الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن عطب وخاف أن يهلك نحره وغمس نعله في دمه وضرب به صفحته لما روى أبو قبيصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { كان يبعث بالهدي ثم يقول : إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتا فانحرها اغمس نعلها في دمها ثم اضرب صفحتها [ ص: 335 ] ولا تطعمها أنت ولا أحد من رفقتك } ولأنه هدي معكوف عن الحرم فوجب نحره مكانه كهدي المحصر ، وهل يجوز أن يفرقه على فقراء الرفقة ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) لا يجوز لحديث أبي قبيصة ، ولأن فقراء الرفقة يتهمون في سبب عطبها فلم يطعموا منها ( والثاني ) يجوز لأنهم من أهل الصدقة ، فجاز أن يطعموا كسائر الفقراء ، فإن أخر ذبحه حتى مات ضمنه لأنه مفرط في تركه فضمنه كالمودع إذا رأى من يسرق الوديعة فسكت عنه حتى سرقها . وإن أتلفها لزمه الضمان لأنه أتلف مال المساكين فلزمه ضمانه ، ويضمنه بأكثر الأمرين من قيمته أو هدي مثله ، لأنه لزمه الإراقة والتفرقة وقد فوت الجميع فلزمه ضمانها ، كما لو أتلف شيئين . فإن كانت القيمة مثل ثمن مثله اشترى مثله وأهداه ، وإن كانت أقل لزمه أن يشتري مثله ويهديه ، وإن كانت أكثر من ذلك نظرت فإن كان يمكنه أن يشتري به هديين - اشتراهما ، وإن لم يمكنه اشترى هديا ، وفيما يفضل ثلاثة أوجه ( أحدها ) يشتري به جزءا من حيوان ، ويذبح لأن إراقة الدم مستحقة ، فإذا أمكن لم يترك ( والثاني ) أنه يشتري به اللحم لأن اللحم والإراقة مقصودان والإراقة تشق فسقطت ، والتفرقة لا تشق فلم تسقط ( والثالث ) أن يتصدق بالفاضل ، لأنه إذا سقطت الإراقة كان اللحم والقيمة واحدا . وإن أتلفها أجنبي وجبت عليه القيمة ، فإن كانت القيمة مثل ثمن مثلها اشترى بها مثلها ، وإن كانت أكثر ولم تبلغ ثمن مثلين اشترى المثل ، وفي الفاضل الأوجه الثلاثة ، وإن كانت أقل من ثمن المثل ففيه الأوجه الثلاثة ، وإن كان في الهدي الذي نذره اشتراه ووجد به عيبا بعد النذر لم يجز له الرد بالعيب ، لأنه قد أيس من الرد لحق الله عز وجل ويرجع بالأرش ويكون الأرش للمساكين لأنه بدل عن الجزء الفائت الذي التزمه بالنذر ، فإن لم يمكنه أن يشتري به هديا ففيه الأوجه الثلاثة ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي قبيصة رواه مسلم في صحيحه ، واسم أبي قبيصة ذؤيب بن حلحلة الخزاعي والد قبيصة بن ذؤيب الفقيه المشهور التابعي ، ولفظ الحديث في صحيح مسلم " عن ابن عباس أن ذؤيبا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { كان يبعث معه بالبدن ثم يقول : إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتا فانحرها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها [ ص: 336 ] ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك } وعن ناجية الأسلمي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي فقال : إن عطب فانحره ، ثم اصبغ نعله في دمه ، ثم خل بينه وبين الناس } رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وأما ألفاظ الفصل فقوله : خاف أن يهلك - هو بكسر اللام - وقوله ( غمس نعله ) يعني النعل المعلقة في عنقه ، كما سبق أنه يسن أن يقلدها نعلين . قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا تطعمها ) هو بفتح التاء والعين ، أي لا تأكلها ، والرفقة بضم الراء وكسرها قوله ( هدي معكوف عن الحرم ) أي محبوس . وقوله ( بأكثر الأمرين من قيمته وهدي ) هكذا وقع في بعض النسخ هنا ، وهدي بالواو ، ووقع بعضها أو ، وهذا هو الذي ينكر في كتب الفقه مثله ، ولكن الصواب هو الأول ، والله أعلم .

( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) إذا عطب الهدي في الطريق وخاف هلاكه ، قال أصحابنا : إن كان تطوعا فله أن يفعل به ما شاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وتركه وغير ذلك لأنه ملكه ، ولا شيء عليه في كل ذلك ، وإن كان منذورا لزمه ذبحه ، فإن تركه حتى هلك لزمه ضمانه ، كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت . وإذا ذبحه غمس النعل التي قلده إياها في دمه وضرب بها صفحة سنامه وتركه موضعه ليعلم من مر به أنه هدي فيأكله . قال أصحابنا : ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه بلا خلاف للحديث ، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه بلا خلاف ، لأن الهدي مستحق للفقراء فلا حق للأغنياء فيه ، ويجوز للفقراء من غير رفقة صاحب الهدي الأكل منه بالإجماع لحديث ناجية السابق . وهل يجوز للفقراء من رفقة صاحب الهدي الأكل منه ؟ فيه وجهان [ ص: 337 ] مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) لا يجوز ، وهو المنصوص للشافعي وصححه الأصحاب للحديث . ومن جوزه حمل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن رفقة ذلك المخاطب لا فقير فيهم . وهذا تأويل ضعيف . وفي المراد بالرفقة وجهان حكاهما الروياني في البحر ( أحدهما ) وهو الذي استحسنه الروياني أن المراد الرفقة الذين يخالطونه في الأكل وغيره دون القافلة ( وأصحهما ) وهو الذي يقتضيه ظاهر الأحاديث ، وظاهر نص الشافعي وكلام الأصحاب أن المراد جميع القافلة ، لأن السبب الذي منعت به الرفقة هو خوف تعطيلهم إياه . وهذا موجود في جميع القافلة ( فإن قيل ) إذا لم يجز لأهل القافلة أكلها وترك في البرية كان طعمة للسباع وهذا إضاعة مال قلنا ليس فيه إضاعة ، بل العادة الغالبة أن سكان البوادي يتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحوه ، وقد تأتي قافلة في إثر قافلة والله تعالى أعلم .

وإذا ذبح الهدي الواجب وغمس نعله في دمه وضرب به صفحته وتركه فهل يتوقف إباحة أكله على قوله : أبحته لمن يأكله منه ؟ فيه قولان ( أصحهما ) لا يتوقف بل يكفي ذبحه وتخليته ، لأنه بالنذر زال ملكه وصار للفقراء . أما إذاعطب هدي التطوع فذبحه فقال صاحب الشامل والأصحاب : لا يصير مباحا للفقراء بمجرد ذلك ، ولا يصير مباحا لهم إلا بلفظ بأن يقول أبحته للفقراء أو المساكين أو جعلته لهم أو سبلته لهم ونحو ذلك ، قالوا : ولا خلاف في هذا ، قالوا : فإذا قال هذا اللفظ جاز لمن سمعه الأكل منه بلا خلاف ، وهل يجوز لغيره ؟ قولان ، قال في الإملاء : حتى يعلم الإذن ، وقال في الأم والقديم : يحل ، وهو الأصح لأن الظاهر أنه أباحه ، وقياسا على ما إذا رأى ماء في الطريق موضوعا وعليه أمارة الإباحة ، فإن له شربه باتفاقهم ، والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا أنه إذا عطب الهدي المنذور فلم يذبحه حتى هلك [ ص: 338 ] ضمنه ، وإن أكله ضمنه ، قال الروياني : قال أبو علي الطبري في الإفصاح : قال الشافعي : يوصل بدله إلى مساكين الحرم ، قال أبو علي : وعندي القياس أنه يجعله لمساكين موضعه ، قال الروياني : هذا غلط لأنه يمكن إيصال ثمنه إلى مساكين الحرم بخلاف الذبيحة ، وكما يجب إيصال الولد إليهم دون اللبن



( المسألة الثانية ) إذا أتلف المهدي الهدي لزمه ضمانه بأكثر الأمرين من قيمته ومثله كما لو باع الأضحية المعينة وتلفت عند المشتري . هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور . وفيه وجه ضعيف مشهور أنه يلزمه قيمته يوم الإتلاف ، كما سنذكره إن شاء الله تعالى فيما إذا أتلفه أجنبي ، وبهذا الوجه قال مالك وأبو حنيفة . ودليل المذهب ما ذكره المصنف . فعلى المذهب إن كانت القيمة مثل ثمن مثله ، بأن لم يتغير السعر لزمه شراء مثله ، وإن كانت القيمة أقل لزمه شراء مثله ، وإن كانت أكثر بأن رخص السعر فإن أمكن أن يشتري بها هديين لزمه ذلك أو هديا واحدا نفيسا ، فإن لم يمكنه فاشترى واحدا وفضلت فضلة - نظر إن أمكنه أن يشتري بهذه الفضلة شقصا من هدي مثلها ففيه خمسة أوجه ( أصحها ) يلزمه شراؤه وذبحه مع الشريك ولا يجوز إخراج القيمة دراهم يتصدق بها ، هكذا قاله الجمهور وقال إمام الحرمين : على هذا الوجه يصرفها مصرف الضحايا حتى لو أراد أن يتخذ منها خاتما يقتنيه ولا يبيعه جاز له ذلك . قال الرافعي : وهذا وجه من قول الجمهور . وقال : ويشبه أن لا يكون فيه خلاف محقق ، بل المراد أنه لا يجب شقص ويجوز إخراج الدراهم ، وقد يتساهل في ذكر المصرف في مثل هذا . وهذا الذي قاله الإمام تفريع على جواز الأكل من الهدي الواجب . [ ص: 339 ] والوجه الثالث ) يجب أن يشتري بها لحما ويتصدق به ( والرابع ) أن له صرفها في جزء من غير المثل ، لأن الزيادة على المثل كابتداء هدي ( والخامس ) أنه يهلك هذه الفضلة ، حكاه الرافعي . هذا كله إذا أمكن شراء شقص بهذه الفضلة ، فإن لم يمكن ففيه الأربعة ويسقط الأول ( أصحها ) الثاني ، وهو جواز إخراج القيمة دراهم ويتصدق بها ، ويحكي كلام إمام الحرمين ، والله أعلم



أما إذا أتلفه أجنبي فلا يلزمه إلا القيمة بلا خلاف والفرق بينه وبين المهدي حيث قلنا : إن المذهب أنه يلزمه أكثر الأمرين أن المهدي التزم الإراقة ، قال أصحابنا : فيأخذ المهدي القيمة من الأجنبي فيشتري بها مثل الهدي المتلف ، فإن حصل مثله من غير زيادة ولا نقص ذبحه ، وإن زادت القيمة فإن بلغت الزيادة مثلين لزمه شراؤهما ، وإن لم تبلغ مثلين اشترى مثلا . وفي الزيادة الأوجه السابقة فيما إذا أتلفها المهدي . أما إذا لم تف القيمة بمثله لغلاء حدث ، فيشتري دونه . قال أصحابنا والفرق بين هذا وبين ما إذا نذر إعتاق عبد بعينه فقتل ذلك العبد ، فإن القيمة تكون ملكا للنادر يتصرف فيها بما شاء ، ولا يلزمه أن يشتري بها عبدا يعتقه ، لأن ملكه لم يزل عن العبد ، والذي يستحق العتق هو العبد وقد مات . ومستحقو الهدي باقون . وإن لم يجد بالقيمة ما يصلح هديا فوجهان ( أحدهما ) وهو الذي ذكره الماوردي أنه يلزم المهدي أن يضم إلى القيمة من ماله ما يحصل به هدي لأنه التزمه قال الرافعي : ومن قال بهذا يمكن أن يطرده في التلف ( والوجه الثاني ) وهو الصحيح وبه قطع الجمهور أنه لا يلزمه ضم شيء من ماله لعدم تقصيره ، فعلى هذا إن أمكن أن يشتري شقص هدي فثلاثة أوجه ( أصحها ) يلزمه شراؤه وذبحه مع شريكه ولا يجوز إخراج القيمة ( والوجه الثاني والثالث ) كما سبق في إتلاف المهدي . وإن لم يمكن أن [ ص: 340 ] يشتري به شقص هدي ففيه الوجه الثاني والثالث . وقد رتب الماوردي هذه الصور ترتيبا حسنا فقال : إن كان المتلف ثنية ضأن مثلا ولم يمكن أن يشتري بالقيمة مثلها وأمكن أن يشتري بها جذعة ضأن وثنية معز ، تعين الضأن رعاية للنوع ، وإن أمكن ثنية معز دون جذعة ضأن تعين الأول ، لأن الثاني لا يصلح هديا ، وإن أمكن دون جذعة ضأن ودون ثنية معز وأمكن شراء سهم في شاة تعين الأول ، لأن كلا منهما لا يصلح للهدي فترجح الأول ، لأن فيه إراقة دم كامل ، وإن أمكن شراء سهم وشراء لحم تعين الأول لأن فيه شركة في إراقة دم ، وإن لم يمكن إلا شراء اللحم وتفرقة الدراهم تعين الأول ، لأنه مقصود الهدي ، والله أعلم .



( الثالثة ) إذا اشترى هديا ثم نذر إهداءه ثم وجد به عيبا لم يجز له رده بالعيب لأنه تعلق به حق لله تعالى فلا يجوز إبطاله ، كما لو عتق المبيع أو وقفه ثم وجد به عيبا فإنه لا يجوز رده ويجب الأرش هنا كما يجب فيما إذا أعتق أو وقف ، وفي هذا الأرش وجهان ( أحدهما ) وبه قطع المصنف والأكثرون يجب صرفه إلى المساكين لما ذكره المصنف ، فعلى هذا إن أمكنه شراء هدي لزمه وإلا ففيما يفعل به الأوجه السابقة في المسألة قبلها فيما إذا أتلفه وفضل عن مثله شيء .

( والوجه الثاني ) يكون الأرش للمشتري النادر لأن الأرش إنما وجب له ، لأن عقد البيع اقتضى سلامته وذلك حق للمشتري ، وإنما تعلق به حق الفقراء وهو ناقص ، ولأن العيب قد يكون مؤثرا في اللحم الذي هو المقصود . قال الرافعي : وبالوجه الأول قال الأكثرون ، لكن الثاني أقوى ، قال ونسبه إلى المراوزة ولا يصح غيره . قال : وإليه ذهب ابن الصباغ والغزالي والروياني ، هذا كلام الرافعي . وقد نقل ابن الصباغ هذا الثاني عن أصحابنا مطلقا ولم يحك فيه خلافا فهو الصحيح ، والله أعلم . [ ص: 341 ] فرع ) إذا قال : جعلت هذه الشاة أو البدنة ضحية أو نذر أن يضحي بشاة أو بدنة عينها فماتت قبل يوم النحر أو سرقت قبل تمكنه من ذبحها يوم النحر فلا شيء عليه ، وكذا الهدي المعين إذا تلف قبل بلوغ المنسك أو بعده ، وقبل التمكن من ذبحه فلا شيء عليه لأنه أمانة لم يفرط فيها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث