الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 422 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى ( وإن قتل صيدا نظرت إن كان له مثل من النعم وجب عليه مثله من النعم والنعم هي الإبل والبقر والغنم ، والدليل عليه قوله عز وجل : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فيجب في النعامة بدنة ، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة ، وفي الضبع كبش ، وفي الغزال عنز وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة ، لما روي عن عثمان وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وابن الزبير ومعاوية رضي الله عنهم " أنهم قضوا في النعامة ببدنة " وعن عمر رضي الله عنه أنه " جعل في حمار الوحش بقرة " وحكم في الضبع بكبش وفي الأرنب بعناق ، وفي اليربوع بجفرة " وعن عثمان رضي الله عنه أنه حكم في أم حبين بحلان وهو الحمل ، فما حكم فيه الصحابة لا يحتاج فيه إلى اجتهاد ، وما لم تحكم فيه الصحابة يرجع في معرفة المماثلة بينه وبين النعم إلى عدلين من أهل المعرفة ، لقوله تعالى - : { يحكم به ذوا عدل منكم هديا } وروى قبيصة بن جابر الأسدي قال : " أصبت ظبيا وأنا محرم فأتيت عمر رضي الله عنه ومعي صاحب لي ، فذكرت ذلك له ، فأقبل علي رجل إلى جانبه فشاوره ، فقال لي : اذبح شاة ، فلما انصرفنا قلت لصاحبي : إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول ، فسمعني عمر فأقبل علي ضربا بالدرة وقال أتقتل صيدا وأنت محرم وتغمص الفتيا - أي تحتقرها - وتطعن فيها قال الله - عز وجل - في كتابه : { يحكم به ذوا عدل منكم } ها آنذا عمر وهذا ابن عوف " .

( فصل ) المستحب أن يكونا فقيهين ، وهل يجوز أن يكون القاتل أحدهما فيه وجهان : ( أحدهما ) لا يجوز كما لا يجوز أن يكون المتلف للمال أحد المقومين ، ( والثاني ) أنه يجوز ، وهو الصحيح ، لأنه يجب عليه لحق الله - تعالى - فجاز أن يجعل من يجب عليه أمينا فيه كرب المال في الزكاة ، ويجوز أن يفدي الصغير بالصغير ، والكبير بالكبير ، فإن فدى الذكر بالأنثى جاز لأنها أفضل ، وإن فدى الأعور من اليمين بالأعور من اليسار جاز ، لأن المقصود فيهما واحد وإذا وجب عليه المثل فهو بالخيار بين أن يذبح المثل ويفرقه وبين أن يقومه بالدراهم والدراهم طعاما ويتصدق [ ص: 423 ] به ، وبين أن يصوم عن كل مد يوما لقوله تعالى { هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } " . وإن جرح صيدا له مثل فنقص عشر قيمته فالمنصوص أنه يجب عليه عشر ثمن المثل ، وقال بعض أصحابنا : يجب عليه عشر المثل ، وتأول النص عليه إذا لم يجد عشر المثل ، لأن ما ضمن كله بالمثل ضمن بعضه بالمثل كالطعام ، والدليل على المنصوص أن إيجاب بعض المثل يشق فوجب العدول إلى القيمة كما عدل في خمس من الإبل إلى الشاة حين شق إيجاب جزء من البعير ، وإن ضرب صيدا حاملا فأسقطت ولدا حيا ثم ماتا ضمن الأم بمثلها ، وضمن الولد بمثله ، وإن ضربها فأسقطت جنينا ميتا والأم حية ضمن ما بين قيمتها حاملا وحائلا ، ولا يضمن الجنين .

( فصل ) وإن كان الصيد لا مثل له من النعم وجب عليه قيمته في الموضع الذي أتلفه فيه ، لما روي أن مروان سأل ابن عباس رضي الله عنه عن الصيد بصيده المحرم ولا مثل له من النعم قال ابن عباس : ثمنه يهدى إلى مكة ، ولأنه تعذر إيجاب المثل فيه فضمن بالقيمة كمال الآدمي ، فإذا أراد أن يؤدي فهو بالخيار بين أن يشتري بثمنه طعاما ويفرقه ، وبين أن يقوم ثمنه طعاما ، ويصوم عن كل مد يوما ، وإن كان الصيد طائرا نظرت فإن كان حماما وهو الذي يعب ويهدر كالذي يقتنيه الناس في البيوت ، كالدبسي والقمري والفاختة فإنه يجب فيه شاة ، لأنه روي ذلك عن عمر وعثمان ونافع بن عبد الحارث وابن عباس رضي الله عنهم ، ولأن الحمام يشبه الغنم ، لأنه يعب ويهدر كالغنم فضمن به ، وإن كان أصغر من الحمام كالعصفور والبلبل والجراد ضمنه بالقيمة ، لأنه لا مثل له فضمن بالقيمة ، وإن كان أكبر من الحمام كالقطا واليعقوب والبط والإوز ففيه قولان : ( أحدهما ) يجب فيه شاة ، لأنها إذا وجبت في الحمام فلأن تجب [ ص: 424 ] في هذا وهو أكبر أولى ، ( الثاني ) أنه يجب فيها قيمتها لأنه لا مثل لها من النعم ، فضمن بالقيمة ، وإن كسر بيض صيد ضمنه بالقيمة ، وإن نتف ريش طائر ثم نبت ففيه وجهان : ( أحدهما ) لا يضمن ، ( والثاني ) يضمن بناء على القولين فيمن قلع شيئا ثم نبت ( فصل ) وإن قتل صيدا بعد صيد وجب لكل واحد منهما جزاء ، لأنه ضمان متلف فيتكرر بتكرر الإتلاف ، وإن اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد وجب عليهم جزاء واحد ، لأنه بدل متلف يتجزأ ، فإذا اشترك الجماعة في إتلافه قسم البدل بينهم كقيم المتلفات ، وإذا اشترك حلال وحرام في قتل صيد وجب على المحرم نصف الجزاء ، ولم يجب على الحلال شيء ، كما لو اشترك رجل وسبع في قتل آدمي . وإن أمسك محرم صيدا فقتله حلال ضمنه المحرم بالجزاء ثم يرجع به على القاتل لأن القاتل أدخله في الضمان فرجع عليه ، كما لم غصب مالا من رجل فأتلفه آخر في يده .

( فصل ) وإن جنى على صيد فأزال امتناعه نظرت - فإن قتله غيره - ففيه طريقان ، قال أبو العباس : عليه ضمان ما نقص ، وعلى القاتل جزاؤه مجروحا إن كان محرما ، ولا شيء عليه إن كان حلالا ، وقال غيره : فيه قولان : ( أحدهما ) عليه ضمان ما نقص لأنه جرح ولم يقتل ، فلا يلزمه جزاء كامل ، كما لو بقي ممتنعا ، ولأنا لو أوجبنا عليه جزاء كاملا وعلى القاتل إن كان محرما - جزاء كاملا ، سوينا بين القاتل والجارح ولأنه يؤدي إلى أن نوجب على الجارح أكثر مما يجب على القاتل ، لأنه يجب على الجارح جزاؤه صحيحا ، وعلى القاتل جزاؤه مجروحا وهذا خلاف الأصول ، ( والقول الثاني ) أنه يجب عليه جزاؤه كاملا لأنه جعله غير ممتنع فأشبه الهالك ، فأما إذا كسره ثم أخذه وأطعمه وسقاه حتى برئ نظرت - فإن عاد ممتنعا - ففيه وجهان ، كما قلنا فيمن نتف ريش طائر فعاد ونبت ، فإن لم يعد ممتنعا فهو على القولين : ( أحدهما ) يلزمه ضمان ما نقص ، ( والثاني ) يلزمه جزاء كامل . [ ص: 425 ] فصل ) والمفرد والقارن في كفارات الإحرام واحد لأن القارن كالمفرد في الأفعال ، فكان كالمفرد في الكفارات ) .

التالي السابق


( فرع ) قال الشافعي رحمه الله في المختصر : وإن جرح ظبيا فنقص عشر قيمته فعليه عشر قيمة شاة ، قال المزني تخريجا يلزمه عشر شاة ، قال جمهور الأصحاب الحكم ما قاله المزني ، وإنما ذكر الشافعي القيمة لأنه قد لا يجد شريكا في ذبح شاة فأرشده إلى ما هو أسهل ، لأن جزاء الصيد على التخيير ، فعلى هذا هو مخير إن شاء أخرج عشر المثل ، وإن شاء صرف قيمته في طعام وتصدق به وإن شاء صام عن كل مد يوما . ومن الأصحاب من أخذ بظاهر النص وقال : الواجب عشر القيمة ، وجعل في المسألة قولين المنصوص وتخريج المزني فعلى هذا إذا قلنا بالمنصوص ففيه [ ص: 433 ] أوجه ( أصحها ) تتعين الصدقة بالدراهم ( والثاني ) لا تجزئه الدراهم ، بل يتصدق بالطعام أو يصوم ( والثالث ) يتخير بين عشر المثل وبين إخراج الدراهم ( والرابع ) إن وجد شريكا في الدم أخرجه ولم تجزئه الدراهم وإلا أجزأه ( والخامس ) وبه قطع الشيخ أبو حامد مخير بين أربعة أشياء إن شاء أخرج الدراهم وإن شاء اشترى به جزءا من مثل ذلك الصيد من النعم وإن شاء أخرج بها طعاما وإن شاء صام عن كل مد يوما ، هذا كله في الصيد المثلي ، فأما غيره فالواجب ما نقص من قيمته قطعا ثم يتخير بين الصيام والطعام والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث