الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع في مذاهب العلماء في مسائل تتعلق بصيد الحرم ونباته

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ويحرم صيد المدينة وقطع شجرها ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة ، لا ينفر صيدها ، ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد } " فإن قتل فيها صيدا ففيه قولان : قال في القديم : يسلب القاتل لما روي " أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أخذ سلب رجل قتل صيدا في المدينة وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { من وجدتموه يقتل صيدا في حرم المدينة فاسلبوه } " وقال في الجديد : لا يسلب لأنه موضع يجوز دخوله من غير إحرام فلا يضمن صيده كوج فإن قلنا : يسلب دفع سلبه إلى مساكين المدينة كما يدفع جزاء صيد مكة إلى مساكين مكة ، وقال شيخنا أبو الطيب - رحمه الله - : يكون سلبه لمن أخذه لأن سعد بن أبي وقاص أخذ سلب القاتل ، وقال : طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

( فصل ) ويحرم صيد وج وهو واد بالطائف لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن قتل صيد وج } فإن قتل فيه صيدا لم يضمنه بالجزاء لأن الجزاء وجب بالشرع والشرع لم يرد إلا في الإحرام والحرم ، ووج لا يبلغ الحرم من الحرمة فلم يلحق به في الجزاء ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي هريرة ليس بمعروف عن أبي هريرة ولكن في الصحيح أحاديث عن غير أبي هريرة ويحصل بها مقصود المصنف في الدلالة هنا ( منها : ) عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة } " الحديث رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة قال : { حرم [ ص: 472 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة } " رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما ، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف } " رواه مسلم .

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن تقطع عضاهها أو يقتل صيدها } " رواه مسلم .

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها ، لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها } " رواه مسلم .

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المدينة حرام من كذا إلى كذا ، لا يقطع شجرها ، ولا يحدث فيها ، من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } " رواه البخاري .

وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المدينة : { لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ، ولا يلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها ، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال ، ولا يصلح أن يقطع منها شجر إلا أن يعلف رجل بعيره } " رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وفي المسألة أحاديث كثيرة بمعنى ما سبق والله أعلم .

وأما حديث سعد بن أبي وقاص المذكور في الكتاب فرواه مسلم في صحيحه عن عامر بن أبي وقاص { أن سعدا وجد عبدا يقطع شجرا ويخبطه فسلبه ، فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يرد عليهم غلامهم أو ما أخذ من غلامهم ، فقال : معاذ الله أن أرد شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يرد عليهم } " رواه مسلم " وعن سليمان بن أبي عبد الله قال : رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلبه ثيابه ، فجاء مواليه [ ص: 473 ] فكلموه فيه فقال : " { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم ، وقال من وجد أحدا فيه فليسلبه فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه } " رواه أبو داود بإسناد كلهم ثقات حفاظ إلا سليمان بن أبي عبد الله هذا ، فقال أبو حاتم : ليس هو بالمشهور ، ولكن يعتبر بحديثه ، ولم يضعفه أبو داود ، وهذا الذي رواه بمعنى ما رواه مسلم ، فيقتضي مجموع هذا أن هذه الرواية صحيحة أو حسنة ، وفي رواية للبيهقي " { أن سعدا كان يخرج من المدينة فيجد الحاطب معه شجر رطب قد عضده من بعض شجر المدينة فيأخذ سلبه ، فيكلم فيه فيقول : لا أدع غنيمة غنمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لمن أكنز الناس مالا } " والله أعلم .

( وأما ) حديث صيد وج فرواه البيهقي بإسناده عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " { ألا إن صيد وج وعضاهه يعني شجره حرام محرم } " وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا ، لكن إسناده ضعيف قال البخاري في تاريخه : لا يصح ، ووج - بواو مفتوحة ثم جيم مشددة - ( وأما ) قول المصنف : إنه واد بالطائف فكذا قاله غيره من أصحابنا الفقهاء .

( وأما ) أهل اللغة فيقولون : هو بلدة الطائف ، وقال الحازمي في كتابه المؤتلف والمختلف في الأماكن : وج اسم لحصون الطائف ، وقيل لواحد منها ، وربما اشتبه وج هذا بوح - بالحاء المهملة ، قال الحازمي : هي ناحية بنعمان والله أعلم .

( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) يحرم التعرض لصيد حرم المدينة وشجره هذا هو المذهب ، وعليه نص الشافعي ، وأطبق عليه جماهير أصحابنا وحكى المتولي والرافعي قولا شاذا أنه مكروه ليس بحرام ، قال المتولي : وأخذ هذا القول من قول الشافعي ، ولا يحرم قتل صيد إلا صيد الحرم ، وأكره قتل صيد المدينة ، وهذا النقل شاذ ضعيف ، بل باطل منابذ [ ص: 474 ] للأحاديث الصحيحة السابقة

( وأما ) نص الشافعي فقال القاضي أبو الطيب : هذه الكراهة التي ذكرها الشافعي كراهة تحريم باتفاق أصحابنا ، ثم استدل ببعض ما قدمناه من الأحاديث الصحيحة السابقة ، فالصواب الجزم بالتحريم ، وعلى هذا فإذا ارتكب هذا الحرام هل يضمن ؟ فيه قولان مشهوران : ( الجديد ) لا يضمن ، ( والقديم ) يضمن ودليلهما في الكتاب ، وأجابوا للجديد عن حديث سعد في سلب الصائد بجوابين ضعيفين : ( أحدهما ) جواب الشيخ أبي حامد في تعليقه أنه محمول على التغليظ ، ( والثاني ) جواب القاضي أبي الطيب في تعليقه وجماعة بأنه يحمل على أنه كان هذا حين كانت العقوبة بالأموال ثم نسخ ، وهذان الجوابان ضعيفان بل باطلان . والمختار ترجيح القديم ، ووجوب الجزاء فيه ، وهو سلب القاتل لأن الأحاديث فيه صحيحة بلا معارض والله أعلم .

قال أصحابنا : وإذا قلنا : يضمن فوجهان حكاهما الفوراني والبغوي وصاحب البيان والرافعي : ( أحدهما ) يضمن كضمان حرم مكة على ما سبق ، ( والثاني ) وهو الصحيح ، وبه قطع الجمهور في الطريقتين أنه سلب الصائد وقاطع الشجر أو الكلأ ، وعلى هذا في المراد بالسلب طريقان : ( أصحهما ) وبه قطع الجمهور أنه كسلب القتيل من الكفار ممن قطع به الشيخ أبو حامد في تعليقه وأبو علي البندنيجي في جامعه والدارمي والماوردي والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد والقاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد والقاضي حسين والجرجاني وابن الصباغ والمصنف والشاشي والبغوي وخلائق لا ينحصرون ، ودليله الحديث ، ( والطريق الثاني ) حكاه الرافعي فيه وجهان : ( أصحهما ) هذا ، ( والثاني ) إن سلبه ثيابه فقط ، وبه قطع إمام الحرمين والغزالي ، وقد أشار المتولي إلى هذا .

وفي مصرف سلبه ثلاثة أوجه : ( أصحها ) أنه للسالب كالقتيل ، ودليله [ ص: 475 ] الحديث ، فإن سعدا أخذ السلب لنفسه ، وممن صحح هذا الوجه الدارمي والمحاملي في المجموع ، والقاضي أبو الطيب كما حكاه المصنف ، ( والثاني ) أنه لفقراء المدينة وهذا الوجه حكاه القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد وغيرهم ، وقطع به المحاملي في التجريد ، واختاره القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأصحاب ، وأشار هو والمصنف إلى ترجيحه ، ولم يوافقا على هذا الترجيح وليس هو ترجيحا راجحا ، ( والثالث ) أنه لبيت المال ، حكاه إمام الحرمين والغزالي وغيرهما ، وينكر على المصنف عبارته المذكورة فإنه أوهم أن المشهور في المذهب تفريعا على القديم أن السلب للمساكين وأن القاضي أبا الطيب انفرد باختيار كونه للسالب ، وليس الحكم كذلك ، بل الخلاف مشهور جدا للمتقدمين والمتأخرين ، فممن حكى الأوجه الثلاثة إمام الحرمين وآخرون ، وممن حكى الوجهين الأولين ، وهما كونه للسالب أو للفقراء الشيخ أبو حامد في تعليقه ، والدارمي وأبو علي البندنيجي والماوردي والمحاملي في المجموع ، والقاضي حسين وخلائق نحوهم وكل هؤلاء أقدم من المصنف وحكاهما من معاصري المصنف ونحوهم ابن الصباغ والجرجاني والمتولي والبغوي وآخرون لكن الجرجاني حكاهما في كتابه التحرير قولين ، والله أعلم .

فإذا قلنا بالمذهب : إن السلب كسلب القتيل ، قال أصحابنا : فهو مثله في كل شيء ، فكل شيء اتفقوا عليه هناك اتفقوا عليه هنا ، وكل شيء قالوا هناك : لا يدخل كالمتاع الذي في منزله لا يدخل هنا أيضا ، وكل شيء اختلفوا فيه هناك كالطوق والمنطقة ففيه هنا ذاك الخلاف . هكذا صرح به الشيخ أبو حامد وأبو علي البندنيجي والماوردي وآخرون ، فإذا قلنا بالمذهب : إن السلب كسلب القتيل وأنه للسالب ، فقال الشيخ أبو حامد : يأخذ جميع ما معه من ثياب وفرش ونحو ذلك ، ويعطيه إزارا يستر به عورته ، فإذا قدر على ما يستر به عورته أخذ منه الإزار ، وقال الدارمي : لو كان عليه سراويل يأخذه السالب ويستر المسلوب نفسه ، فأشار إلى [ ص: 476 ] أنه لا يخلي له ساترا ، وقطع الماوردي بأنه يترك له ما يستر عورته وحكى الروياني وجهين في أنه هل يترك له ساتر العورة ؟ واختار أنه يترك ، قال : وهو قول الماوردي ، وهذا هو الأصح والله أعلم .

ولو كان على الصائد والمحتطب ثياب مغصوبة لم يسلب بلا خلاف . صرح به الدارمي والقاضي أبو الطيب في المجرد ، وهو ظاهر كما لو كان مع الحربي المقتول مال أخذه من مسلم ، فإنه لا يستحقه السالب والله أعلم .

قال الرافعي : واعلم أن ظاهر الحديث وكلام الأصحاب أنه يسلب إذا اصطاد ، ولا يشترط الإتلاف ، وقال إمام الحرمين لا أدري أيسلب إذا أرسل الصيد أم لا يسلب حتى يتلفه ؟ قال : وكلاهما محتمل ، قال : وليس عندنا فيه ثبت من توقيف ولا قياس قاله الإمام ، ولا فرق في هذا المذكور بين صيد وصيد ، ولا شجرة وشجرة ، وكان السلب في معنى المعاقبة للمتعاطي ، والله أعلم



( المسألة الثانية ) قال الشافعي في الإملاء : أكره صيد وج وللأصحاب فيه طريقان : ( أصحهما ) عندهم القطع بتحريمه ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي والمصنف والبغوي والمتولي والجمهور من أصحابنا في الطريقتين . قالوا : ومراد الشافعي بالكراهة كراهة تحريم ، ( الطريق الثاني ) حكاه الشيخ أبو علي السنجي وإمام الحرمين والغزالي ومن تابعهم فيه وجهان : ( أصحهما ) يحرم ، ( والثاني ) يكره ، ويجري الخلاف في شجره وخلاه ، صرح به الأصحاب ونقل أبو علي البندنيجي عن نصه في الإملاء أن الشجر كالصيد ، ( فإذا قلنا ) بالمذهب وهو تحريمه فاصطاد فيه أو احتطب أو احتش فطريقان : ( أصحهما ) وبه قطع صاحب التلخيص وجماهير الأصحاب في الطريقتين أنه يأثم ولا ضمان ، ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه اتفاق الأصحاب على هذا ; لأن الأصل أن لا ضمان إلا فيما ورد فيه الشرع ، ولم يرد في هذا شيء ، ( والطريق [ ص: 477 ] الثاني ) حكاه إمام الحرمين والبغوي وغيرهما فيه خلاف : ( الصحيح ) لا ضمان ، ( والثاني ) أنه كصيد المدينة وشجرها وخلاها ، والله أعلم .



( الثالثة ) النقيع بالنون على المشهور ، وقيل بالباء ، وهو الحمى الذي حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الصدقة ونحوها ليس هو بحرم ، ولا يحرم صيده باتفاق الأصحاب ، ( وأما ) خلاه فحرام باتفاقهم صرح به أبو علي السنجي وإمام الحرمين والغزالي والبغوي والمتولي وآخرون ، ( وأما ) شجره ففيه طريقان قطع المتولي والبغوي بتحريمه ، وقال أبو علي والإمام الغزالي : في تحريمه وجهان لتردد الصيد والخلا ، فإن أخذ منه شجرا أو كلأ ففي وجوب ضمانه وجهان ، حكاهما أبو علي والإمام والبغوي وغيرهم : ( أحدهما ) لا كصيده ، ( وأصحهما ) وجوب الضمان كحرم مكة .

صححه إمام الحرمين والرافعي فعلى هذا تجب القيمة بلا خلاف ولا يسلب القاتل . قال البغوي والرافعي : تصرف القيمة في مصرف نعم الزكاة والجزية ، هذا كلامهما وينبغي أن يكون مصرفه بيت المال والله أعلم .

واستدلوا لهذه المسألة بحديث جابر رضي الله عنه قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن يهش هشا رفيقا } ) رواه أبو داود بإسناد غير قوي ، ولكنه لم يضعفه وروى البيهقي بإسناده أن عمر بن الخطاب قال لرجل : " إني أستعملك على الحمى فمن رأيت يعضد شجرا أو يخبط فخذ فأسه وحبله ، قال آخذ رداءه ؟ قال : لا " والله أعلم .



( فرع ) في بيان الأحاديث الواردة في بيان حرم المدينة ( منها ) : عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { المدينة حرام ما بين عير إلى ثور } " رواه البخاري ومسلم هكذا ، وفي رواية للبخاري ما بين عائر إلى كذا . قال أبو عبيد وغيره من العلماء : عير . ويقال له : عائر جبل معروف بالمدينة ، قالوا : وأما ثور فلا يعرف أهل المدينة بها [ ص: 478 ] جبلا يقال له : ثور وإنما ثور جبل بمكة قالوا : فنرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد ولكنه غيره غلط الرواة فيه واستمرت الرواية . وقال أبو بكر الحازمي في كتابه المؤتلف في الأماكن : الرواية الصحيحة ما بين عير إلى أحد قال : وقيل : إلى ثور قال : وليس له معنى هذا كلامهم في الحديث ولا يبعد أن الجبل كان يسمى ثورا ثم هجر ذلك الاسم وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما بين لابتيها حرام } رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم " { حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة } " واللابتان الحرتان تثنية لابة ، وهي الأرض الملبسة حجارة سوداء والمدينة بين لابتين في شرقها وغربها وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إني حرمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة } " رواه مسلم وعن أبي سعيد أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما ، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف } " رواه مسلم .

وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن إبراهيم حرم مكة ، وإنى حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها } " رواه مسلم . وعن أنس قال : أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة فقال : { اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة } " رواه البخاري ومسلم ذكره البخاري في كتاب الدعوات في باب التعوذ من غلبات الرجال وفيها أحاديث أخر سبقت وعن عدي بن زيد الخزاعي الصحابي قال : { حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريدا بريدا لا تخبط شجرة ولا تعضد إلا ما يساق به الجمل } " [ ص: 479 ] رواه أبو داود بإسناد غير قوي فالحاصل أن حرم المدينة ما بين جبليها طولا ، وما بين لابتيها عرضا ، والله أعلم .



( فرع ) في مذاهب العلماء في مسائل تتعلق بصيد الحرم ونباته : ( إحداها ) أجمعت الأمة على تحريم صيد الحرم على الحلال ، فإن قتله فعليه الجزاء ، هذا مذهبنا ، وبه قال العلماء كافة وقال داود : لا جزاء عليه لقوله - تعالى - : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } فقيده بالمحرمين . دليلنا ما سبق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تلف بسببه الطائر في دار الندوة ، وما سبق عن ابن عباس في الجراد وغير ذلك من الآثار ، وقياسا على صيد الإحرام وداود - وإن لم يقل بالقياس - فيستدل على إثبات القياس .



( الثانية ) حكم جزاء الحرم كجزاء الإحرام ، فيتخير بين المثل والإطعام والصيام ، هذا مذهبنا ، وبه قال الأكثرون منهم مالك وأحمد ، وقال أبو حنيفة لا مدخل للصيام فيه قال : لأنه يضمنه ضمان الأموال ، بدليل أنه يضمنه لمعنى في غيره وهو الحرم فأشبه مال الآدمي . دليلنا القياس على صيد الإحرام ولو سلك به مسلك مال الآدمي لم يدخله المثل والإطعام وليعتبر نقد البلد ; ولأن هذا المعنى موجود في صيد الإحرام وينتقض ما قالوه أيضا بكفارة القتل .



( الثالثة ) إذا صاد الحلال في الحل وأدخله الحرم فله التصرف فيه بالبيع والذبح والأكل وغيرها ، ولا جزاء عليه ، وبه قال مالك وداود . وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يجوز ذبحه ، بل يجب إرساله . قالا : فإن أدخله مذبوحا جاز أكله وقاسوه على المحرم . واستدل أصحابنا بحديث أنس أنه كان له أخ صغير يقال له : أبو عمير ، وكان له نغر يلقب به فمات النغر فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { يا أبا عمير ما فعل النغير } " رواه البخاري ومسلم وموضع الدلالة أن النغر من جملة الصيد وكان [ ص: 480 ] مع أبي عمير في حرم المدينة ، ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن الذي عنى الشرع منه صيد الحرم ، وهذا ليس بصيد حرم وقياسا على من أدخل شجرة من الحل أو حشيشا والله أعلم .



( الرابعة ) شجر الحرم عندنا حرام مضمون ، سوى ما أنبته الآدمي ، وما نبت بنفسه على المذهب . وبه قال أحمد . وقال بعض أصحابنا : لا يحرم ما أنبته الآدمي كما سبق . وقال أبو حنيفة : إن أنبته آدمي أو كان من جنس ما ينبته لم يحرم ، وإن كان مما لا ينبته آدمي ونبت بنفسه حرم . وقال مالك وأبو ثور وداود هو حرام ، لكن لا ضمان فيه . احتج لهم بالقياس على الزرع واحتج أصحابنا بعموم النهي ، وفرقوا بأن الزرع تدعو إليه الحاجة .



( الخامسة ) يجوز رعي حشيش الحرم وخلاه عندنا ، وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يجوز . ودليلنا حديث ابن عباس السابق حيث أرسل الأتان يرتع في منى ، ومنى من الحرم .



( السادسة ) إذا أتلف شجرة في الحرم ضمن الكبيرة ببقرة ، والصغيرة بشاة ، وبه قال أحمد . وقال أبو حنيفة : يضمنها بالقيمة . ودليلنا أثر ابن الزبير وابن عباس .



( السابعة ) إذا أرسل كلبا من الحل على صيد في الحرم ، أو من الحرم على صيد في الحل لزمه الجزاء . وقال أبو ثور : لا يلزمه .



( الثامنة ) صيد حرم المدينة حرام عندنا ، وبه قال مالك وأحمد والعلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال : ليس بحرام دليلنا الأحاديث السابقة . وإذا أتلف صيد المدينة فلا ضمان على الأشهر في مذهبنا ، وقال في القديم : يسلب القاتل وبه قال أحمد وهو المختار كما سبق ، وبه قال سعد بن أبي وقاص [ ص: 481 ] وجماعة من الصحابة ، وقال جمهور العلماء : لا ضمان فيه لا سلب ولا غيره .

( التاسعة ) صيد وج حرام عندنا . قال العبدري : وقال العلماء كافة لا يحرم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث