الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( وأما النجس بملاقاة النجاسة فهو الأعيان الطاهرة إذا أصابتها نجاسة ، فينظر فيها ، فإن كان جامدا كالثوب وغيره جاز بيعه لأن البيع يتناول الثوب وهو طاهر ، وإنما جاورته النجاسة ، وإن كان مائعا نظرت فإن كان مما لا يطهر كالخل والدبس - لم يجز بيعه لأنه نجس لا يمكن تطهيره من النجاسة ، فلم يجز بيعه كالأعيان النجسة ، وإن كان ماء ، ففيه وجهان ( أحدهما ) [ ص: 281 ] لا يجوز بيعه لأنه نجس لا يطهر بالغسل ، فلم يجز بيعه كالخمر ( والثاني ) يجوز بيعه لأنه يطهر بالماء فأشبه الثوب . فإن كان دهنا فهل يطهر بالغسل ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) لا يطهر ، لأنه لا يمكن عصره من النجاسة فلم يطهر كالخل ( والثاني ) يطهر ، لأنه يمكن غسله بالماء فهو كالثوب ( فإن قلنا ) لا يطهر لم يجز بيعه كالخل ( وإن قلنا ) : يطهر ففي بيعه وجهان كالماء النجس ، ويجوز استعماله في السراج والأولى أن لا يفعل لما فيه من مباشرة النجاسة )

التالي السابق


( الشرح ) قوله : لأنه لا يمكن عصره من النجاسة فلم يطهر كالخل ، هذا تعليل فاسد لأنه يقتضي أن المنع من طهارة الخل ونحوه والدهن إنما هو لتعذر العصر ، وقد علم أن الصحيح أنه لا يشترط العصر في طهارة المغسول من النجاسة ، بل التعليل الصحيح أنه لا يدخل الماء جميع أجزائه بخلاف الثوب ونحوه .

( أما الأحكام ) ففيها مسائل : ( إحداها ) إذا كانت العين متنجسة بعارض وهي جامدة كالثوب والبساط والسلاح والجلود والأواني والأرض وغير ذلك ، جاز بيعها بلا خلاف ; لما ذكره المصنف ونقلوا فيه إجماع المسلمين قال أصحابنا : فإن تستر شيء من ذلك بالنجاسة الواردة ففيه القولان في بيع الغائب .

( الثانية ) إذا كانت العين الطاهرة المتنجسة بملاقاة النجاسة مائعة فينظر إن كانت لا يمكن تطهيرها كالخل واللبن والدبس والعسل والمرق ونحو ذلك لم يجز بيعها بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ونقلوا فيه إجماع المسلمين ، وأما الصبغ النجس فالمشهور الذي قطع به الجمهور أنه لا يجوز بيعه كالخل ونحوه وشذ المتولي فحكم فيه طريقين ( أحدهما ) هذا ( والثاني ) أن في جواز بيعه طريقتين كالزيت النجس ( أصحهما ) لا يجوز لأنه لا يمكن تطهيره بخلاف الزيت على الوجه القائل بجواز بيعه وإنما يصبغ الناس به ثم يغسلون الثوب ، وممن حكى الوجه الشاذ [ ص: 282 ] في جواز بيع الصبغ النجس القاضي حسين والروياني وطرده القاضي حسين في الخل المتنجس قال لأنه يصبغ به .

( الثالثة ) هل يجوز بيع الماء النجس فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) لا يجوز ، وبه قطع الغزالي في البسيط ، قال الروياني : وفيه طريق آخر وهو الجزم ببطلان بيعه لأنه لا يطهر بل يستحيل ببلوغه قلتين من صفة النجاسة إلى الطهارة كالخمر يتخلل .

( الرابعة ) الدهن النجس ضربان ضرب نجس العين كودك الميتة فلا يجوز بيعه بلا خلاف ، ولا يطهر بالغسل ( والضرب الثاني ) متنجس بالمجاورة كالزيت والشيرج والسمن ودهن الحيوان وغيره . فهذا كله هل يطهر بالغسل ؟ فيه وجهان مشهوران ( أحدهما ) يطهر كله ( والثاني ) لا يطهر ، ودليلهما في الكتاب ، وفي المسألة وجه ثالث أنه يطهر الزيت ونحوه ، ولا يطهر السمن ، وممن ذكر هذا الوجه القاضي أبو الطيب والروياني وهو شاذ ، والصحيح عند الأصحاب أنه لا يطهر شيء من الأدهان بالغسل وهو ظاهر نص الشافعي ، وبه قال أبو علي الطبري ، قال صاحب الحاوي وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه ( والوجه الثاني ) يطهر الجميع بالغسل ، وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي واختاره الروياني .

قال أصحابنا : ( فإن قلنا : ) لا يطهر بالغسل لم يجز بيعه وجها واحدا . وإن قلنا : يطهر بالغسل ففي صحة بيعه وجهان . ( أصحهما ) باتفاق الأصحاب لا يجوز بيعه ، وبه قال أبو إسحاق المروزي وممن صححه القاضي أبو الطيب في تعليقه والماوردي والمتولي ، وقطع به البغوي ، وهو المنصوص في مختصر المزني في أول الباب الثالث من كتاب الأطعمة .

( والوجه الثاني ) يجوز بيعه وهذا الوجه خرجه ابن سريج من بيع الثوب النجس .

[ ص: 283 ] قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : هذا تخريج باطل ومخالف لنص الشافعي وإمام الحرمين في النهاية إن قلنا : يطهر الدهن الغسل - جاز بيعه قبل الغسل وجها واحدا كالثوب ( وإن قلنا ) لا يطهر فوجهان وهذا الترتيب غلط عند الأصحاب ومخالف للدليل ولنص الشافعي ، ولما اتفق عليه الأصحاب ، وإمام الحرمين والغزالي منفردان به ، فلا يعتد به ، ولا يغترن بقولهما ، والله تعالى أعلم .

( فرع ) إذا قلنا بالضعيف : إن الدهن يطهر بالغسل ، وقد قال الماوردي : طريقه أن يراق الدهن في قلتين من الماء ويحرك أشد تحريك حتى يصل الماء إلى جميع أجزائه ، ولم يتعرض الجمهور لاشتراط القلتين ( والصواب ) أنه إن أورد الدهن على الماء اشترط كون الماء قلتين ، وإن أورد الماء لم يشترط كونه قلتين ، بل يشترط فيه الغلبة للدهن كما في غسل سائر النجاسات .

( فرع ) مما استدلوا به للمذهب من أن الدهن المتنجس لا يطهر بالغسل الحديث في الفأرة تقع في السمن ، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل مع نهيه عن إضاعة المال .

( فرع ) نص الشافعي - رحمه الله تعالى - في مختصر المزني في أول الباب الثالث من كتاب الأطعمة على جواز الاستصباح بالزيت النجس ، وبهذا قطع المصنف وسائر العراقيين وكثير من الخراسانيين وهو المذهب وذكر أكثر الخراسانيين في جوازه قولين ( أصحهما ) جوازه ( والثاني ) تحريمه ، لأنه يؤدي إلى ملابسته وملابسة دخانه ، ودخانه نجس على الأصح والخلاف في جواز الاستصباح جار في الزيت النجس والسمن والشيرج وسائر الأدهان المتنجسة بعارض ، وفي ودك الميتة أيضا ( والصحيح ) في الجميع جواز الاستصباح ، وقد سبقت المسألة واضحة في آخر باب ما يجوز لبسه .

قال إمام الحرمين أطلق الأئمة الخلاف في [ ص: 284 ] جواز الاستصباح ، وفيه تفصيل عندي فإن كان السراج الذي فيه الدهن النجس بعيدا بحيث لا يلقي دخانه المتنجس به فلست أرى لتحريم هذا وجها ، فإن الانتفاع بالنجاسات لا يمنع ، وكيف يمنع مع تجويز تزبيل الأرض وتدميلها بالعذرة .

( قال ) ولعل الخلاف في جواز الاستصباح ناشئ من لحوق الدخان وفيه تفصيل نذكره ( أما ) رماد الأعيان النجسة فنجس على المذهب ، وفيه وجه ضعيف ( وأما ) دخان الأعيان النجسة إذا أحرقت وقلنا : رمادها نجس ففي دخانها وجهان ( أصحهما ) نجس ، وبه كان يقطع شيخي ( وأما ) الدهن النجس في عينه كودك الميتة ففي دخانه الخلاف الذي ذكرناه ( وأما ) الدهن المتنجس بعارض فدخانه أجزاء الدهن ، وما وقع فيه ونجسه لا يختلط بالدخان فيظهر في هذا الدخان الحكم بالطهارة ، فإن الذي خالط الدهن يتخلف قطعا والدخان محض أجزاء الدهن ، قال : ولا يمنع على بعد أن يطرد الخلاف في جواز الاستصباح ، وإن بعد السراج ، لأن هذا ممارس نجاسة مع الاستغناء عنها ، بخلاف التزبيل فإنه لا يسد مسده شيء ، فكان في حكم الضرورة . هذا آخر كلام الإمام .

( فرع ) في مذاهب العلماء في بيع الزيت النجس والسمن النجس . ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه لا يمكن غسله ، ولا يصح بيعه ، وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء . وقال أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد : يمكن غسله ، ويجوز بيعه قبل غسله كالثوب النجس ، وكما يجوز الاستصباح به والوصية به ، والصدقة والهبة ، وقال داود : يجوز بيع الزيت دون السمن ، وسبقت المسألة في آخر كتاب الأطعمة ، واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس السابق قريبا في مسألة بيع الكلب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه } وهو حديث [ ص: 285 ] صحيح كما سبق ، وبحديث الفأرة تقع في السمن ، وقد سبق بيانه وإيضاح طرقه في آخر باب الأطعمة ، وبالقياس على اللبن والخل ونحوهما إذا وقعت فيها نجاسة ( والجواب ) عن قياسهم على الثوب أنه يمكن غسله بالإجماع بخلاف الدهن ، ولأن المنفعة المقصودة بالثوب هي اللبس ، وهو حاصل مع أنه نجس ، والمنفعة المقصودة بالزيت الأكل ، وهو حرام .

( وأما ) جواز الاستصباح به فلا يلزم منه جواز البيع ، كما أنه يجوز إطعام الميتة للجوارح ولا يجوز بيعها ( وأما ) الوصية به فمبناها على الرفق والمساهلة ، ولهذا احتملت أنواعا من الغرر ( وأما ) الصدقة فكالوصية ، وكذلك الهبة إن صححناها . وفيها خلاف سنوضحه قريبا متصلا بهذا إن شاء الله تعالى .

( فرع ) قال الروياني : قال أصحابنا : لا يجوز هبة الزيت النجس ولا التصدق به ، قال : وأرادوا بذلك على سبيل التمليك ( فأما ) على سبيل نقل اليد فيجوز كما قلنا في الكلب . هذا كلام الروياني ( وأما ) قوله : بجواز نقل اليد فهو كما قال ، ولا يجيء فيه خلاف وأما تملكه بالهبة والصدقة فينبغي أن يكون على الوجهين في الكلب ، وأولى بالجواز .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث