حنيفة وأبو يوسف : ولو حلق رأسه في مجلس لزمه فدية ، وإن حلقه في مجالس لزمه لكل مرة فدية سواء فدى عن الأول أم لا ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث