الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 538 ] قال المصنف رحمه الله تعالى : ( وإن لبس خفا مغصوبا ففيه وجهان : قال ابن القاص : لا يجوز المسح عليه لأن لبسه معصية فلم يتعلق به رخصة ، وقال سائر أصحابنا : يجوز لأن المعصية لا تختص باللبس فلم تمنع صحة العبادة كالصلاة في الدار المغصوبة )

التالي السابق


( الشرح ) هذا الخلاف مشهور في المذهب ، وعبارة الأصحاب كعبارة المصنف يقولون : قال ابن القاص : لا يجوز ، وقال سائر أصحابنا : يجوز والصحيح عند جماهير الأصحاب صحة المسح ، وبه قطع البندنيجي وغيره كالصلاة في دار مغصوبة ، والذبح بسكين مغصوب ، والوضوء والتيمم بماء وتراب مغصوبين ، فإن ذلك كله صحيح وإن عصى بالفعل ، وقد سبق في باب الآنية بيان هذا مع غيره ، وأشار ابن الصباغ والغزالي وغيرهما إلى ترجيح منع الصحة لأن المسح إنما جاز لمشقة النزع وهذا عاص بترك النزع واستدامة اللبس ، فينبغي أن لا يعذر ، ولأنه يعصي باللبس أكثر من الإمساك ولأن تجويزه يؤدي إلى إتلافه بالمسح ، بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة فإن الصلاة فيها والجلوس سواء ، قال الروياني : هذا غلط لأنه إذا توضأ بالماء فقد أتلفه ولم يمنع ذلك الصحة .

( قلت ) للآخرين أن يفرقوا بأن المسح رخصة فلا تستفاد بالمعصية بخلاف الوضوء فيقاس على التيمم بتراب مغصوب حيث لا يجب كالتيمم لنافلة فإنه رخصة والله أعلم .

وأما قول المصنف : قال ابن القاص : لا يجوز وقال سائر أصحابنا : يجوز فمعناه قال ابن القاص : لا يصح ولا يستبيح به شيئا ، وقال سائر أصحابنا يصح ويستبيح به الصلاة وغيرها فأراد بالجواز الصحة ، وإلا فالفعل حرام بلا شك . والله أعلم .



( فرع ) لو لبس خف ذهب أو فضة فهو حرام بلا خلاف ، وهل يصح المسح عليه ؟ فيه الوجهان اللذان في المغصوب ، كذا صرح به الماوردي والمتولي والروياني وآخرون ونقله الروياني عن الأصحاب وقطع البغوي بالمنع ، ويمكن الفرق بأن تحريم الذهب والفضة لمعنى في نفس الخف فصار [ ص: 539 ] كالذي لا يمكن متابعة المشي عليه بخلاف المغصوب ، ولو لبس الرجل خفا من حرير صفيق يمكن متابعة المشي عليه فينبغي أن يكون كالذهب . والله أعلم .



( فرع ) قال الشافعي رضي الله عنه في الأم والأصحاب رحمهم الله : لا يصح المسح على خف من جلد كلب أو خنزير أو جلد ميتة لم يدبغ وهذا لا خلاف فيه . وكذا لا يصح المسح على خف أصابته نجاسة إلا بعد غسله لأنه لا يمكن الصلاة فيه ، وفائدة المسح وإن لم تنحصر في الصلاة فالمقصود الأصلي هو الصلاة وما عداها من مس المصحف وغيره كتبع لها ، ولأن الخف بدل عن الرجل ولو كانت نجسة لم تطهر عن الحدث مع بقاء النجاسة عليها فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين ؟ . قال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي : وكذا لا يجوز المسح على خف خرز بشعر الخنزير ولا الصلاة فيه وإن غسله سبعا إحداهن بالتراب ; لأن الماء والتراب لا يصل إلى مواضع الخرز المتنجسة ، وهذا الذي ذكره أبو الفتح هو المشهور ، قالوا : فإذا غسله سبعا إحداهن بالتراب طهر ظاهره دون باطنه وقال القفال في شرح التلخيص : سألت الشيخ أبا زيد عن الصلاة في الخف المخروز بالهلب يعني : شعر الخنزير فقال : الأمر إذا ضاق اتسع . قال القفال : ومراده أن بالناس إلى الخرز به حاجة فتجوز الصلاة فيه للضرورة والله أعلم . وقد قال الرافعي في آخر كتاب الأطعمة : إذا تنجس الخف بخرزه بشعر الخنزير فغسل سبعا إحداهن بالتراب طهر ظاهره دون باطنه ، وهو موضع الخرز ، قال : وقيل كان الشيخ أبو زيد يصلي في الخف النوافل دون الفرائض فراجعه القفال فيه فقال : الأمر إذا ضاق اتسع . أشار إلى كثرة النوافل ، هذا كلام الرافعي . وقوله أشار إلى كثرة النوافل لا يوافق عليه بل الظاهر أنه أشار إلى أن هذا القدر مما تعم به البلوى ويتعذر أو يشق الاحتراز منه فعفي عنه مطلقا ، وإنما كان لا يصلي فيه الفريضة احتياطا لها [ ص: 540 ] وإلا فمقتضى قوله العفو فيهما ، ولا فرق بين الفرض والنفل في اجتناب النجاسة ، ومما يدل على صحة ما تأولته ما قدمته عن نقل القفال في شرحه التلخيص . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث