الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تحريم الصلاة على المحدث

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 77 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن أحدث حرمت عليه الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : " { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } " ويحرم عليه الطواف ، لقوله : صلى الله عليه وسلم " { الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام } ويحرم عليه مس المصحف لقوله تعالى { : لا يمسه إلا المطهرون } ولما روى حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر } " ويحرم عليه حمله في كمه ; لأنه إذا حرم مسه فلأن يحرم حمله وهو في الهتك أبلغ وأولى . ويجوز أن يتركه بين يديه ويتصفح أوراقه بخشبة ; لأنه غير مباشر له ولا حامل له . وهل يجوز للصبيان حمل الألواح وهم محدثون ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) لا يجوز كما لا يجوز لغيرهم .

( والثاني ) يجوز ; لأن طهارتهم لا تنحفظ وحاجتهم إلى ذلك ماسة ، وإن حمل رجل متاعا ، وفي جملته مصحف وهو محدث جاز ; لأن القصد نقل المتاع فعفي عما فيه من القرآن كما لو كتب كتابا إلى دار الشرك وفيه آيات من القرآن ، وإن حمل كتابا من كتب الفقه وفيه آيات من القرآن أو حمل الدراهم الأحدية أو الثياب التي طرزت بآيات من القرآن ففيه وجهان : ( أحدهما ) لا يجوز ; لأنه يحمل القرآن .

( والثاني ) يجوز ; لأن القصد منه غير القرآن ، وإن كان على موضع من بدنه نجاسة فمس المصحف بغيره جاز ، وقال القاضي أبو القاسم الصيمري رحمه الله : لا يجوز كما لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف بظهره ، وإن كانت الطهارة تجب في غيره وهذا لا يصح ; لأن حكم الحدث يتعدى وحكم النجاسة لا يتعدى محلها ) .

التالي السابق


( الشرح ) : في هذا الفصل مسائل : ( إحداها ) حديث " { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } " صحيح رواه مسلم من رواية ابن عمر رضي الله عنهما ، وحديث " { الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام } " رواه البيهقي وغيره من رواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ضعيف ، والصحيح عندهم أنه موقوف على ابن عباس ، وحديث " { لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر } " رواه المصنف والشيخ أبو حامد ، عن حكيم بن حزام " والمعروف في كتب الحديث والفقه أنه عن عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 78 ] في الكتاب الذي كتبه له لما وجهه إلى اليمن وإسناده ضعيف ، رواه مالك في الموطأ مرسلا ورواه البيهقي أيضا من رواية ابن عمر والله أعلم .

( الثانية ) : في اللغات والألفاظ والأسماء : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " هو بضم الطاء ويجوز فتحها في لغة والمراد به فعل الطهارة ، وفي المصحف ثلاث لغات ضم الميم وفتحها وكسرها ، تقدم بيانهن في نية الوضوء ، قوله : " فلأن يحرم " هو بفتح اللام - وقد سبق بيانه في مواضع ، والدراهم الأحدية - بفتح الهمزة والحاء وكسر الدال وتشديد الياء - هي المكتوب عليها ( قل هو الله أحد ) . وأما حكيم بن حزام - بالزاي - فهو أبو خالد حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى أسلم يوم الفتح وكان ولد في جوف الكعبة ولم يصح أن غيره ولد في الكعبة وعاش مائة وعشرين سنة : ستين في الجاهلية ، وستين في الإسلام وتوفي بالمدينة ، وأما الصيمري - فهو بصاد مهملة مفتوحة ثم ياء ساكنة ، ثم ميم مفتوحة على المشهور ، وحكي ضمها ، وقد بينته في تهذيب الأسماء وهو منسوب إلى قرية عند البصرة وقيل غير ذلك وهو أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين بن محمد كان من كبار أئمة أصحابنا حضر مجلس أبي حامد المروروذي وتفقه على أبي الفياض وتفقه عليه أقضى القضاة الماوردي صاحب الحاوي وكان حافظا للمذهب حسن التصانيف ، له مصنفات كثيرة في أنواع من العلوم منها الإيضاح في المذهب نحو سبع مجلدات نفيس وقد بسطت في تهذيب الأسماء .

( المسألة الثالثة ) : أجمع المسلمون على تحريم الصلاة على المحدث وأجمعوا على أنها لا تصح منه سواء إن كان عالما بحدثه أو جاهلا أو ناسيا لكنه إن صلى جاهلا أو ناسيا فلا إثم عليه وإن كان عالما بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث فقد ارتكب معصية عظيمة ولا يكفر عندنا بذلك إلا أن يستحله ، وقال أبو حنيفة : يكفر لاستهزائه . دليلنا أنه معصية فأشبهت الزنا وأشباهه ، هذا كله إذا لم يأت ببدل ولا اضطر إلى الصلاة محدثا . [ ص: 79 ] أما المستحاضة وسلس البول وسائر من به حدث دائم ومن صلى بالتيمم ومن صلى الفرض بلا ماء ولا تراب لعدمهما أو أكره على الصلاة محدثا فلا شك في أنه لا إثم عليه في هذه المواضع في الصلاة وإن كان محدثا ، وحكم سجود التلاوة والشكر حكم الصلاة في ذلك وأما ما يفعله عوام الفقراء وشبههم من سجودهم بين يدي المشايخ - وربما كانوا محدثين - فهو حرام بإجماع المسلمين وسواء في ذلك كان متطهرا أو غيره وسواء استقبل القبلة أم لا وقد يتخيل كثير منهم أن ذلك تواضع وكسر للنفس وهذا خطأ فاحش وغباوة ظاهرة فكيف تكسر النفوس أو تتقرب إلى الله تعالى بما حرمه ؟ وربما اغتر بعضهم بقوله تعالى : { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا } والآية منسوخة أو متأولة كما هو معروف في كتب العلماء . وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن هذا السجود الذي قدمناه فقال : هو من عظائم الذنوب ونخشى أن يكون كفرا .

( المسألة الرابعة ) : يحرم على المحدث الطواف بالكعبة . فإن طاف عصى ولم يصح . هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وقال أبو حنيفة يصح بلا طهارة وفي تحريمه عنه روايتان دليلنا الحديث المذكور وهو صحيح عن ابن عباس كما ذكرنا . وثبت في الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ للطواف وقال : لتأخذوا عني مناسككم } " وسواء الطواف في حج وعمرة وغيره والله أعلم .

( المسألة الخامسة ) يحرم على المحدث مس المصحف وحمله سواء إن حمله بعلاقته أو في كمه أو على رأسه . وحكى القاضي حسين والمتولي وجها أنه يجوز حمله بعلاقته وهو شاذ في المذهب وضعيف قال أصحابنا : وسواء مس نفس الأسطر أو ما بينها أو الحواشي أو الجلد فكل ذلك حرام . وفي مس الجلد وجه ضعيف أنه يجوز وحكى الدارمي وجها شاذا بعيدا أنه لا يحرم مس الجلد ولا الحواشي ولا ما بين [ ص: 80 ] الأسطر ولا يحرم إلا نفس المكتوب . والصحيح الذي قطع به الجمهور تحريم الجميع وفي مس العلاقة والخريطة والصندوق إذا كان المصحف فيها وجهان مشهوران أصحهما يحرم ، وبه قطع المتولي والبغوي ; لأنه متخذ للمصحف منسوب إليه كالجلد . والثاني : يجوز ، واختاره الروياني في مس الصندوق وأما حمل الصندوق وفيه المصحف فاتفقوا على تحريمه . قال أبو محمد الجويني في الفروق : وكذا يحرم تحريكه من مكان إلى مكان ، وأما إذا تصفح أوراقه بعود ففيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما وبه قطع المصنف وسائر العراقيين يجوز ; لأنه غير مباشر له ولا حامل والثاني : لا يجوز ورجحه الخراسانيون ; لأنه حمل الورقة وهي بعض المصحف ، ولو لف كمه على يده وقلب الأوراق بها فهو حرام . هكذا صرح به الجمهور منهمالماوردي والمحاملي في المجموع وإمام الحرمين والغزالي والروياني وغيرهم ، وفرقوا بينه وبين العود بأن الكم متصل به وله حكم أجزائه في منع السجود عليه وغيره بخلاف العود . قال إمام الحرمين : ولأن التقليب يقع باليد لا بالكم ، قال : ومن ذكر فيه خلافا فهو غالط ، وشذ الدارمي عن الأصحاب فقال إن مسه بخرقة أو بكمه فوجهان ، وإن مسه بعود جاز . وأما إذا حمل المصحف في متاع فوجهان حكاهما الماوردي والخراسانيون أصحهما وبه قطع المصنف والجمهور ، ونقله الماوردي والبغوي عن نص الشافعي يجوز ; لأنه غير مقصود ، والثاني : يحرم ; لأن حامله حقيقة ولا أثر لكون غيره معه ، كما لو حمل المصلي متاعا فيه نجاسة فإن صلاته تبطل ، قال الماوردي : وصورة المسألة أن يكون المتاع مقصودا بالحمل ، فإن كان بخلافه لم يجز ، وإنما قاس المصنف على ما إذا كتب كتابا إلى دار الشرك فيه آيات ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 81 ] كتب إلى دار الشرك كتابا فيه شيء من القرآن مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن المسافرة بالقرآن إلى دار الكفر ، فدل على أن الآيات في ضمن كتاب لا يكون لها حكم المصحف والله سبحانه أعلم .

وأما إذا حمل كتاب فقه وفيه آيات من القرآن أو كتاب حديث فيه آيات ، أو دراهم أو ثوبا أو عمامة طرز بآيات أو طعاما نقش عليه آيات فوجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما أصحهما بالاتفاق جوازه . وقطع به إمام الحرمين والبغوي وجماعات ، ومنهم من قطع به في الثوب وخص الخلاف بالدراهم ، وعكسه المتولي فقطع بجواز مس كتاب الفقه وجعل الوجهين في مس ثوب أو خشبة أو حائط أو طعام أو دراهم عليها آيات ، وكذا ذكر غيره الوجهين في مس الحائط أو الحلوى والخبز المنقوش بقرآن والصحيح الجواز مطلقا ; لأنه ليس بمصحف ولا في معناه قال المتولي وغيره : إذا لم نحرمه فهو مكروه . وفيما قالوه نظر ، وقال الماوردي : الدراهم والدنانير المنقوشة بقرآن ضربان : ضرب لا يتداوله الناس كثيرا ولا يتعاملون به غالبا كالتي عليها سورة الإخلاص ، وضرب يتداولونه كثيرا ، فالأول لا يجوز حمله ، وفي الثاني الوجهان . والمشهور في كتب الأصحاب إطلاق الوجهين بلا فرق بين المتداول وغيره . فالفرق غريب نقلا ضعيف دليلا ، قال القاضي حسين : ويجوز مس خاتم نقش بآيات وحمله ، ولعله فرعه على الصحيح وإلا فهو كالدراهم . وأما إذا كان على موضع من بدنه نجاسة غير معفو عنها فإن أصاب المصحف بموضع النجاسة فهو حرام بلا خلاف وإن أصابه بغيره فوجهان . الصحيح أنه لا يحرم وبه قطع الجمهور وقال الصيمري : يحرم . وقد ذكر المصنف دليلهما . قال القاضي أبو الطيب : هذا الذي قاله الصيمري مردود بالإجماع قال المتولي : إذا قلنا بالمذهب أنه لا يحرم فهو مكروه وفيما قاله نظر . وأما الصبي فإن كان غير مميز لم يجز لوليه تمكينه من المصحف لئلا ينتهكه وإن كان مميزا فهل يجب على الولي والمعلم تكليفه الطهارة لحمل [ ص: 82 ] المصحف واللوح ومسهما ؟ فيه وجهان مشهوران أصحهما عند الأصحاب لا يجب للمشقة . ونقله الماوردي عن أكثر الأصحاب ، وقطع القاضي حسين والمتولي به في اللوح ، وذكر الوجهين في المصحف ، وقطع الجرجاني بأنه لا يمنع من مس المصحف واللوح في المكتب ، والمشهور طرد الوجهين فيهما في المكتب وغيره ، وقول المصنف : هل يجوز للصبيان ؟ فيه وجهان ، أحدهما : لا يجوز ، والثاني : يجوز ، وقد قال مثله الفوراني وابن الصباغ والروياني وهو تساهل ، فإن الصبي ليس مكلفا فكيف يقال هل يجوز له ؟ فيه وجهان والعبارة الصحيحة ما قدمناه والله أعلم



( فرع ) في مسائل : ( إحداها ) أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث والأفضل أنه يتطهر لها ، قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط : ولا نقول قراءة المحدث مكروهة ، فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث .

( الثانية ) كتاب تفسير القرآن إن كان القرآن فيه أكثر ، كبعض كتب غريب القرآن حرم مسه وحمله وجها واحدا ، كذا ذكره الماوردي وغيره ونقله الروياني عن الأصحاب ، وإن كان التفسير أكثر كما هو الغالب ففيه أوجه أصحها لا يحرم ; لأنه ليس بمصحف ، وبهذا قطع الدارمي وغيره . والثاني : يحرم لتضمينه قرآنا كثيرا . والثالث : إن كان القرآن متميزا عن التفسير بخط غليظ حمرة أو صفرة ونحو ذلك حرم وإلا فلا ، وبه قطع القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وضعفه غيرهم . قال المتولي : وإذا لم يحرم كره . وأما كتب القراءات فجعلها الشيخ نصر المقدسي ككتب الفقه وقطع هو بجوازها . وأما كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق الماوردي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم جواز مسها وحملها مع الحدث ; وقال المتولي والروياني : يكره ، والمختار ما قاله آخرون أنه إن لم يكن فيها شيء من القرآن جاز ; والأولى أن لا يفعل إلا بطهارة ، وإن كان فيها قرآن فعلى الوجهين في كتب الفقه .

[ ص: 83 ] الثالثة ) يجوز للمحدث مس التوراة والإنجيل وحملهما . وكذا قطع به الجمهور وذكر الماوردي والروياني فيه وجهين ; أحدهما لا يجوز ، والثانية قالا وهو قول جمهور أصحابنا يجوز ; لأنها مبدلة منسوخة قال المتولي : فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل كره مسه ولا يحرم ; قال الرافعي : وحكم المنسوخ تلاوته من القرآن حكم التوراة .

( الرابعة ) إذا كتب المحدث أو الجنب مصحفا نظر إن حمله أو مسه في حال كتابته حرم وإلا فالصحيح جوازه ; لأنه غير حامل ولا ماس ، وفيه وجه مشهور أنه يحرم ، ووجه ثالث حكاه الماوردي أنه يحرم على الجنب دون المحدث .

( الخامسة ) إذا كتب القرآن في لوح فله حكم المصحف فيحرم مسه وحمله على البالغ المحدث ، هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الأكثرون ، وفيه وجه مشهور أنه لا يحرم ; لأنه لا يراد للدوام بخلاف المصحف فعلى هذا يكره ، قاله في التتمة ، ولا فرق بين أن يكون المكتوب قليلا أو كثيرا فيحرم على الصحيح ، قال إمام الحرمين : لو كان على اللوح آية أو بعض آية كتب للدراسة حرم مسه وحمله .

( السادسة ) لا يجوز كتابة القرآن بشيء نجس ، ذكره البغوي وغيره ، قال البغوي وغيره : يكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى . قال القاضي حسين والبغوي وغيرهما : وإذا كتب قرآنا على حلوى وطعام فلا بأس بأكله قال القاضي : فإن كان على خشبة كره إحراقها .

( السابعة ) قال القاضي حسين وغيره : لا يجوز توسد المصحف ولا غيره من كتب العلم ، قال القاضي : إلا أن يخاف عليه السرقة فيجوز ، وهذا الاستثناء فيه نظر ، والصواب منعه في المصحف وإن خاف السرقة . قال القاضي حسين : ولا يمكن الصبيان من محو الألواح بالأقدام ولا يمكن المجنون والصبي الذي لا يميز من حمل المصحف لئلا ينتهكه .

( الثامنة ) لو خاف المحدث على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الحدث صرح به الدارمي [ ص: 84 ] وغيره بل يجب ذلك صيانة للمصحف ولو لم يجد من يودعه المصحف وعجز عن الوضوء فله حمله مع الحدث قال القاضي أبو الطيب : ولا يلزمه التيمم له ; لأنه لا يرفع الحدث وفيما قاله نظر . وينبغي أن يجب التيمم ; لأنه وإن لم يرفع الحدث فيبيح الصلاة ومس المصحف وحمله .

( التاسعة ) قال القاضي حسين وغيره : يكره للمحدث حمل التعاويذ - يعنون الحروز - قال أبو عمرو بن الصلاح في الفتاوى : كتابة الحروز واستعمالها مكروه وترك تعليقها هو المختار ، وقال في فتوى أخرى : " يجوز تعليق الحروز التي فيها قرآن على النساء والصبيان والرجال ويجعل عليها شمع ونحوه ويستوثق من النساء وشبههن بالتحذير من دخول الخلاء بها ; والمختار أنه لا يكره إذا جعل عليه شمع ونحوه ; لأنه لم يرد فيه نهي " ونقل ابن جرير الطبري عن مالك نحو هذا فقال : قال مالك " لا بأس بما يعلق على النساء الحيض ، والصبيان من القرآن إذا جعل في كن كقصبة حديد أو جلد يحرز عليه " وقد يستدل للإباحة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده { : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع كلمات : أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون . قال : وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه } ، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن .

( العاشرة ) إذا تيمم المحدث تيمما صحيحا فله مس المصحف ، وإن كان لم يرتفع حدثه وكذا إذا توضأ من به حدث دائم كالمستحاضة فله مس المصحف وحمله ، وأما من لم يجد ماء ولا ترابا فيصلي على حاله للضرورة ويحرم عليه مسه وحمله لعدم الضرورة .

( الحادية عشرة ) اتفقوا على أنه لا يجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو } " واتفقوا أنه يجوز أن يكتب إليهم الآية والآيتان وشبههما في أثناء كتاب لحديث أبي سفيان رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 85 ] كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابا فيه : { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } الآية } .

( الثانية عشرة ) قال أصحابنا لا يمنع الكافر سماع القرآن ويمنع مس المصحف . وهل يجوز تعليمه القرآن ؟ ينظر إن لم يرج إسلامه لم يجز ، وإن رجي جاز في أصح الوجهين وبه قطع القاضي حسين ورجحه البغوي وغيره . والثاني : لا يجوز كما لا يجوز بيعه المصحف ، وإن رجي إسلامه . قال البغوي : وحيث رآه معاندا لا يجوز تعليمه بحال ، وهل يمنع التعليم ؟ فيه وجهان حكاهما المتولي والروياني وغيرهما أصحهما يمنع .

( الثالثة عشرة ) أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه ، فلو ألقاه والعياذ بالله في قاذورة كفر ، وأجمعوا على استحباب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وإيضاح الخط دون مشقة وتعليقه ، ويستحب نقط المصحف وشكله ; لأنه صيانة له من اللحن والتحريف ، وفي تذهيبه وتفضيضه خلاف سنذكره حيث ذكره المصنف والأصحاب في باب زكاة الذهب والفضة ، وبيع المصحف وشراؤه جائز عندنا وفي كراهة بيعه وجهان : المنصوص يكره ، وفيه مذاهب للسلف سنوضحها حيث ذكره المصنف في باب ما يجوز بيعه إن شاء الله تعالى . وبيعه للكفار حرام ، وفي انعقاده قولان أصحهما لا ينعقد ، وسنوضحه مع فروعه في كتاب البيع إن شاء الله تعالى ، وأما آداب قراءة القرآن وتفضيلها على التسبيح وتحسين الصوت بالقرآن ونحو ذلك فسأذكره موضحا إن شاء الله تعالى في آخر باب ما يوجب الغسل فهو أليق به .



( فرع ) في مذاهب العلماء في مس المصحف وحمله : مذهبنا تحريمهما ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء . وعن الحكم وحماد وداود : يجوز مسه وحمله وروي عن الحكم وحماد جواز مسه بظهر الكف دون بطنه واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل كتابا فيه قرآن وهرقل محدث ، يمسه وأصحابه ، ولأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار ، ولأنه إذا لم تحرم القراءة فالمس أولى ، وقاسوا [ ص: 86 ] حمله على حمله في متاع واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين } فوصفه بالتنزيل ، وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا ، فإن قالوا : المراد اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهرون ولهذا قال : يمسه بضم السين على الخبر ، ولو كان المصحف لقال يمسه بفتح السين على النهي ، فالجواب أن قوله تعالى : " تنزيل " ظاهر في إرادة المصحف فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح ، وأما رفع السين فهو بلفظ الخبر ، كقوله : ( { لا تضار والدة بولدها } ) على قراءة من رفع . وقوله صلى الله عليه وسلم : " { لا يبيع أحدكم على بيع أخيه } " بإثبات الياء ، ونظائره كثيرة مشهورة وهو معروف في العربية ، فإن قالوا : لو أريد ما قلتم لقال لا يمسه إلا المتطهرون ، فالجواب أنه يقال في المتوضئ مطهر ومتطهر واستدل أصحابنا بالحديث المذكور وبأنه قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر رضي الله عنهم ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة والجواب عن قصة هرقل أن ذلك الكتاب كان فيه آية ولا يسمى مصحفا ، وأبيح حمل الصبيان الألواح للضرورة ، وأبيحت القراءة للحاجة وعسر الوضوء لها كل وقت وحمله في المتاع ; لأنه غير مقصود ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث