الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التيمم مع وجود ماء يقدر على استعماله

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجوز التيمم بعد دخول الوقت إلا لعادم الماء أو الخائف من استعماله ، فأما الواجد فلا يجوز له التيمم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : { الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء } فإن وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش فهو كالعادم لأنه ممنوع من استعماله ، فأشبه إذا وجد ماء وحال بينهما سبع ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث صحيح سبق بيانه في أول الباب من رواية أبي ذر رضي الله عنه ، ومذهبنا ومذهب مالك والجمهور أنه لا يجوز التيمم مع وجود ماء يقدر على استعماله ولا يحتاج إليه لعطش ونحوه ، سواء خاف خروج الوقت لو توضأ أم لا ؟ وسواء صلاة العيد والجنازة وغيرهما ، وحكى البغوي وجها أنه إذا كان معه ماء وخاف فوات وقت الصلاة لو اشتغل بالوضوء صلى بالتيمم لحرمة الوقت ثم يتوضأ ويعيد الصلاة ، وهذا الوجه شاذ ليس بشيء ، وحكى العبدري مثله عن الأوزاعي والثوري ورواية عن مالك ، وقال أبو حنيفة : يجوز التيمم لصلاة العيد والجنازة مع وجود الماء إذا خاف فوتهما ، وحكي هذا عن الزهري والأوزاعي والثوري وإسحاق ورواية عن أحمد ، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم { أقبل من نحو بئر جمل فسلم عليه رجل فلم يرد عليه السلام حتى تيمم بالجدار ثم رد عليه } وهو صحيح سبق بيانه .

[ ص: 281 ] وروى البيهقي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه تيمم وصلى على جنازة وعن ابن عباس رضي الله عنهما في رجل تفجؤه جنازة ، قال : يتيمم ويصلي عليها ، قالوا : ولأنها يخاف فوتها فأشبه العادم ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وبالحديث المذكور في الكتاب وبأحاديث كثيرة مصرحة بأن التيمم لا يجوز مع وجود الماء ، وبالقياس على غيرهما من الصلوات ، وبالقياس على الجمعة إذا خاف فوتها ، وهذا قياس الشافعي . فإن قالوا : الجمعة تنتقل إلى بدل فلا تفوت من أصلها ، قلنا : لا نسلم بل تفوت الجمعة بخروج وقتها ، وقد نقل الشيخ أبو حامد وغيره الإجماع على أنها تفوت بخروجه ، والجنازة لا تفوت بل يصليها على القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع ، ويجوز بعدها عندنا ، وبالقياس على من هو عار وفي بيته ثوب لو ذهب إليه فاتته ، وبالقياس على إزالة النجاسة . والجواب عن الحديث من وجهين ( أحدهما ) أنه يحتمل أنه تيمم لعدم الماء ( والثاني ) جواب القاضي أبي الطيب وصاحب الحاوي والشيخ نصر وغيرهم أن الطهارة للسلام ليست بشرط فخف أمرها بخلاف الصلاة ، وأما الأثران عن ابن عمر وابن عباس فضعيفان ، وقولهم : " يخاف فوتهما " ينتقض بالجمعة والله أعلم .

هذا حكم واجد الماء الذي لا يخاف من استعماله ولا يحتاج إليه لعطش ، فأما الخائف فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى ، وأما من يحتاج إليه للعطش فهو كالعادم فيتيمم مع وجوده ، وهذا لا خلاف فيه ، نقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه ، واتفق أصحابنا على أنه إذا احتاج إليه لعطش نفسه أو رفيقه أو حيوان محترم من مسلم أو ذمي أو مستأمن أو بهيمة جاز التيمم بلا إعادة . قال أصحابنا : ويحرم عليه الوضوء في هذه الحالة ، وقد نبه المصنف على هذا بقوله : " لأنه ممنوع من استعماله " يعني أنه ممنوع من استعماله شرعا منع تحريم ، ولا فرق بين أن يدفعه إلى المحتاج هبة أو بعوض ، صرح به الغزالي في الخلاصة وصاحبا التتمة والتهذيب وآخرون ، ولو كان محتاجا إليه لعطشه فآثر به محتاجا لعطشه وتيمم جاز ولا إعادة ، بخلاف [ ص: 282 ] ما لو آثره لوضوئه ، فإنه يعصي ويعيد على تفصيل سنذكره إن شاء الله تعالى . والفرق أن الحق في الطهارة متمحض لله تعالى ، فلا يجوز تفويته ، وأما الشرب فمعظم المطلوب منه حق نفسه ، والإيثار في حظوظ النفوس من عادة الصالحين ، وقد صرح الأصحاب بالمسألة في كتاب الأطعمة ، وسنزيدها إيضاحا هناك إن شاء الله تعالى ، وممن ذكرها هنا الشيخ أبو محمد والغزالي في البسيط أما إذا كان الحيوان غير محترم كالحربي والمرتد والخنزير والكلب ، وسائر الفواسق الخمس المذكورة في الحديث وما في معناها ، فلا يجوز صرف الماء إلى سقيها بالاتفاق ، بل يجب الوضوء به ، فإن سقاها وتيمم أثم ولزمه الإعادة إن تيمم مع بقاء الماء ، وإن كان بعد السقي فهو كإراقة الماء سفها ; وسيأتي حكمها حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى ، وأما العطش المبيح للتيمم فقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط : القول فيه كالقول في الخوف المعتبر في المرض ، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى . ثم اتفق أصحابنا على أنه لا فرق بين عطشه في الحال ، وثاني الحال فله تزود الماء إذا احتاج إليه للعطش قدمه بلا خلاف ، قال الجمهور : وكذا لو خشي عطش رفيقه أو حيوان محترم فليتزود ويتيمم ولا إعادة عليه ، وحكى إمام الحرمين عن والده أنه كان يقول يتزود لعطش رفيقه كما ذكرنا .

قال الإمام : وفي هذا نظر . قال الرافعي : الظاهر الذي اتفق عليه الجمهور أنه يتزود لرفيقه كنفسه فلا فرق بين الروحين . قال المتولي : لو كان يرجو وجود الماء في غده ولا يتحققه فهل له التزود ؟ فيه وجهان ، قلت : الأصح الجواز لحرمة الروح ، قال المتولي : ولا نأمر العطشان أن يتوضأ بالماء ثم يجمعه ويشربه لأن النفس تعافه . قال الرافعي : كان والدي يقول : ينبغي أن يلزمه ذلك إذا أمكن ولا يجوز التيمم ، قال : ما ذكره والدي يجيء وجها في المذهب ، لأن أبا علي الزجاجي والماوردي وآخرين ذكروا في كتبهم أن من معه ماء طاهر وآخر نجس - وهو عطشان - يشرب النجس ويتوضأ بالطاهر ، [ ص: 283 ] فإذا أمروا بشرب النجس ليتوضأ بالطاهر فأولى أن يؤمر بالوضوء ويشرب المستعمل . قلت : هذا الذي حكاه الرافعي عن هؤلاء مشكل ، وقد حكاه الشاشي في كتابيه عن الماوردي ثم ضعفه ، واختار أنه يشرب الطاهر ويتيمم ، وهذا هو الصواب ، فيشرب الطاهر ويكون وجود النجس كالعدم فإنه لا يحل شربه إلا إذا عدم الطاهر ، وقولهم : إنه بدخول الوقت صار مستحقا للطهارة لا يسلم ، فإنما يستحق للطهارة إذا لم يحتج إليه وهذه المسألة مفروضة فيما إذا عطش بعد دخول الوقت ، أما إذا عطش قبله فيشرب الطاهر ، ويحرم شرب النجس بلا خلاف ، صرح به الماوردي وهو واضح .

( فرع ) قال أصحابنا لو كان معه ماء لا يحتاج إليه للعطش ، لكن يحتاج إلى ثمنه في نفقته ومؤنة سفره جاز التيمم ، صرح به القاضي حسين والمحاملي في اللباب والمتولي والروياني .

( فرع ) إذا ازدحم جمع على بئر لا يمكن الاستقاء منها إلا بالمناوبة لضيق الموقف أو لاتحاد آلة الاستقاء ونحو ذلك - فإن كان يتوقع وصول النوبة إليه قبل خروج الوقت لم يجز التيمم ، وإن علم أنها لا تصل إليه إلا بعد خروج الوقت ، فقد حكى جمهور الخراسانيين عن الشافعي رحمه الله أنه نص على أنه يصبر ليتوضأ بعد الوقت وأنه نص فيما لو حضر جمع من العراة وليس معهما إلا ثوب يتناوبونه وعلم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعد الوقت أنه يصبر ولا يصلي عاريا ، ولو اجتمعوا في سفينة أو بيت ضيق ، وهناك موضع يسع قائما فقط ، نص أنه يصلي في الحال قاعدا ، واختلفوا في هذه النصوص على طريقين . ( أظهرهما ) : وهي التي قال بها الشيخ أبو زيد المروزي وقطع بها صاحب الإبانة ونقلها عن الأصحاب مطلقا ، أن المسائل كلها على قولين .

( أظهرهما ) : يصلي في الوقت بالتيمم وعاريا وقاعدا لأنه عاجز في الحال ، والقدرة بعد الوقت لا تؤثر كما لو كان مريضا عاجزا عن القيام واستعمال الماء في الوقت ويغلب على ظنه القدرة بعده ، فإنه يصلي في الوقت قاعدا وبالتيمم ، فعلى هذا القول لا إعادة عليه في المسائل كلها كالمريض . [ ص: 284 ] وذكر إمام الحرمين احتمالا في وجوب الإعادة على المصلي قاعدا لندوره ، وذكر البغوي في وجوب الإعادة عليهم كلهم قولين ، وقال : أصحهما تجب ، كالعاجز الذي معه ماء لا يجد من يوضئه ، فإنه يتيمم ويصلي ويعيد ، والمذهب الصحيح المشهور ما قدمته أنه لا إعادة عليهم لأنهم عاجزون في الحال وجنس عذرهم غير نادر بخلاف ما قاس عليه البغوي .

والقول الثاني من أصل المسألة : يصبر إلى ما بعد الوقت ، لأنه ليس عاجزا مطلقا ، والطريق الثاني : تقرير النصوص ، والفرق بأن أمر القيام أسهل من الوضوء والستر ، ولهذا جاز تركه في النافلة مع القدرة ولم يجز فيها العري والتيمم مع القدرة على الستر والماء ، وهذا الفرق مشهور قاله القفال والأصحاب وضعفه إمام الحرمين بأن القيام ركن في الفريضة فلا ينفع تخفيف أمره في النفل . قال الرافعي : وللفارق أن يقول : ما كان واجبا في الفرض والنفل ، أهم مما وجب في أحدهما ، هذا هو المشهور في حكاية النصوص ، وقال جماعة كثيرة من الأصحاب : لا نص للشافعي في مسألة البئر ، ونص في الأخريين على ما سبق ، فمنهم من نقل وخرج قولين في المسألتين ومنهم من قرر النصين وفرق بوجهين ( أحدهما ) : ما سبق ( والثاني ) : أن للقيام بدلا وهو القعود بخلاف الستر ، وبهذا الطريق قطع المصنف في آخر باب ستر العورة ، والشيخ أبو حامد والشيخ أبو محمد في الفروق والقاضي حسين والبغوي . قال الرافعي : وهؤلاء ألحقوا مسألة البئر بمسألة السفينة ، وقالوا يتيمم في الحال ، واعلم أن إمام الحرمين والغزالي رحمهما الله أجريا الخلاف الذي في هذه المسألة فيما إذا لاح للمسافر الماء ولا عائق عنه ، لكن ضاق الوقت ، وعلم أنه لو اشتغل به لخرج الوقت والله أعلم . ونقل القاضي أبو الطيب اتفاق الأصحاب على أنه لو كان معه ثوب نجس ، ومعه ماء يغسله به ، ولكن لو اشتغل بغسله لخرج الوقت لزمه [ ص: 285 ] غسله وإن خرج الوقت ، ولا يصلي عاريا ، كما لو كان معه ماء يتوضأ به أو يغترفه من بئر ولا مزاحم له لكن ضاق الوقت بحيث لو اشتغل بالوضوء خرج الوقت ، وصارت صلاته قضاء فإنه لا يصلي بالتيمم بل يشتغل بالوضوء .

( فرع ) قال الشافعي في الأم والأصحاب رحمهم الله : لو كان في سفينة في البحر ، ولا يقدر على الماء ولا على الاستقاء تيمم وصلى ، ولا إعادة عليه لأنه عادم .

( فرع ) قال أصحابنا : لو عدم الماء ووجد بئرا فيها ماء لا يمكنه النزول إليه إلا بمشقة شديدة وليس معه ما يدليه إلا ثوبه أو عمامته لزمه إدلاؤه ثم يعصره إن لم تنقص قيمة الثوب أكثر من ثمن الماء ، فإن زاد النقص على ثمن الماء تيمم ولا إعادة وإن قدر على استئجار من ينزل إليها بأجرة المثل لزمه ولم يجز التيمم وإلا جاز بلا إعادة ، ولو كان معه ثوب إن شقه نصفين وصل الماء وإلا لم يصل ، فإن كان نقصه بالشق لا يزيد على الأكثر من ثمن الماء ، وثمن آلة الاستقاء لزمه شقه ، ولم يجز التيمم وإلا جاز بلا إعادة .

( فرع ) قال الماوردي : لو عدم الماء وعلم أنه لو حفر موضعه وصل الماء فإن كان يحصل بحفر قريب لا مشقة فيه وجب الحفر ولم يجز التيمم وإلا جاز بلا إعادة .

( فرع ) لو وجد المسافر خابية ماء مسبل على الطريق لم يجز أن يتوضأ منه ، بل يتيمم ويصلي ولا إعادة ، لأن المالك وضعه للشرب لا للوضوء ذكره أبو عاصم العبادي صاحب التتمة ، ونقله صاحب البحر عن الأصحاب قال أبو عاصم وغيره : ويجوز الشرب منه للغني والفقير ، والله أعلم .

( فرع ) في مسائل ذكرها القاضي حسين هنا في تعليقه ولها تعلق بمسألة خوف العطش قال : إذا كان معه دابة من حمار وغيره ، لزمه أن يحصل لها الماء لعطشها وكذا إذا كان معه كلب محترم ، [ ص: 286 ] ككلب صيد وغيره فإن وجد من يبيعه الماء له بثمن مثله لزمه شراؤه وإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمن مثله لزمه أيضا شراؤه ، وهل تلزمه الزيادة على ثمن المثل ؟ فيه وجهان .

( أحدهما ) : تلزمه لأنه عقد صدر من أهله فهو كما لو باعه غير الماء بأضعاف ثمنه .

( والثاني ) : لا تلزمه لأنه كالمكره على هذه الزيادة لوجوب الشراء عليه ، فإن لم يبعه صاحبه ولم يكن محتاجا إليه جاز لصاحب الكلب أن يكابره عليه ، ويأخذه منه قهرا لكلبه ودابته ، كما يأخذه لنفسه فإن كابره فأتى الدفع على نفس صاحب الماء كان دمه هدرا ، وإن أتى على صاحب الكلب كان مضمونا . قال : ولو احتاج كلبه إلى طعام ، ومع غيره شاة فهل له أن يكابره عليها لكلبه ، فيه وجهان ، أحدهما : نعم كالماء . والثاني : لا ; لأن للشاة حرمة أيضا ، لأنها ذات روح ، ومتى كان صاحبه محتاجا إليه لا يجوز مكابرته بحال ، فلو كان صاحبه يحتاج إليه في المنزل الثاني ، وهناك من يحتاج إليه في المنزل الأول فوجهان ( أحدهما ) : صاحبه أولى لأنه مالكه ( والثاني ) : المحتاج أولى لتحقق حاجته في الحال ، ولو كان معه ثوب لا يحتاج إليه ، وغيره محتاج ، فهو كالماء على ما سبق . فإن كان الأجنبي يحتاج إليه لستر العورة للصلاة ، لزمه شراؤه بثمن المثل ، ولا يلزمه بالزيادة ، وإن كان يحتاج إليه للبرد فباعه بأكثر من ثمن المثل ففي لزوم الزيادة الوجهان ، وإن لم يبعه فحكم مكابرته حكم الماء . هذا كلام القاضي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث