الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل التبكير في طلب المعيشة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 169 ] كتاب البيوع قال المصنف - رحمه الله تعالى - البيع جائز والأصل فيه قوله تعالى { وأحل الله البيع وحرم الربا } وقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }

التالي السابق


( الشرح ) قوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة ) هو استثناء منقطع ، أي لكن لكم أكلها بتجارة عن تراض منكم ، قال العلماء : خص الله سبحانه وتعالى الأكل بالنهي تنبيها على غيره ، لكونه معظم المقصود من المال ، كما قال تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } وقوله تعالى : { الذين يأكلون الربا } وأجمعت الأمة على أن التصرف في المال بالباطل حرام سواء كان أكلا أو بيعا أو هبة أو غير ذلك ، وقوله تعالى ( بالباطل ) قال ابن عباس وغيره : " إلا بحقها " قال أهل المعاني : الباطل اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم ورد الشرع به ، قال الواحدي : أجمعوا على أن هذا الاستثناء منقطع ، وقوله تعالى { إلا أن تكون تجارة } فيها قراءتان : الرفع والنصب ، فمن رفع جعل ( كان ) تامة ، إلا أن تقع تجارة ، ومن نصب قال : تقديره : إلا أن يكون المأكول تجارة أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف ، قال الواحدي : والأجود الرفع ، لأنه أدل على انقطاع الاستثناء ولأنه لا يحتاج إلى إضمار .

وأما صاحب الحاوي فبسط تفسير الآية في الحاوي فقال : قوله تعالى : ( أموالكم ) فيه تأويلان : ( أحدهما ) المراد مال كل إنسان في نفسه ، [ ص: 170 ] أي لا يصرفه في المحرمات ( والثاني ) معناه لا يأخذ بعضكم مال بعض كما قال تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( وقوله ) بالباطل ، قيل : معناه الصرف في المحرمات ، وقيل : النهب والغارات ، ( والثالث ) التجارات الفاسدة ونحوها ، والمختار ما قدمنا عن ابن عباس وأهل المعاني ، والله تعالى أعلم . وأما قوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربا } فقد ذكر الشافعي - رحمه الله - في كتاب الأم تفسيرها مستوفى مع اختصار ، وشرحه صاحب الحاوي فقال : قال الشافعي : ومعنى الآية أربعة أقوال : ( أحدها ) أنها عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ، ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل ، وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابنا . قال في الأم : هذا أظهر معاني الآية . قال صاحب الحاوي والدليل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز ، فدل على أن الآية الكريمة تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها ، وبين صلى الله عليه وسلم المخصوص ، قال : فعلى هذا في العموم قولان ( أحدهما ) إنه عموم أريد به العموم ، وإن دخله التخصيص ( والثاني ) إنه عموم أريد به الخصوص ، قال : والفرق بينهما من وجهين ( أحدهما ) أن العموم المطلق الذي يراد به العموم ، وهو ما يجري على عمومه ، وإن دخله تخصيص كان الخارج منه بالتخصيص أقل مما بقي على العموم .

( والوجه الثاني ) أن البيان فيما أريد به الخصوص مقدم على اللفظ ، وفيما أريد به العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به ، قال : وعلى القولين جميعا يجوز الاستدلال بهذه الآية الكريمة في المسائل المختلف فيها . ما لم يقم دليل تخصيص ، وإخراجها من العموم .

[ ص: 171 ] والقول الثاني ) من الأقوال الأربعة : إنها مجملة لا يعقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ودليله أن في البياعات الجائز وغيره ، وبين في الآية ما يميز هذا من ذاك ، فاقتضت كونها مجملة ، فعلى هذا هل هي مجملة بنفسها ؟ أم بعارض ؟ فيه وجهان لأصحابنا ( أحدهما ) أنها مجملة بنفسها ، لأن قوله تعالى { وأحل الله البيع } يقتضي جواز البيع متفاضلا ، وقوله تعالى { وحرم الربا } يقتضي تحريم بيع الربوي متفاضلا فصار آخرها معارضا لأولها ، فحصل الإجمال فيها بنفسها ( والثاني ) أنها مجملة بغيرها ، لأنها جواز كل بيع من غرر ومعدوم وغيرهما وقد وردت السنة بالنهي عن بيع الغرر وبيع الملامسة وغيرهما فوقع الإجمال فيها بغيرها ، قال : ثم اختلف أصحابنا في الإجمال على وجهين ( أحدهما ) أن الإجمال وقع في المعنى المراد به دون صيغة لفظها ، لأن لفظ البيع اسم لغوي ولم يرد من طريق الشرع ، ومعناه معقول ، لكن لما قام بإزائه من الشبه ما يعارضه ، تدافع العمومان وحدهما ولم يتعين المراد منهما إلا ببيان الشبه ، فصارا مجملين لهذا المعنى ، لأن هذا اللفظ مشكل المعنى .

( والثاني ) أن اللفظ محتمل ، والمعنى المراد منه مشكل ، لأنه لما لم يكن المراد من اللفظ ما وقع عليه الاسم تبينا أن له شرائط لم تكن معقولة في اللغة ، خرج اللفظ بالشرائط عن موضوعه في اللغة إلى ما استقرت عليه شرائط الشرع ، وإن كان له في اللغة معان معقولة كما قلنا في الصلاة إنها مجملة لأنها متضمنة شرائط لم تكن معقولة في اللغة كالخضوع ، فكذلك البيع ، قال الماوردي : وعلى الوجهين لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع ولا فساده ، وإن دلت على صحة البيع من أصله قال . وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم ، ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل ، والله أعلم .

[ ص: 172 ] والقول الثالث ) من الأربعة يتناولهما جميعا فيكون عموما دخله التخصيص ، ومجملا لحقه التفسير ، لقيام الدلالة عليها ، قال الماوردي واختلف أصحابنا في وجه دخول ذلك فيهما على ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى ، فيكون اللفظ عاما مخصوصا ، والمعنى مجملا لحقه التفسير ( والثاني ) أن العموم في قوله تعالى { وأحل الله البيع } والإجمال في قوله { : وحرم الربا } ( والثالث ) أنه كان مجملا ، فلما بينه النبي صلى الله عليه وسلم صار عاما ، فيكون داخلا في المجمل قبل البيان ، وفي العموم بعد البيان ، قال : فعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الثاني .

( والقول الرابع ) إنها تناولت بيعا معهودا ، ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله عليه وسلم بيوعا وحرم بيوعا ، فقوله تعالى : ( وأحل الله البيع ) أي البيع الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ، وعرفه المسلمون منه ، فتناولت الآية بيعا معهودا ، ولهذا دخلت الألف واللام لأنهما للعهد أو للجنس ، ولا يكون الجنس هنا مرادا لخروج بعضه عن التحليل ، فعلم أن المراد العهد ، فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده ، بل يرجع فيما اختلف فيه إلى الاستدلال بما تقدمها من السنة التي عرف بها البيوع الصحيحة ، فيحصل الفرق بينها وبين المجمل من وجه ، وبينها وبين العموم من وجهين .

( فأما ) الوجه الواحد فهو أن بيان النبي صلى الله عليه وسلم للبيوع كان قبل نزولها ، وبيان المجمل يكون مقترنا للفظ ، أو متأخرا عنه على مذهب من يجوز تأخير البيان ، وأما الوجهان ( فأحدهما ) ما سبق من تقديم البيان في المعهود ، وإقرار بيان التخصيص بالعموم ( والثاني ) جواز الاستدلال بظاهر العموم دون ظاهر المعهود ، هذا آخر كلام الماوردي ، وذكر أصحابنا نحوه ، واتفقوا على نقل هذه الأقوال الأربعة عن الشافعي ، [ ص: 173 ] واتفقوا على أن أصحها عند الشافعي أن الآية عامة تتناول كل بيع إلا ما نهى الشرع عنه ، والله أعلم ( فرع ) أما الحكم الذي ذكره المصنف وهو جواز البيع ، فهو مما تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وأجمعت الأمة على أن المبيع بيعا صحيحا يصير بعد انقضاء الخيار ملكا للمشتري ، قال الغزالي في أول بيوع الوسيط : أجمعت الأمة على أن البيع سبب لإفادة الملك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



( فرع ) قال أصحابنا : وإذا انعقد البيع لم يتطرق إليه الفسخ إلا بأحد سبعة أسباب ، وهي خيار المجلس ، وخيار الشرط ، وخيار العيب ، وخيار الخلف ، بأن كان شرطه كاتبا فخرج غير كاتب ، والإقالة ، والتخالف ، وتلف المبيع ، وأما خيار الرؤية ففي بيع الغائب إذا جوزناه فهو ملتحق في المعنى بخيار الشرط ، والله تعالى أعلم .

( فرع ) قال ابن قتيبة وغيره : يقال : بعت الشيء بمعنى بعته وبمعنى شريته ، ويقال شريت الشيء بمعنى شريته وبعته ، وأكثر الاستعمال : بعته إذا أزلت الملك فيه بالمعاوضة ، واشتريته إذا تملكته بها ، قال الأزهري : العرب تقول : بعت بمعنى بعت ما كنت ملكته ، وبعت بمعنى اشتريت ، قال : وكذلك شريت بالمعنيين ، قال : وكل واحد مبيع وبائع ، لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع ، ويقال : بعته أبيعه فهو مبيع ومبيوع ، مخيط ومخيوط ، قال الخليل : والمحذوف من مبيع واو مفعول ، لأنها زائدة ، فهي أولى بالحذف ، وقال الأخفش : المحذوف عين الكلمة ، قال المازني : كلاهما حسن ، وقول الأخفش أقيس ، والابتياع الاشتراء ، وبايعته وتبايعنا واستبعته سألته أن يبيعني ، وأبعت الشيء عرضته للبيع ، وبيع الشيء - بكسر الباء وضمها - والكسر أفصح وبوع - بضم الباء وبالواو - لغة فيه ، وكذلك القول في : كيل وقيل . [ ص: 174 ] وأما الشراء ففيه لغتان مشهورتان ( أفصحهما ) المد ( والثانية ) القصر فمن مد كتبه بالألف وإلا فبالياء ، وجمعه أشرية وهو جمع نادر ، ويقال شريت الشيء أشريه شريا إذا بعته ، وإذا اشتريته كما سبق ، فهو من الأضداد على اصطلاح اللغويين ، ومن المشترك على اصطلاح الأصوليين ، قول الله تعالى { ومن الناس من يشري نفسه } وقال تعالى : { وشروه بثمن بخس } وأما حقيقة البيع في اللغة فهو مقابلة المال بالمال ، وفي الشرع مقابلة المال بمال أو نحوه تمليكا .



( فرع ) أركان البيع ثلاثة العاقدان والصيغة والمعقود عليه ، وشرط العاقد أن يكون بالغا عاقلا مختارا بصيرا ، غير محجور عليه ويشترط إسلام المشتري إن كان المبيع عبدا مسلما ، أو مصحفا ، وعصمته إن كان المبيع سلاحا .



وشروط المبيع خمسة ، أن يكون طاهرا منتفعا به معلوما مقدورا على تسليمه مملوكا لمن يقع العقد له ، ويدخل في الضابط أم الولد والمرهون والموقوف والمكلف والجاني - إذا منعنا بيعهما - والمنذور إعتاقه ، وهذا الحد ناقص ، لأنه يرد عليه المجهول والمعجوز عن تسليمه وغير المملوك ، فالصواب الحد والأول هذه الشروط ستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى في مواضعها .

( فرع ) سبق في آخر باب الأطعمة الخلاف في أن أطيب المكاسب التجارة ؟ أم الزراعة ؟ أم الصنعة ؟



( فصل ) في الورع في البيع وغيره واجتناب الشبهات . قال الله تعالى : { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } وقال تعالى : { إن ربك لبالمرصاد } وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله [ ص: 175 ] صلى الله عليه وسلم يقول : { إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما شبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب } رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة ، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام ، وقد اختلف في عددها ، وقد جمعتها في كتاب الأربعين ، وعن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها } رواه البخاري ومسلم ، وعن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس } رواه مسلم حاك - بالحاء المهملة والكاف - أي تردد فيه . وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال : { أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت تسأل عن البر ؟ قلت : نعم . قال : استفت قلبك ، البر ما أطمأنت إليه النفس ، واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك } حديث حسن ، رواه أحمد بن حنبل والدارمي في مسنديهما وعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه { أنه تزوج امرأة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت : إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها ، فقال لها : ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني ، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف ؟ وقد قيل ، ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره } رواه البخاري ، إهاب - بكسر الهمزة - وعزيز - بفتح العين بزاي مكررة وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : { حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك [ ص: 176 ] إلى ما لا يريبك } رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، معناه اترك ما تشك فيه ، وخذ ما لا تشك فيه .

وعن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس } رواه الترمذي وقال : هو حديث حسن ، قال البخاري : وقال حسان بن أبي سنان : " ما رأيت شيئا أهون من الورع ، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " وحسان هذا من تابعي التابعين روى عن الحسن البصري ( فصل ) عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما كتب له منها } رواه البيهقي بإسناد صحيح ، ورواه ابن ماجه بإسناد ضعيف .

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه بآخر رزق هو له ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب من الحلال وترك الحرام } رواه ابن ماجه والبيهقي .



( فصل ) في النهي عن اليمين في البيع ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { : الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح } وفي رواية : " للبر ، وفي رواية : للكسب " رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي قتادة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إياكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق } رواه مسلم .

وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال أبو ذر : خابوا وخسروا [ ص: 177 ] من هم يا رسول الله ؟ قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب } رواه مسلم ( فصل ) عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه قال : { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال : يا معشر التجار ، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه ، فقال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله ، وبر وصدق } رواه الترمذي ، وقال هو حديث حسن صحيح .

وعن قيس بن أبي غرزة - بغين معجمة ثم راء ثم زاي مفتوحات - الصحابي رضي الله عنه قال : { خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نسمى السماسرة فقال : يا معشر التجار إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة } رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال : { التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء } رواه الترمذي وقال : حديث حسن .



( فصل ) في التبكير في طلب المعيشة ، عن صخر الغامدي الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اللهم بارك لأمتي في بكورها وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار ، وكان صخر رجلا تاجرا ، وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار ، فأثرى وكثر ماله } رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن .



( فصل ) في استحباب السماحة في البيع والشري والتقاضي والاقتضاء وإرجاح المكيال والميزان قال الله تعالى : { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } وقال تعالى : { ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط [ ص: 178 ] ولا تبخسوا الناس أشياءهم } وقال تعالى : { ويل للمطففين } الآية . وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى } رواه البخاري .

وعن جابر قال : { اشترى مني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا فوزن لي وأرجح } رواه البخاري ومسلم . وعن سويد بن قيس قال : { جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فسامنا بسراويل وعندي وزان يزن بالأجر فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوازن : زن وأرجح } رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اسمح يسمح لك } رواه ابن أبي عاصم



( فصل ) عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما } رواه البخاري ومسلم .

وعن جرير بن عبد الله قال : { بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم } رواه البخاري ومسلم .

وعن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الدين النصيحة ، قلنا لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم } رواه مسلم .

وعن أنس رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه } رواه البخاري ومسلم



( فصل ) عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من أصاب من شيء فليلزمه } رواه ابن ماجه بإسناد جيد .

وعن نافع مولى ابن عمر [ ص: 179 ] { قال : كنت أجهز إلى الشام وإلى مصر فجهزت إلى العراق فأتيت عائشة رضي الله عنها فقلت : يا أم المؤمنين كنت أجهز إلى الشام فجهزت إلى العراق ، فقالت : لا تفعل ، ما لك منزل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سبب الله لأحد رزقا من وجه فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر } رواه ابن ماجه بإسناد فيه ضعف .



( فصل ) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أحب البلاد إلى الله مساجدها ، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها } رواه مسلم ، وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه من قوله : { لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها ، فإنها معركة الشيطان ، وبها ينصب رايته } رواه مسلم هكذا موقوفا على سلمان ، ورواه الرقاني في صحيحه عن سلمان قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تكن أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها فيها باض الشيطان وفرخ } قال الماوردي وغيره : الذم لمن أكثر ملازمة السوق وصرف أكثر الأوقات إليها والاشتغال بها عن العبادة وهذا كما قالوه ، لثبوت الأحاديث في دخول النبي صلى الله عليه وسلم الأسواق مع نص القرآن ، قال الله تعالى : { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } وقال تعالى : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه ، حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف } رواه البخاري ومسلم ، قينقاع قبيلة من اليهود - بفتح القاف الأولى وضم النون وفتحها وكسرها - وعن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السوق فقال [ ص: 180 ] رجل : يا أبا القاسم فالتفت إليه } وذكر تمام الحديث رواه البخاري .

وعن بريدة قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوق قال : بسم الله اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها ، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة ، أو صفقة خاسرة } رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين .

( فصل ) سبق في مقدمة هذا الشرح أن من أراد التجارة لزمه أن يتعلم أحكامها فيتعلم شروطها ، وصحيح العقود من فاسدها ، وسائر أحكامها ، وبالله التوفيق .



( فصل ) مذهبنا أن الإشهاد على عقد البيع والإجارة وسائر العقود غير النكاح والرجعة مستحب ، وليس بواجب ، وقد صرح المصنف بهذا اللفظ بحروفه في أول كتاب الشهادات ، واستدل المصنف وغيره للاستحباب بقوله تعالى : ( { وأشهدوا إذا تبايعتم } ) هذا مذهبنا ، قال ابن المنذر وبه قال أبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري والشعبي والحسن وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ، وبهذا قال جمهور الأمة من السلف والخلف ، قال ابن المنذر : وقالت طائفة : يجب الإشهاد على البيع ، وهو فرض لازم يعصى بتركه ، قال : روينا هذا عن ابن عباس قال : وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد ، ولم يكتب ، قال : وروينا عن مجاهد قال : ثلاثة لا يستجاب لهم دعوة : رجل باع بنقد فغش قال : وروينا نحو هذا عن أبي بردة بن أبي موسى وأبي سليمان المرعشي ، واحتجوا بقوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى ، ولم ينقل الإشهاد في ذلك وكذلك الصحابة [ ص: 181 ] في زمنه وبعده ، وحملوا الآية الكريمة على الاستحباب لما ذكرناه ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث