الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأما لمس النساء فإنه ينقض الوضوء ، وهو أن يلمس الرجل بشرة المرأة أو المرأة بشرة الرجل بلا حائل بينهما فينتقض وضوء اللامس منهما لقوله تعالى : { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } . وفي الملموس قولان : ( أحدهما ) ينتقض وضوءه لأنه لمس بين الرجل والمرأة ينقض طهر اللامس ، فنقض طهر الملموس كالجماع ، وقال في حرملة : " لا ينتقض " لأن عائشة رضي الله عنها قالت : " { افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 27 ] في الفراش فقمت أطلبه فوقعت يدي على أخمص قدميه ، فلما فرغ من صلاته قال : أتاك شيطانك ؟ } " . ولو انتقض طهره لقطع الصلاة ، ولأنه لمس ينقض الوضوء فنقض طهر اللامس دون الملموس ، كما لو مس ذكر غيره ، وإن لمس شعرها أو ظفرها لم ينتقض الوضوء لأنه لا يلتذ بلمسه ، وإنما يلتذ بالنظر إليه . وإن لمس ذات رحم محرم ففيه قولان : ( أحدهما ) ينتقض وضوءه للآية ، ( والثاني ) لا ينتقض لأنه ليس بمحل لشهوته فأشبه لمس الرجل الرجل والمرأة المرأة ، وإن مس صغيرة لا تشتهى أو عجوزا لا تشتهى ففيه وجهان ، ( أحدهما ) ينتقض لعموم الآية ، ( والثاني ) لا ينتقض لأنه لا يقصد بلمسها الشهوة فأشبه الشعر ) .

التالي السابق


( الشرح ) في هذا الفصل مسائل ( إحداها ) حديث عائشة صحيح رواه مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة من طريقين بغير هذا اللفظ . أما الطريق الأولى فقالت : " { افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه ، فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع أو ساجد يقول : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت } " . وأما الثانية فقالت : " { فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه ، وهو في المسجد ، وهما منصوبتان وهو يقول : اللهم أعوذ برضاك من سخطك . . . } إلى آخر الدعاء . وفي رواية للبيهقي بإسناد صحيح : " فالتمست بيدي فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول : " اللهم أعوذ " إلى آخره ، فحصل من مجموع هذه الروايات أن الرواية المذكورة في الكتاب صحيحة المعنى ، لكن قوله : " أتاك شيطانك " غير مذكور في الروايات المشهورة . وذكرها البيهقي في السنن الكبير في باب ضم العقبين في السجود من أبواب صفة الصلاة بإسناد صحيح ، فيه رجل مختلف في عدالته وقد روى له البخاري ، وقد ذكر مسلم في أواخر صحيحه هذه اللفظة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : " أقد جاءك شيطانك ؟ " والله أعلم .

( المسألة الثانية ) في اللغات والألفاظ والاحترازات ، قوله تعالى : { أو لامستم النساء } قرئ في السبع لمستم ولامستم ، والنساء من الجموع التي [ ص: 28 ] لا واحد لها من لفظها ، كالرهط والنفر والقوم ، وكذا النسوة بكسر النون وضمها لغتان . وقوله : " يلمس " بضم الميم وكسرها لغتان ، وقوله " لا حائل بينهما " تأكيد وإيضاح ولو حذفه لاستغنى عنه ، فإن لمس البشرة إنما يكون إذا لم يكن حائل ، وقوله : " لأنه لمس بين الرجل والمرأة فيه احتراز مما إذا أولج في بهيمة فإنه ينقض طهر اللامس دون الملموس ، واحتراز أيضا من لمس الرجل ذكر غيره فإنه ينقض اللامس دون الملموس على المذهب وبه قطع المصنف والعراقيون . وقوله : " ينقض طهر اللامس " احتراز من مس الصغيرة والشعر والظفر ، وقولها : " افتقدت " وفي الرواية الثانية لمسلم : " فقدت " وهما لغتان فصيحتان . قال أهل اللغة : يقال فقدت الشيء أفقده فقدا وفقدانا وفقدانا بكسر القاف وضمها ، وكذا افتقدته أفتقده افتقادا ، وقولها ( أخمص قدميه ) ، هو مفسر في رواية مسلم ( بطن قدمه ) . قال أهل اللغة : الأخمص ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض ، ، والشيطان : كل جني مارد ، ونونه أصلية ، وقيل زائدة ، فعلى الأول وهو من شطن إذا بعد ، وعلى الثاني من شاط إذا احترق وهلك ، وقوله لأنه لمس ينقض الوضوء احتراز من لمس الشعر ، ولو قال : لمس يوجب الوضوء على اللامس لكان أحسن ليعم باحترازه الشعر والجماع ، ويكون فيه احتراز عما قاس عليه الأول ، وهكذا عادة المصنف فإنه يذكر في قياس القول الثاني قيودا يخرج بها ما قاس عليه الأول ولم يعمل هنا بعادته ، ولا يقال قد احترز عن الجماع بقوله : ينقض الوضوء ، لأن الجماع ناقض للوضوء وإن كان يوجب الغسل ، وفيه وجه شاذ سنذكره في باب صفة الغسل إن شاء الله تعالى . [ ص: 29 ] وقوله : " كما لو مس ذكر غيره " يعني فإنه ينقض الماس دون الممسوس قولا واحدا ، وهذا على طريقة المصنف والعراقيين ، وفيه خلاف للخراسانيين سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى .

( المسألة الثالثة ) إذا التقت بشرتا رجل وامرأة أجنبية تشتهى ، انتقض وضوء اللامس منهما ، سواء كان اللامس الرجل أو المرأة ، وسواء كان اللمس بشهوة أم لا ، تعقبه لذة أم لا ، وسواء قصد ذلك أم حصل سهوا أو اتفاقا ، وسواء استدام اللمس أم فارق بمجرد التقاء البشرتين ، وسواء لمس بعضو من أعضاء الطهارة أم بغيره ، وسواء كان الملموس أو الملموس به صحيحا أو أشل ، زائدا أم أصليا ، فكل ذلك ينقض الوضوء عندنا ، وفي كله خلاف للسلف سنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . ولنا أوجه ضعيفة في بعض هذه الصور ، منها : وجه حكاه القاضي حسين وغيره أن المرأة لا تزال ملموسة ولا تكون لامسة - وإن كانت هي الفاعلة - بل يكون فيها القولان في الملموس ، ووجه حكاه الرافعي وغيره أن لمس العضو الأشل أو الزائد لا ينقض ، ووجه حكاه الرافعي عن الحناطي أن ابن سريج كان يعتبر الشهوة في الانتقاض .

قال الحناطي : وحكى هذا عن نص الشافعي ، ووجه حكاه الفوراني وإمام الحرمين وآخرون أن اللمس إنما ينقض إذا وقع قصدا ، وهذه الأوجه شاذة ضعيفة والصحيح المعروف في المذهب ما سبق .

( الرابعة ) هل ينتقض وضوء الملموس ؟ فيه قولان مشهوران ، قد ذكر المصنف دليلهما ، وذكر الماوردي والقاضي حسين والمتولي وغيرهم أن القولين مبنيان على القراءتين ، فمن قرأ " لمستم " فلم ينقض الملموس لأنه لم يلمس ، ومن قرأ " لامستم " نقضه لأنها مفاعلة ، وهذا البناء الذي ذكروه ليس بواضح ، واختلف في الأصح من القولين ، فصحح الروياني والشاشي في طائفة قليلة عدم الانتقاض وصحح الأكثرون الانتقاض ، ممن صححه الشيخ أبو حامد والمحاملي في التجريد وصاحب الحاوي والجرجاني في التحرير ، والبغوي والرافعي في كتابيه وآخرون وقطع به أبو عبد الله الزبيري في كتابه [ ص: 30 ] الكافي والمحاملي في المقنع والشيخ نصر المقدسي في الكافي ، وغيرهم من أصحاب المختصرات ، وهو المنصوص عليه في معظم كتب الشافعي . قال الشيخ أبو حامد : نقل حرملة أنه لا ينتقض ، ونص الشافعي في مختصر المزني والأم والبويطي والإملاء والقديم وسائر كتبه أنه ينتقض ، وكذا قال المحاملي وغيره . قال الشافعي في حرملة " لا ينتقض " وقال في سائر كتبه " ينتقض " وبعضهم يقول : عامة كتبه ينتقض ، كذا قاله البندنيجي . ونقل القاضي أبو الطيب وغيره أن الشافعي نص في حرملة على قولين : الانتقاض وعدمه ، وأجاب هؤلاء عن حديث عائشة بأنه يحتمل كون اللمس كان فوق حائل ، وعن القياس على الممسوس أن المعتبر في مس الذكر مسه ببطن كفه ولم يحصل ذلك من الممسوس ، والمعتبر هنا التقاء بشرتي رجل وامرأة .

( فرع ) لو التقت بشرة رجل وامرأة بحركة منهما دفعة واحدة ، فكل واحد منهما لامس وليس فيهما ملموس . ذكره الدارمي وهو واضح .

( الخامسة ) إذا لمس أحدهما شعر الآخر أو سنه أو ظفره أو لمس بشرته بسنه أو شعره أو ظفره فطريقان ( أحدهما ) لا ينتقض وهو المذهب ، والمنصوص في الأم وبه قطع الجمهور ( والثاني ) فيه وجهان حكاهما الماوردي وجماعات من الخراسانيين أحدهما : الانتقاض لأن الشعر له حكم البدن في الحل بالنكاح والتحريم بالطلاق ، ووقوع الطلاق بإيقاعه عليه ، وعتقها بإعتاقه ووجوب غسله بالجنابة والموت وغيرهما ، وغير ذلك من الأحكام . واستدلوا من نص الشافعي بقوله في المختصر : " والملامسة أن يفضي بشيء منه إلى جسدها " والشعر شيء فينبغي أن ينقض ، والصحيح أنه لا ينقض كما نص عليه في الأم ، وقاله الجمهور لأنه لا يقصد ذلك للشهوة غالبا إنما تحصل اللذة وتثور الشهوة عن التقاء البشرتين للإحساس . وأما نصه في المختصر فمراده به ما صرح به في الأم وغيره . فعلى هذا قال الشافعي في الأم والأصحاب " يستحب أن يتوضأ من لمس الشعر والسن والظفر " .

[ ص: 31 ] فرع ) تيقن لمسها وشك هل لمس شعرها أم غيره ؟ وهل لمسها بظفره أو بشعره أم بغيره ؟ لم ينتقض لأن الأصل بقاء الطهارة ويستحب أن يتوضأ .

( السادسة ) إذا لمس ذات رحم محرم ففي انتقاضه قولان مشهوران ذكر المصنف دليلهما . قال القاضي أبو الطيب والمحاملي في كتابيه وصاحبا الشامل والبحر وآخرون : نص عليهما الشافعي في حرملة . قال المحاملي في المجموع : " لم يذكر الشافعي هذه المسألة إلا في حرملة " وقال الشيخ أبو حامد في التعليق " ظاهر قول الشافعي في جميع كتبه أنه لا ينتقض ، إلا أن أصحابنا قالوا فيه قولان ولست أعلم أن ذلك منصوص " . وقال صاحب الحاوي : " في المسألة قولان أصحهما وبه قال في الجديد والقديم : لا ينتقض . فحصل من هذا أن المشهور عن الشافعي عدم الانتقاض ، واتفق أصحابنا في جميع الطرق على أنه الصحيح إلا صاحب الإبانة فصحح الانتقاض وهو شاذ ليس بشيء . وهذان القولان في محرم ذات رحم كالأم والبنت والأخت وبنت الأخ والأخت والعمة والخالة ، وأما المحرمة برضاع أو مصاهرة كأم الزوجة وبنتها وزوجة الأم والابن والجد ففيها طريقان ( المذهب ) أنها على القولين ، الصحيح عدم الانتقاض ، وبهذا قطع البغوي والرافعي والآخرون .

( والثاني ) حكاه الروياني : القطع بالانتقاض ، قال : وهذا ليس بشيء ، وحكى في البيان الطريقين فيمن كانت حلالا له ، ثم حرمت بالمصاهرة كأم زوجته وبنتها ، والصحيح الأول ، وأما المحرمة على التأبيد بلعان أو وطء شبهة أو بالجمع كأخت الزوجة وبنتها قبل الدخول والمحرمة لمعنى فيها كالمرتدة المجوسية والمعتدة فينقض لمسها بلا خلاف .

( فرع ) إذا قلنا : لا ينقض لمس المحرم ، فلمسها بشهوة لم ينتقض صرح به القاضي حسين والبغوي ، قالا : لأنها كالرجل في حقه فيصير كما لو لمس رجل رجلا بشهوة فإنه لا ينتقض .

( فرع ) قال أصحابنا : أو لمس صغيرة أو عجوزا لا تشتهى من محارمه ، وقلنا : الصغيرة والعجوز الأجنبية تنقض ففيها القولان . [ ص: 32 ] فرع ) لمس امرأة وشك هل هي محرم أم أجنبية ؟ فعلى القولين في المحارم لأن الأصل بقاء الطهارة . ذكره الدارمي .

( السابعة ) لمس صغيرة لا تشتهى أو عجوزا لا تشتهى ، فوجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما ومن الأصحاب من حكاهما قولين ، والصواب وجهان ومن قال قولان أراد أنهما مخرجان . قال القاضي أبو الطيب والروياني وجماعات : ليس للشافعي نص في هذه المسألة ولكن الأصحاب خرجوها على وجهين بناء على القولين في المحارم ، واتفقوا على أن الصحيح في الصغيرة عدم الانتقاض ، وأما العجوز فالجمهور صححوا الانتقاض ، وقطع به جماعة لأنها مظنة الشهوة ومحل قابل في الجملة . وشذ الجرجاني فصحح عدم الانتقاض وقطع به المحاملي في المقنع ، والصحيح الانتقاض ، والخلاف في صغيرة لا تشتهى كما ذكرنا ، فأما التي بلغت حدا تشتهيها الرجال فتنقض بلا خلاف . والرجوع في ضبط هذا إلى العرف . ورأيت في تعليق الشيخ أبي حامد قال : " الصغيرة مثل أن يكون لها سبع سنين فما دونها " والصواب ما قدمته لأن هذا يختلف باختلاف الصغيرات . قال الدارمي : ويجري الخلاف في لمس المرأة شيخا هرما وصبيا صغيرا لا يشتهيان قال صاحب الحاوي : ويجري الخلاف إذا لمس شيخ فقد الشهوة واللذة بدن شابة ، وقطع الدارمي بأن الشيخ إذا لمس ينتقض كما لمس العنين والخصي والمراهق فإنه ينتقض بلا خلاف والله أعلم .

( فروع ) " الأول " لمس امرأة أو لمسته فوق ثوب رقيق بشهوة ولم تمس البشرة أو تضاجعا كذلك بشهوة ، لا ينتقض لعدم حقيقة الملامسة .

" الثاني " لمس لسانها أو لثتها أو لمسها بلسانه انتقض ، ذكره الدارمي وهو واضح ولو تصادم لسانهما دفعة فلامسان .

" الثالث " لمس امرأة ميتة أو لمست رجلا ميتا ففي انتقاض اللامس [ ص: 33 ] طريقان حكاهما ابن الصباغ والبغوي والشاشي وآخرون ( إحداهما ) أنه على الوجهين في العجوز ، وبهذا قطع الماوردي والروياني والقاضي حسين وإمام الحرمين والمتولي وغيرهم لعدم الشهوة واللذة ( والطريق الثاني ) القطع بالانتقاض وهذا هو الصحيح المختار وممن صححه البغوي وقطع به جماعة منهم الدارمي والمحاملي والفوراني ونقل الشيخ أبو حامد الاتفاق عليه كما لو مس ذكر ميت وكما لو أولج في ميتة فإنه يلزمه الغسل بلا خلاف .

" الرابع " لمس عضوا مقطوعا من امرأة كيد وأذن وغيرهما . أو لمست عضوا مقطوعا من رجل فطريقان ( أحدهما ) فيه وجهان ( أحدهما ) ينتقض كلمسه في حال الاتصال ( وأصحهما ) لا ; لأنها ليست امرأة ولا شهوة ولا لذة . وهذا الطريق مشهور عند الخراسانيين .

( والثاني ) وهو المذهب : لا ينتقض وبه قطع العراقيون والبغوي ونقله القاضي حسين في تعليقه عن نص الشافعي . ونقل القاضي أن الشافعي نص على الانتقاض في مس الذكر المقطوع وعلى عدمه في اليد المقطوعة . فمن الأصحاب من نقل وخرج . فجعل في المسألتين خلافا ومنهم من قرر النصين وفرق بأنه مس ذكرا ولم يلمس امرأة ، والشرع ورد بمس الذكر ولمس المرأة .

" الخامس " لو لمس الخنثى المشكل بشرة خنثى مشكل أو لمس رجل أو امرأة بدن المشكل أو لمس المشكل بدنهما ، لم ينتقض للاحتمال ، فلو لمس المشكل بشرة رجل وامرأة انتقض هو لأنه لمس من يخالفه ولا ينتقض الرجل ولا المرأة للشك ، وكذا لو لمساه لم ينتقض واحد منهما للشك . وفي انتقاض الخنثى القولان في الملموس ، فلو اقتدت المرأة بهذا الرجل لم تصح صلاتها لأنها إن لم تكن محدثة فإمامها محدث .

" السادس " لو ازدحم رجال ونساء فوقعت يده على بشرة لا يعلم أهي بشرة امرأة أم رجل ؟ لم ينتقض كما لو شك هل لمس محرما أم أجنبية أو هل لمس شعرا أو بشرة كما سبق بيانه .

" السابع " إذا لمس الرجل أمرد حسن الصورة بشهوة أم بغيرها لم ينتقض وضوء واحد منهما صغيرا كان أو كبيرا . هذا هو المذهب الصحيح [ ص: 34 ] المشهور وبه قطع الجمهور وحكى الماوردي والروياني والشاشي وغيرهم وجها عند أبي سعيد الإصطخري أنه ينتقض لأنه في معنى المرأة والله أعلم .



( فرع ) في مذاهب العلماء في اللمس قد ذكرنا أن مذهبنا أن التقاء بشرتي الأجنبي والأجنبية ينقض سواء أكان بشهوة وبقصد أم لا ، ولا ينتقض مع وجود حائل وإن كان رقيقا . وبهذا قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وزيد بن أسلم ومكحول والشعبي والنخعي وعطاء بن السائب والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وسعيد بن عبد العزيز وهي إحدى الروايتين عن الأوزاعي .

" المذهب الثاني " لا ينتقض الوضوء باللمس مطلقا وهو مروي عن ابن عباس وعطاء وطاوس ومسروق والحسن وسفيان الثوري وبه قال أبو حنيفة ، لكنه قال إذا باشرها دون الفرج وانتشر فعليه الوضوء .

" المذهب الثالث " إن لمس بشهوة انتقض وإلا فلا ، وهو مروي عن الحكم وحماد ومالك والليث وإسحاق ، ورواية عن الشعبي والنخعي وربيعة والثوري . وعن أحمد ثلاث روايات كالمذاهب الثلاثة .

" المذهب الرابع " : إن لمس عمدا انتقض وإلا فلا ، وهو مذهب داود ، وخالفه ابنه فقال : لا ينتقض بحال .

" والخامس " إن لمس بأعضاء الوضوء انتقض وإلا فلا ، حكاه صاحب الحاوي عن الأوزاعي ، وحكى عنه أنه لا ينتقض إلا اللمس باليد .

" السادس " إن لمس بشهوة انتقض وإن لمس فوق حائل رقيق ، حكي عن ربيعة ومالك في رواية عنهما .

" السابع " إن لمس من تحل له لم ينتقض وإن لمس من تحرم عليه انتقض . حكاه ابن المنذر وصاحب الحاوي عن عطاء وهذا خلاف ما حكاه الجمهور عنه ولا يصح هذا عن أحد إن شاء الله . [ ص: 35 ] واحتج لمن قال لا ينتقض مطلقا بحديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها " { أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ } " وعن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة " { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعد الوضوء ثم لا يعيد الوضوء } " وبحديث عائشة المتقدم أن يدها وقعت على قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد وهو صحيح كما سبق وبالحديث المتفق على صحته { : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامة بنت زينب ، رضي الله عنها فكان إذا سجد وضعها ، وإذا قام رفعها } " رواه البخاري ومسلم وبحديث عائشة في الصحيحين { : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة ، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلها فقبضتها } " . وفي رواية للنسائي بإسناد صحيح " فإذا أراد أن يوتر مسني برجله " واحتجوا بالقياس على المحارم والشعر ، قالوا : ولو كان اللمس ناقضا لنقض لمس الرجل ، كما أن جماع الرجل الرجل كجماعه المرأة . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى { : أو لامستم النساء } واللمس يطلق على الجس باليد ، قال الله تعالى { : فلمسوه بأيديهم } وقال النبي صلى الله عليه وسلم لماعز رضي الله عنه { لعلك قبلت أو لمست } الحديث ، ونهى عن بيع الملامسة ، وفي الحديث الآخر : " { واليد زناها اللمس } " . وفي حديث عائشة " { قل يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا فيقبل ويلمس } " قال أهل اللغة : اللمس يكون باليد وبغيرها ، وقد يكون بالجماع ، قال ابن دريد : اللمس أصله باليد ليعرف مس الشيء وأنشد الشافعي وأصحابنا وأهل اللغة في هذا قول الشاعر :

وألمست كفي كفه طلب الغنى ولم أدر أن الجود من كفه يعدي

[ ص: 36 ] قال أصحابنا : ونحن نقول بمقتضى اللمس مطلقا ، فمتى التقت البشرتان انتقض ، سواء كان بيد أو جماع ، واستدل مالك ثم الشافعي وأصحابهما بحديث مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه " قال قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة ، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء " وهذا إسناد في نهاية من الصحة كما تراه .

فإن قيل ذكر النساء قرينة تصرف اللمس إلى الجماع ، كما أن الوطء أصله الدوس بالرجل وإذا قيل وطئ المرأة لم يفهم منه إلا الجماع ، فالجواب أن العادة لم تجر بدوس المرأة بالرجل ، فلهذا صرفنا الوطء إلى الجماع بخلاف اللمس فإن استعماله في الجس باليد للمرأة وغيرها مشهور . وذكر أصحابنا أقيسة كثيرة منها أنه لمس يوجب الفدية على المحرم ، فنقض كالجماع قال إمام الحرمين في ( الأساليب ) : الوجه أن يقال ما ينقض الوضوء لا يعلل وفاقا ، قال : وقد اتفق الأئمة على أن اقتضاء الأحداث الوضوء ليس مما يعلل ، وإذا كان كذلك فلا مجال للقياس ، وليس لمس الرجل الرجل في معنى لمسه المرأة ، فإن لمسها يتعلق به وجوب الفدية وتحريم المصاهرة وغير ذلك ، فلا مطمع لهم في القياس على الرجل ، وقد سلم أكثرهم أن الرجل والمرأة إذا تجردا وتعانقا وانتشر له وجب الوضوء ، فيقال لهم بم نقضتم في الملامسة الفاحشة ؟ فإن قالوا بالقياس لم يقبل ، وإن قالوا لقربه من الحدث ، قلنا : القرب من الحدث ليس حدثا بالاتفاق ، ولا يرد علينا النائم فإنه إنما انتقض بالسنة لكونه لا يشعر بالخارج ، فلم يبق لهم ما يوجب الوضوء في الملامسة الفاحشة إلا ظاهر القرآن العزيز وليس فيه فرق بين الملامسة الفاحشة وغيرها .

وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث حبيب بن أبي ثابت فمن وجهين أحسنهما وأشهرهما أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ ، ممن ضعفه سفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأبو داود وأبو بكر النيسابوري وأبو الحسن الدارقطني وأبو بكر البيهقي وآخرون من المتقدمين والمتأخرين . [ ص: 37 ] قال أحمد بن حنبل وأبو بكر النيسابوري وغيرهما : غلط حبيب من قبلة الصائم إلى القبلة في الوضوء ، وقال أبو داود : روي عن سفيان الثوري أنه قال : ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني يعني لا عن عروة بن الزبير وعروة المزني مجهول ، وإنما صح من حديث عائشة { : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم } " .

( والجواب الثاني ) لو صح لحمل على القبلة فوق حائل بين الأدلة ، والجواب عن حديث أبي روق بالوجهين السابقين وضعفوا الحديث بوجهين : أحدهما : ضعف أبي روق ضعفه يحيى بن معين وغيره . والثاني : أن إبراهيم التيمي لم يسمع عائشة ، هكذا ذكره الحافظ أبو داود وآخرون وحكاه عنهم البيهقي فتبين أن الحديث ضعيف مرسل ، قال البيهقي : وقد روينا سائر ما روي في هذا الباب في الخلافيات وبينا ضعفها فالحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم ، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها .

والجواب عن حديث حمل أمامة في الصلاة ورفعها ووضعها من أوجه أظهرها : أنه لا يلزم من ذلك التقاء البشرتين . والثاني : أنها صغيرة لا تنقض الوضوء . والثالث : أنها محرم . والجواب عن حديث عائشة في وقوع يدها على بطن قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحتمل كونه فوق حائل ، والجواب عن حديثها الآخر أنه لمس من وراء حائل وهذا هو الظاهر فيمن هو نائم في فراش وهذان الجوابان إذا سلمنا انتقاض ظهر الملموس وإلا فلا يحتاج إليهما . وأما قياسهم على الشعر والمحارم ولمس الرجل الرجل فجوابه ما سبق أن الشعر لا يلتذ بلمسه ، والمحرم والرجل ليسا مظنة شهوة وقد سبق عن إمام الحرمين إبطال القياس في هذا الباب . واحتج لمن قال ينقض اللمس بشهوة دون غيره بحديث أمامة والظاهر أنه كان يحصل معه مباشرة لكن بغير شهوة . ولأنها مباشرة بلا شهوة [ ص: 38 ] فأشبهت مباشرة الشعر والمحارم والرجل ولأنها ملامسة فاشترط في ترتب الحكم عليها الشهوة كمباشرة المحرم بالحج . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى { : أو لامستم النساء } ولم يفرق . والجواب عن حديث أمامة بالأوجه الثلاثة السابقة . وعن الشعر وما بعده بأنه ليس مظنة شهوة ولذة . وعن مباشرة المحرم بأنه منع من الترفه وذلك يختص بالشهوة بخلاف هذا ، واحتج لداود بقول الله تعالى ( { : أو لامستم } ) وهذا يقتضي قصدا . واحتج أصحابنا بالآية وليس فيها فرق . ولأن الأحداث لا فرق فيها بين العمد والسهو كالبول والنوم والريح . وقولهم : " اللمس يقتضي القصد " غلط لا يعرف عن أحد من أهل اللغة وغيرهم ، بل يطلق اللمس على القاصد والساهي كما يطلق اسم القاتل والمحدث والنائم والمتكلم على من وجد ذلك منه قصدا أو سهوا أو غلبة . واحتج لمن خص النقض باليد بالقياس على مس الذكر . واحتجاج الأصحاب بالآية ، والملامسة لا تختص باليد ، وغير اليد في معناها في هذا وليس على اختصاص اليد دليل . وأما مس الذكر باليد فمثير للشهوة بخلاف غير اليد ولمس المرأة يثير الشهوة بأي عضو كان ، واحتج لمن قال : اللمس فوق حائل رقيق ينقض بأنه مباشرة بشهوة . فأشبه مباشرة البشرة . واحتج الأصحاب بأن المباشرة فوق حائل لا تسمى لمسا . ولهذا لو حلف لا يلمسها فلمس فوق حائل لم يحنث والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث